سياسة واقتصاد سير وأعلام

الملك سلمان مع الدولة ورجالاتها

خمسون عامًا متواصلة أمضاها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله وأمتع به- أميرًا على الرياض عاصمة الآباء والأجداد، عاصمة المملكة العربية السعودية، وهي ثاني أطول مدة في تاريخ إمارات المناطق السعودية فيما أعلم. ومع أن الأمير سلمان -حينذاك- أمير على منطقة إدارية؛ إلّا أن حضوره في الدولة، ومع رجالاتها، وفي أعمال الحكومة، ومناسباتها، ظاهر بارز، ليس لأنه أمير العاصمة، وإنما لأنه “سلمان بن عبدالعزيز”.

من ذلك، أن الملك سلمان كان أحد المشاركين في لجان اختيار كبار المسؤولين ورجال الدولة، وله رأي بعيد الغور فيما يخص هذا الانتقاء؛ ولأجل هذا عرف المسؤولون له هذه المنزلة وذلكم النفوذ، فطلب منه د.عبدالله نصيف الموافقة على الاكتفاء بدورة واحدة نائبًا لرئيس مجلس الشورى، فاقترح عليه الأمير أن يستمر نائبًا في الدورة الثانية فقط، فوافق، ولم يجدد له بناء على طلبه، ولم يكن حديث الدكتور نصيف مع الملك سلمان إلّا عن بصيرة وإدراك.

يؤكد هذا، أن الملك سلمان قال للدكتور عبدالوهاب عطار في مكالمة هاتفية عقب تعيين بعض نظرائه وزراء: “فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر”، وبعدها بسنوات أصبح د.عطار وزيرًا، والدلالة في هذا واضحة. ومع مشاركات الملك في الترشيح والاختيار، وعلمه المسبق بهذا الشأن، إلّا أن الله قد رزقه فراسة صائبة فيمن يكون له مستقبل في الوظيفة الحكومية، فعندما قابل د.غازي القصيبي في البحرين تنبأ له بالوزارة، والقصيبي آنذاك أستاذ جامعي. وفي مستهل القرن الهجري الجديد ذهب معلّم شاب لمجلس أمير الرياض طالبًا شفاعته لدى وزير المعارف كي ينتقل من الوزارة لمعهد الإدارة الذي يرى مستقبله فيه؛ فانتصر الملك للشاب الطموح الذي صار بعد أزيد من ثلاثة عقود مساعدًا لرئيس مجلس الشورى فوزيرًا، وهو د.فهاد المعتاد الحمد.

وزاره في مكتبه بإمارة الرياض عضو مجلس الشورى -آنذاك- د.عبدالرحمن الجعفري، ومعه رئيس مجلس الاتحاد البرلماني الدولي، فسأل الملك د.الجعفري: هل هذه هي دورتك الثالثة في المجلس؟ فقال: نعم، وحينها قال له الملك سلمان: أمامك طريق طويل بعد نهاية عضويتك! وبعد نهاية عضوية الجعفري الشورية بنهاية دورته الثالثة عام (!426)، اختير بعد عامين رئيسًا لهيئة الاتصالات، وكان ذلكم الحوار إبان تلك الزيارة يشير إلى أن العضوية الشورية لا تتجاوز ثلاث دورات، وأن د.عبدالرحمن ينتظره منصب آخر!

كما تولى الملك سلمان بنفسه إبلاغ عدد من الوزراء وكبار المسؤولين بخبر اختيارهم للمنصب، فبعد نهاية احتفال لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، تلقى أ.د.عبدالله التركي اتصالًا هاتفيًا من الملك سلمان -أمير الرياض وقتها- يخبره فيها بأمرين، الأول: أن الملك فهد قرر إنشاء وزارة خاصة للشؤون الإسلامية، والثاني: تسمية الشيخ د.التركي أول وزير لها. ومما يضاف في هذا الباب، أن الملك سلمان يكاد أن يكون أسبق شخص من الأسرة الملكية في تهنئة من تسند إليه أمانة ثقيلة، حتى لو كان “سلمان” حينها خارج المملكة في عمل أو إجازة.

ويزيد هذا الموضوع تأكيدًا عمق اطلاع الملك سلمان على الوزارات وأعمالها، وقربه من الوزراء، فهم يحضرون كثيرًا على مائدته، ويستجيب لدعواتهم الخاصة أو الرسمية، ويرعى حفلات توديع الوزراء القدماء واستقبال من يخلفهم، بل ويقيم حفل الوداع لبعضهم مثل الحفل الذي أقامه لوزير الزراعة د.عبدالله المعمر بعد انتهاء عضويته المجلسية. وفي تلكم المجالس غير الرسمية يبث الملك ومن معه عددًا من الفوائد، والنقاشات الثرية، وليت أنها قيدت ونشرت حسب المناسب.

ولا يكتفي الملك بهذا المستوى من العلاقة؛ إذ يقدّر غاية التقدير أي وزير شديد النزاهة عظيم الإخلاص، وله في هذا الباب كلمات محفوظة، وهي تشير بجلاء إلى أن ملاحظته للمسؤولين دقيقة جدًا تتجاوز مجرد تقييم العمل. ومما يجلّي هذه المتابعة السلمانية الفاحصة، أن أحد المسؤولين الكبار أعفي من منصبه، فما لبث أن عرض عليه منصب آخر يوازي الأول؛ ولذلك ذهب من فوره إلى الملك سلمان في إمارة الرياض ليستشيره، فقال له الملك: هذا الجهاز الحيوي يحتاج إلى خدماتك وخبرتك، لكن يجب أن تحذر من بعض الموجودين فيه من ذوي الذمة المالية الواسعة، خاصة وأنت مستقيم، ونطقها الملك باللغة الإنجليزية” straight”.

وقد حفظ الوزراء والمسؤولون كلمات مختصرة معبرة عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، وهي كلمات تنبع من منهجه في الإدارة والفكر، فعندما قال له د.محمد آل الشيخ: إننا نعمل في مركز المشاريع والتخطيط -نواة الهيئة العليا فالملكية لتطوير الرياض- على هذا النحو، والنظام يقول كذا وكذا، أجابه الملك إجابة حاسمة بقوله: ما تفعلونه أحسن من الوارد في النظام! ولهذه الكلمة تفسير سيرد لاحقًا حتى يستبين المعنى البديع منها. ومن حكمته العملية أنه أولى للمحكمة والقضاء عنايته الفائقة، حى قال رئيس المحكمة الشيخ سليمان المهنا: كنا نشعر بأن الإمارة والمحكمة جهاز واحد.

كذلك نصح الملك سلمان د.حمد المانع الذي كان حينها مديرًا عامًا للشؤون الصحية بالرياض بمسلكين يمثلان مسارًا ناجحًا في العمل بعامة وفي العمل الحكومي بخاصة. النصيحة الأولى: الحرص على تيسير العمل وتقصير سلسلته؛ ذلك أن التعقيد، وطول الإجراءات، مجلبة للفساد. وفي النصيحة الثانية تنبيه ملكي جليل إلى ضرورة التدرج في نيل المطالب المنطقية بقوله: خذ وطالب! وفي المقولة المختصرة محذوف تقديره خذ واعمل وانجز ثم طالب بالمزيد، وحينها لن يرد لك طلب.

ولأن الملك لا يرضى بالوعود دون إنجاز، فقد أخبر أمين مدينة الرياض م.عبدالله المقبل عن سياسته التي خلاصتها أنه لا يعلن بأنه سيفعل ويفعل، وإنما بعد إتمام العمل واكتماله يرى الناس النتيجة التي تغني عن الكلام كثيره وقليله. هذا لا يعني انتقاد نشر الخطط المسبقة، والطموح نحو الأحسن، بيد أنه يعظم من شأن الإنجاز؛ ولذلك حين شرح الأمير سلطان بن سلمان لوالده المهيب رؤى هيئة السياحة والتراث، وما يراه البعض من استبعاد لتحقيقها، شدّ الأب على يدي نجله مؤازرًا ذاكرًا له عدة أمثلة تؤكد على أن الخيال ممكن!

ومع تداخل الملك وهو حاكم الرياض كما وصفه الملك فهد في زياراته لبريطانيا وأمريكا مع العمل الحكومي بكافة أبعاده، إلّا أنه لا يتجاوز توجيهات المقام السامي، وكم من مرة ومرة يكون له رأي في مسألة داخلية أو خارجية، وحين يبلغه ما يميل إليه الملك أو ولي العهد لا يقول سمعنا واطعنا فقط، بل ربما تولى الإشراف على تنفيذ التوجيهات كما يريدها ولاة الأمر، لا كما يراها هو، فكلنا تحت مظلة الملك ومرجعيته مثلما سمع منه المسؤولون وغيرهم.

أما المساندة التي يجدها الوزراء والمسؤولون من الملك سلمان فكثيرة لا تحصى، من ذلك أنه زار الشيخ إبراهيم العنقري وهو موظف في وزارة المعارف أو الداخلية؛ فوجده في مكتب بلا مروحة والأجواء حارة، فما لبث أن أرسل له بمروحة تحرك الهواء، وتبرد عليه. وعندما علم الملك سلمان أن أول وزير للبترول والثروة المعدنية الشيخ عبدالله الطريقي لا يملك منزلًا، بادر بالعرض على الملك فهد لشراء بيت يليق بالوزير السابق، وهو الذي كان.

وبعد أن تغير موقع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية المقترح أولًا، أصدر أمره لكل مسؤول بالتعاون التام مع الجامعة للحصول على أرض بديلة أكبر وفي موقع ملائم، وهو الذي تم. وهنا ربما أجزم أنه لم تحظ جامعة بعناية أمير منطقتها، بمثل ما حظيت به جامعتا الملك سعود، والإمام محمد بن سعود، من الملك سلمان، سواء في أماكنهما، أو حفلات التخرج، أو معارض الكتاب، أو شؤونهما كافة.

فحينما أرادت جامعة الملك سعود بناء مدينتها الجامعية بالدرعية، كان الملك سلمان أول المتبرعين، وربما أن تبرعه هو الأكبر مساحة، إذ منح الجامعة أرضًا مساحتها ستة ملايين، وقاد السيارة ومعه بعض المسؤولين ليوقفهم عليها بنفسه. ومن مؤازرته للمسؤولين أن مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، مدينة مقصودة من وفود عالمية، ولذلك أبان أحد كبار مسؤوليها للملك سلمان أنهم يعقدون اجتماعات في المدينة، يحضرها عدة أطراف، على غير المعهود آنذاك، وربما تصبح تلك الاجتماعات مثار انتقاد؛ فتوقف “سلمان” عن المشي وقال له: إذا حدثك أحد عنها فقل له إن أكثر المسؤولين يعقدون مثل هذه الاجتماعات بحكم العمل.

وأما على الصعيد الإداري، فقد اجتهد الملك سلمان في بناء نموذج الهيئة الملكية لتطوير الرياض منذ كانت فكرة فلجنة ثم مركزًا فهيئة عليا أصبحت أخيرًا ملكية، ومنحها المرونة المنضبطة كي لا يعيقها شيء. ولأن الهيئة أبدعت في الإنجاز العمراني لمدينة الرياض، وفي جمع من المشروعات الفارقة، أصبحت الأنموذج الذي نسجت على منواله هيئات ملكية وأجهزة حكومية. إن تاريخ الهيئات الملكية لتطوير المدن لا يمكن أن يدرس دون مكوث الدارس زمنًا أمام تجربة الرياض التي قادها بعزيمة واقتدار أميرها التاريخي الملك سلمان في جوانب التخطيط والتنفيذ والإشراف، وفي ميادين التحديث أو المحافظة على التراث وإحياء النمط القديم العريق.

من جانب آخر، للملك سلمان مواقف لطيفة مع المسؤولين، منها أنه ذهب للعزاء في وفاة الأديب الشيخ حمد الحقيل، وكان وزير الخدمة المدنية الشيخ محمد الفايز يهم بالخروج من مجلس العزاء قبل مجيء الأمير سلمان، فلما دخل استأخر الوزير للبقاء برهة، ثم استأذن للمغادرة، فتشفع بعض الحضور بالأمير كي يستبقيه، فأجابهم بقوله: هذا وزير الخدمة المدنية، يعني هو مديرنا، ونحن عليه لا نقدر! وهذه الرواية على طرافتها تنبيء عن عظيم تقدير الملك للمسؤولية، وتوقيره لمن يتولاها آخذًا الكتاب بقوة.

 وذات مرة، وبعد مناسبة غداء لدى الملك فهد، خرج الضيوف بعد الوجبة لشرب الشاي، فتوقف الأمير محمد بن فهد مع الدكتور عبدالعزيز الخويطر؛ ليقنعه بقبول نقل موظف من وزارة المعارف لإمارة المنطقة الشرقية، فأبدى الخويطر ترحيبه بالطلب، وكان الملك سلمان قريبًا منهما، فخاطب ابن أخيه قائلًا: احذر! فوالله إنه لم يوافق على طلبك بهذا الترحيب، إلّا والموظف سيء! والقصة تشهد على معرفة الملك بأسلوب الخويطر الإداري، وتمسكه بالموظف المتمكن، وزهده بغيره من الموظفين مثل زهده بالمظاهر الزائدة، وفي هذا السياق يورد لنا الخويطر واقعة مفادها أن الملك سلمان رأى معه جهاز هاتف جوال قديم وهما في المطار يستعدون لاستقبال أو توديع، ومن الغد أرسل له جهازًا حديثًا.

ولأن الملك يحب الرياض، ويفاخر بمشروعاتها، فقد جعل من برامج زيارات الزعماء للعاصمة جزءًا يرون فيه معالمها الحديثة، وتراثها القديم. من لطيف ما قرأته، أن الملك اصطحب الشيخ صباح السالم -أمير الكويت حينذاك- لزيارة جامعة الملك سعود، وفجأة توقف صباح وقال: يا سلمان ابتعد عني، ودع الخويطر هو الذي يمشي بجواري فهو بمثل طولي! ومن ذلك أن الملك سلمان اتخذ فلة خارج الرياض، ووضع حولها بيوت شعر وخيام، وشبة نار تحيط بها دلال القهوة وأباريق الشاي، مع مظاهر تراثية، فبهرت هذه الصورة الطبيعية زوار الرياض من المسؤولين الأجانب، خاصة قبيل المغيب أو بعده، وكانت الغاية منها إيقاع هذا الإجلال للعاصمة في نفوسهم.

وإذا تفرغ باحث جاد لتتبع تاريخ مجلس الوزراء الموقر وتطوراته، فسوف يلحظ أن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -حفظه الله وأمتع به- أحدث في المجلس أوسع تجديد وزاري في الأسماء والأجهزة وطريقة العمل، وأعاد بناء أجهزته ولجانه، واختصر المجالس الكثيرة المتفرقة في مجلسين، ومنح الفرصة لوزراء شباب من الأسرة الملكية وغيرهم، حتى أضحت الحكومة تضم خبرة الكبار، وهمة الشباب، وعلى رأسهم سمو ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء، وقائد رؤية المملكة 2030. وفي عهد الملك سلمان زاد أعضاء المجلس المتخصصون في القانون، والهندسة، والاقتصاد، ولتوافر هذه التخصصات لوازم ونتائج.

وبالمقابل تسارعت في عهد الملك سلمان وتيرة إنهاء الأعمال، ومعالجة التعثرات، وارتفعت معها المحاسبة والمتابعة، حتى غدت مغادرة المنصب بعد مدة قصيرة من الإجراءات المعهودة دون استغراب. وكذلك استرجعت البلاد السيطرة على كثير من الفرص التي وهبها الله لها، ولم تستثمرها كما ينبغي، فاستجلبت بهذه السيطرة الواعية مكاسب اقتصادية وسياسية وثقافية وغيرها، وتقدمت للمرتبة التي تستحقها مستدركة ما فات.

من التجديد الذي لا يمكن نسيانه ذلكم التحديث الكبير للأنظمة والتشريعات، حتى أصبح للمملكة دليل تشريعي مرجعي للإعداد والصياغة، وتوسعت مشاركات ذوي المصلحة وغيرهم في مراجعات قبلية لمشروعات الأنظمة، وتبع هذا العمل إجراءات تطويرية في أجهزة الدولة كافة، حتى في تنظيم عمل أئمة الحرمين، والتنويع في خطباء عرفة، وفي إنشاء هيئات ومؤسسات أو دمجها أو إلغائها. لقد بث الملك روح الشباب والنشاط والرشاقة في الجسد الحكومي وفي هيكلها الإداري الذي مضت عليه سنون لو زادت لترهل وعجز عن أداء غاياته.

ولدى الملك متابعة حتى للتفاصيل تلفت النظر، منها أن نشرة الأخبار تأخرت عن موعدها اليومي بدقيقتين، فاتصل بوزير الإعلام د.فؤاد الفارسي مستفهمًا عن سبب التأخير. وأجرى أ.د.عبدالله التركي عملية في المستشفى العسكري لم يعلم عنها أحد؛ بيد أنه فوجئ من الطاقم الطبي بأن  الملك سلمان زاره قبيل الظهر واطمأن عليه. وأذاع د.سليمان العيدي نشرة الأخبار وهو لابس ثياب الإحرام، ثم أطلّ على المشاهدين بلباسه المعتاد، فسأل الملك عن السبب الذي قد يوهم المشاهدين، وحين عرف تعليل هذا التصرف عذرهم. ووقع للشيخ عبدالله بن غديان حادث تصادم فقد الوعي على أثره، فأمر الملك سلمان مستشفى الملك فيصل التخصصي باستقباله والعناية به، لكنه سبق سيارة الإسعاف التي أحضرت الشيخ، وتوجه من الإمارة إلى المستشفى للاطمئنان على الشيخ عضو هيئة كبار العلماء.

وحينما رجع الملك سلمان من إحدى زياراته إلى أمريكا التي قابل فيها الطلبة المبتعثين، كتب تقريرًا عما شاهده ولاحظه هناك، وأحيل التقرير من قبل الملك فهد إلى لجنة كونت لدراسته، فعقدت هذه اللجنة عدة اجتماعات لمناقشة التقرير وما فيه من أفكار وآراء ومقترحات، وتبع ذلك اتخاذ إجراءات تنفع المبتعث والدولة، وتزيد مشروع الابتعاث نضجًا وتأثيرًا حسنًا.

ويعد الملك سلمان على رأس المطالبين مبكرًا بالتحويل من التوقيت الغروبي للزوالي، وهي لفتة تدل على طريقته التطويرية. وبعد تفقده لشركة الكهرباء ومشروعاتها، تحدث الملك بصراحة عن الكفاءات التي توضع في غير مواضعها الأحقّ بها، وهو ملمح ناشيء عن تلكم الزيارة التفقدية، وأوضح الملك لمستمعيه فكرته بضرب مثال على بعض الحاضرين من الشركة في الزيارة. 

ولدى الملك البصير اهتمام بالتاريخ والعراقة، فمن ذلك أنه وقف بنفسه -مستعليًا على انشغالاته- على لجان الإعداد لمؤتمر الملك عبدالعزيز، واحتفال المئوية، وأطلق اسم “طويق” على يخته. منها أنه لم يرض عن تجديد لشعار نشرة الأخبار، بسبب خلو الشعار الجديد من “السيفين والنخلة”، مما جعل إدارة التلفزيون تعدل عن رأيها، وتضعهما في الشعار الجديد. أما المنزلة التي جعلها الملك سلمان للدرعية فلا تحتاج لبرهان؛ فقصره العامر فيها، واسمه “العوجا” بما لهذه النخوة من اعتزاز وافتخار وارتباط بالمكان، وللدرعية هيئة ملكية ناهضة بمشروعاتها، وتطوير بوابتها.

وبعد أي أمسية شعرية يلقي فيها الأمير بدر بن عبدالمحسن شيئًا من أشعاره، يسأله الملك: هل كانت قصيدة “فوق هام السحب” من ضمنها؟ وحين اعتذر البدر بأنه ألقاها غير مرة، وجهه بأن تكون هذه القصيدة الوطنية من ضمن قصائد أي حفلة يستضاف فيها؛ ولا غرو فعندي الملك منزلة خاصة لبعض القصائد مثل: “مني عليكم ياهل العوجا سلام، ونجد شامت لبوتركي، ونحمد الله جت على ما تمنى”. ومرة قال الملك للقائم بأعمال سفارة المملكة بالقاهرة أحمد المحمد السديري: لو أحضر لي أحد صورة حقيقية لجدي أحمد السديري لوهبته مليون ريال!

ولا تخل مشاركات الملك سلمان من إضافات ذات مغزى، ففي مناسبة سعيدة طرح عليه بعض الصحفيين أسئلة سياسية فقال: نحن في مناسبة سعيدة، وأبعد ما نكون عن السياسة. واشتهر عنه في حفلات العشاء أنه يرغب بتحويل مجرى الحديث للثقافة والمجتمع بعيدًا عن العمل. وعندما زار مدينة المجمعة، سأل وزير الخارجية آنذاك الأستاذ عادل الجبير عن قبيلته التي يرجع إليها، وفي عيادته للسفير أبي سليمان الشبيلي وهو مغمى عليه في المستشفى قال كلمة خبير بالرجل وتاريخه الدبلوماسي: إذا أردتم أن يستيقظ أبو سليمان فقولوا له: جاءك ضيوف! وبعد حفل تخريج عسكري بادر الملك بأحاديث وداد مع بعض كبار القبائل الحاضرين قائلًا: نحن لن ننساكم.

وليس بمستغرب حين نروي عن سلمان القارئ، وقد تجاوز القراءة إلى نقاش الكتب مع المسؤولين، والتوصية بها، وإرسال بعضها هدية لهم. ومن خبره مع الكتب حثه مسؤولي المالية والجمارك على قراءة مذكرات الحسون، وهو حث لا يستهدف الإمتاع فقط، بل ليعرف المسؤول تاريخ العمل الإداري، والثغرات المحتملة. وتشمل قراءات الملك كتبًا عربية وأجنبية، موافقة ومخالفة، وهو يتفاعل مع المؤلف والكاتب فيتصل شاكرًا أو مصححًا، مثلما حصل في مواقف كثيرة، منها ما ذكره الأستاذ منصور الخريجي نائب رئيس المراسم على إثر نشر سيرته، و من ضمنها تصحيح الملك لفهم خاطئ من بعضهم لوصف أهل العارض بأهل العوجا.

كل ما سلف ومثله أضعاف مضاعفة، جعلت وزير الإعلام الأسبق د.محمد عبده يماني يخاطب الأمير سلمان في إحدى المناسبات بقوله: أصحاب السمو الملكي الأمراء سلمان بن عبدالعزيز! كل ما سلف ومثله أضعاف مضاعفة دفعت الكاتب المفكر زين العايدين الركابي لاختيار عنوان جميل لكتابه هو: “سلمان بن عبدالعزيز… الجانب الآخر”. كل ماسلف وأمثاله حفز سفراء الدول الكبرى لإخبار زعمائهم الزائرين للمملكة بأن شخصية “سلمان” ليست شخصية عابرة، وأن تأثيره يتجاوز إمارته للمنطقة.

 كل ما سلف وأمثاله أضعاف مضاعفة تدفع جميع من عرف الملك سلمان، أو تعامل معه في أي مكان، لأن يدلي بدلوه بخبر، أو رواية، وفيها كلها إشارات تقرر ما رسخ في أذهان الناس منذ القدم عن شخصية الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله ورعاه-، الشخصية الجامعة التي تشربت المعالم الرئيسة في شخصية والده الملك المؤسس، وفي شخصيات أسلافه السابقين من الأئمة والأمراء: عبدالرحمن الفيصل، وفيصل بن تركي، وتركي بن عبدالله، وعبدالله بن محمد، ومحمد بن سعود، رحمهم الله وغفر لهم.

لقد كانت الدولة فكرة ومشروعًا، والدولة بشقيها الحكومي والمجتمعي، والدولة تاريخًا وواقعًا ومستقبلًا، المجال الأهم والأولى لدى “سلمان”، وكان رجال الدولة ورموزها في القديم والحديث وحتى المستقبل، محور العناية لديه انتقاء وثناء وتوجيهًا وتأهيلًا؛ فالدولة وفكرتها ورجالاتها، من ركائز إدارة الحاضر، ورسم المستقبل، والسير الآمن نحو المطلوب الأسمى.

ahmalassaf@

الرياض- الخميس 27 من شهرِ صفر عام 1447

21 من شهر أغسطس عام 2025م

Please follow and like us:

8 Comments

  1. جهد بحثي واضح، و معالجة مركزة وعميقة لجوانب هامة من شخصية وافعال سلمان بن عبدالعزيز والتي يتعذر الإحاطة بها في بحث واحد مهما بُذل فيه من جهد .

  2. سعادة الاخ احمد العساف
    تحيه طيبة. قرأت مدونة سيدي. الملك سلمان التي قمتم بكتابتها
    ما شاء الله شامله جامعه بها دقه
    في السرد والمواقف
    وشملت سنوات طويله مع مهاره
    كما لو انني اشاهد فلم وثائقي
    سعادة الاخ لكم أسلوب توثيقي
    مميز بكم لا يضاهيكم احد به
    موفق دوم واسعد بما تكتبونه
    سيدي الملك سلمان كان ولا يزال
    حفظه الله ملكا 🤲🇸🇦🇸🇦

  3. هذه المقالة أشبه بوثيقة تأريخية سهلة الوصول والفهم والإطلاع، لرجل عظيم في قلب وطنه وقلب من تعامل معه، اختصرت فيها لنا مواقف كبيرة بأسطر بديعة، دائماً أتمنى هذه المدونة أن تحظى بعناية خاصة لدى الشباب-في التعليم-، لإنها وصل بيننا وبين معرفة تأريخ رموزنا بلغة سلسة مفهومة ولذيذة.. فالشكر لك كاتبنا القدير لهذه الجهود الحثيثة في كتاباتك الوطنية الملهمة..
    ولإن اليوم تميزت هذه المقالة عن كل المقالات لإنها عن الملك سلمان-حفظه الله ورعاه- أفصحهم خطابا وأمنعهم جنابا وأوسعهم بالعقل والرجاحة رحابا، وأشدهم للخير محبة، وأقربهم للناس مودة، وأوفاهم عهداً وأصفاهم ودا، فقطعا ستكون الأقرب والأحب لقلوبنا من كل المقالات..
    وقد راق لي هذا النقل عن ملكنا حفظه الله ..
    “لقد تعب سلمان بن عبد العزيز في بناء نفسه، وكدح واجتهد وتيقظ وثابر وطوّل النَّفَسَ في ذلك كله.. لقد أخذ الأمور مأخذ الجد: في توثيق صلته بالله، وفي الحرص على خدمة الملك بلا كلل، وفي مد جسور الأخوة والمحبة والتفاعل والتعاون مع الناس ورعاية مصالحهم، وفي تنويع مصادر معرفته وثقافته وصقل عقله ومواهبه كافة بارقى ما تصقل به العقول والمواهب، وفي فهم الإسلام نهما سديداً منيراً: ثبت من خلاله على ما يجب الثبات عليه دون تلفّت ولا تردد ولا مساومة، وانحاز به إلى حركة التقدم المستمر فيما ينبغي الاجتهاد والتجديد فيه: بهمة واستبشار وداب.. ولقد أثمر ذلك كله – بتوفيق اللّه وعونه وفضله – (شخصية متكاملة متوازنة سوية رضية فاعلة). نحسب أننا اجتلينا جانباً مضيئاً من جوانبها المتعددة)….
    يحق لنا الفخر ..بحبنا لولاة أمرنا ومليكنا وكل رمز من رموز هذا الوطن الممتدة جذوره..

  4. اهنئك اخي الفاضل الدكتور احمد على هذه المدونة الرائعة. فالكتابة عن شخصية بحجم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز امد الله في عمره على طاعته عملية ليست سهلة ابداً بل شاقة خاصة لمن يريد الكتابة بإختصار وتركيز .
    لقد أجدت في كتابة هذه المدونة وليس ذلك بغريب عليك بل هو المتوقع .
    وفقك الله واعانك وسددك .

  5. ملك حكيم ورجل دولة بمعنى الكلمة ..
    حفظه الله ورعاه وأدام عليه ..
    موفور الصحة والعطاء ..

    وجزى الله الكاتب خير الجزاء ..
    على نقل هذه الصورة المشرقة ..
    بعقل وفكر وصدق .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)