سياسة واقتصاد سير وأعلام

أهل العارض في مجلس الوزراء

العارض هو أحد مناطق “نجد” الشهيرة، وله حدود تتسع أو تتقارب. وهو منطقة مهمة جدًا، فللعارض تاريخ مؤثر في أحداث المنطقة المحيطة به فما بعدها على امتداد الصحراء، وفي مدنيتها، وتاج هذا التأثير تمثل في قيام الدولة السعودية قبل ثلاثمئة عام، مع أن أوائل بيت الزعامة حاضرون قبل ذلك بقرون، وحكموا الدرعية بعد رجوع جدهم مانع المريدي إليها. لقد دوت صيحة “أهل العوجا” في أرجاء الجزيرة العربية، وترنم بها الشعراء بالفصحى والعامية، وكانت هذه الكلمة حافزة للجيوش، مستثيرة لمعالي المعاني، مفزعة للأعادي، خالعة للقلوب؛ ولا ريب فهي، وشيخها الأكبر، عمى عين الحريب، وصمم أذن المريب.

وبعد أن كتبت عن الذين عملوا في مجلس الوزراء الموقر من عدة أماكن ضمن مشروع بحثي آمل أن يكتمل قريبًا، وردني سؤال محدد، من شخص عزيز، خلاصته: متى تكتب عن الوزراء من أهل العارض؟! فأجبت السائل الموفق بأني قد كتبت عنهم مرتين على الأقل فيما يخص علاقتهم بمجلس الوزراء، ولا مانع من كتابة ثالثة فيها تحديث، وضم لأطراف الموضوع، مع الإحالة في الجديد على ما سبقه؛ لصعوبة جمع المادة الطويلة نوعًا ما في مقال واحد قابل للقراءة.

يبلغ عدد أهل العارض في مجلس الوزراء وتاريخ وزراء السعودية حتى ساعة هذه الكتابة ستين عضوًا، متوسط سنوات عضوية الواحد منهم -حتى الآن- اثنا عشر عامًا قابلة للزيادة، ومتوسط العمر للوزير عند اختياره أربعة وأربعون عامًا، وهو رقم قابل لأن يصبح في المستقبل أكثر شبابًا. وقد تولى هؤلاء الوزراء المسؤولية عن ثلاثين حقيبة وزارية أو مسؤولية وزارة دولة مفردة أو مخصصة لشأن ما، وبالتكرار يرتفع عدد الوزارات التي حمل وزراء هذه القائمة أمانتها إلى قريب من ثمانين وزارة، ويلامس الرقم سقف المئة إذا أضفنا له أوصاف النيابة الأولى والثانية والرئاسة للمجلس الموقر.

يأتي على رأس وزراء أهل العارض أبناء الأسرة الملكية العريقة، وعددهم حتى الآن أربعون عضوًا من الملوك والأمراء. مما يلاحظ أنه حدث أكبر تجمع لأبناء الملك المؤسس في الحكومة الوحيدة التي كونها الملك خالد عام (1395=1975م)؛ إذ اجتمع خلال أول خمس سنوات من عمر ذلكم التكوين سبعة إخوة من أبناء عبدالعزيز هم الملوك والأمراء: خالد، وفهد، وعبدالله، وسلطان، ومتعب، ونايف، وماجد، وهو مالم يجتمع قبل ذلك التكوين الوزاري ولا بعده.

وفي هذا العدد البالغ أربعين وزيرًا الذي يمثل الخمس من مجموع أعضاء المجلس -تقريبًا- حتى الآن أوليات وفرائد أشرت لها في مقال سابق عن الوزراء من بيت الحكم التليد، ويمكن الرجوع إليه للاستزادة، علمًا أن أكبر حضور لهم في العضوية المجلسية شهده عصر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله ورعاه-، وهو أمر مفهوم من أجل تمكين الأجيال الجديدة، ونقل الخبرة إليها، وهذا من حسن الرعاية للمسؤولية، وكمال التهيئة للمستقبل، والإخلاص لفكرة الدولة ومشروعها.

كما وقع الاختيار على اثني عشر وزيرًا من أسرة آل الشيخ؛ ليصبحوا أعضاء في مجلس الوزراء ابتداء من عام (1380=1959م)، وعقب ذلك استمرت عضويتهم في جميع التكوينات الوزارية المتوالية في أعوام (1381، 1395، 1416، 1420، 1424، 1436، 1440، 1440). ونجد بالتتبع أن أكبر اجتماع لأعضاء في المجلس من أسرة آل الشيخ هو ما يرى جليًا في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -حفظه الله وأمتع به-، وهو الزعيم البصير بالتاريخ رواية ودراية. فيما مضى كتبت مقالًا خاصًا عن وزراء هذه الأسرة العلمية العريقة، وحصرت فيه عدة معلومات وفوائد لمن شاء الاطلاع عليها.

كذلك دخل إلى عضوية مجلس الوزراء ثمانية أعضاء آخرون من مختلف مناطق العارض، أولهم د.عبدالله المعمر، وزير الزراعة والمياه (1416-1422)، ثم وزير الزراعة (1422-1424)، وهو من العيينة وسدوس، ولأسرته رباط نسب وثيق مع البيت الحاكم. ثمّ تلاه في عام (1432) المهندس شويش الضويحي وزيرًا للإسكان، وبقي في منصبه حتى منتصف عام (1436=2015م)، وتنتمي أسرته إلى الباطن، ووالده من رجال الملك عبدالعزيز الذين استعملهم بعد عودته للوطن، واسترجاعه للبلاد.

كما اختير المهندس عبدالله المقبل وزيرًا للنقل بعد أن عمل سنوات عددًا وكيلًا للوزارة، فأمينًا للعاصمة الرياض، وبقي في منصبه الوزاري دون العامين. ومما يجدر الإشارة إليه أن أسرته النبيلة تنتمي مكانيًا إلى قصور المقبل بجوار ضرماء، ولهم صلات عميقة قديمة مع الأسرة الحاكمة، سواء بإصهار آل المقبل إلى أسرة عريقة  من العناقر، وقد تزوج  الإمام تركي بن عبدالله من هذه الأسرة العنقرية وأنجب نجله الإمام فيصل، أو بالنسب والخؤولة، حتى أن الملك فيصل تربى في طفولته المبكرة بضع سنوات عند جدته لأمه هيا المقبل، وكان لهما حكايات مؤثرة إلى أن التحق بوالده؛ فبيوت الحكم تعتني بالتربية على التعاقب، وتجتهد في الإعداد للنهوض بالمسؤولية.

وبعده أصبح م.عبدالرحمن الفضلي وزيرًا للزراعة ثم وزيرًا للبيئة والمياه والزراعة ولا يزال، وهو من مدينة ملهم المجاورة للرياض، التي أصبحت ملهم “العارضية” إحدى حواضن المعارض الكبرى في العالم، والمستقبل لها يبشر بالأحسن، وكان والده من كبار ضباط الحرس الملكي، وله خبرة طويلة في القطاع الخاص. وقد زامله في التكوين نفسه ولا يزال القانوني الخبير د.عصام بن سعيد الذي سمي وزير دولة فوزير دولة لشؤون مجلس الشورى، ولهذا التخصيص أهمية لافتة لارتباط المجلسين بالأنظمة والتشريع، علمًا أن د.عصام رئيس سابق لهيئة الخبراء، ومن قدامى العاملين فيها، وأحد أبرز المشتغلين بمشروعات الأنظمة، وهو من أسرة معروفة نابهة من بيوت الرياض ذات الامتداد الرسمي والمجتمعي في المكارم والرياضة والثقافة والعمل الرسمي والخيري.

أما د.عواد العواد، ابن الدرعية، القادم من أعمال الاستثمار والدبلوماسية، فقد غدا وزيرًا للثقافة والإعلام لمدة سنتين ابتداء من عام (1438)، وبعد هذه العضوية أسندت إليه مناصب أخرى في حقوق الإنسان وغيرها. وفي عام (1440) طلب من الأستاذ بندر الخريف العودة العاجلة من أمريكا التي يزورها عائليًا لأجل تكليفه بمسؤولية وزارة ناشئة للصناعة والثروة المعدنية، وهو من إحدى أسر حريملاء الكبيرة التي لها باع عريض في التجارة والصناعة، واشتهر بالجدية الصارمة، وأخذ الكتاب بقوة، منذ شبابه الباكر، حتى عرفه القريبون فمن وراءهم بالنجاح الباهر في إدارة أعماله. وفي عام (1444)، انضم لعضوية المجلس المهندس إبراهيم السلطان؛ ولا غرو فابن القرينة قد اقترنت في شخصيته الوقورة خبرة سنوات طويلة في الهيئة العليا ثم الملكية لتطوير مدينة الرياض، وفي أمانة العاصمة، مع ملازمة رجال دولة والقرب منهم، إضافة لما حباه الله من جلد وصبر وعزم صلب، وهو ثالث مسؤول من الهيئة، وثاني أمين للعاصمة، من الذين صاروا وزراء؛ وحق لهم ولهما.

اللهم بارك لنا في أهل العارض وأهل العوجا، واحفظ لنا ساكن قصر “العوجا” ووفقه لكل خير عاجل وآجل، وعمّ بهذا الدعاء جميع المسؤولين أيًا كانت مواقعهم. اللهم ادم على البلاد إيمانها ونماءها، واحفظ عليها قوتها ووحدتها، واجعلها في عز ومنعة، وفي رشاد وسداد، وفى غنى واستعلاء. وأخيرًا لعله يجوز لي أن آمل بأن يكون هذا المقال على اختصاره مرضيًا لمن سأل عن الوزراء من أهل العارض؛ فدفعني للبحث والسؤال والرجوع لقوائمي، حتى تبدى لنا هذا الأمر الجوهري غير العارض، من تاريخنا الإداري، عن ذوي المنزلة والإجلال من أهل العارض.

ahmalassaf@

الرياض- الثلاثاء 25 من شهرِ صفر عام 1447

19 من شهر أغسطس عام 2025م

Please follow and like us:

2 Comments

  1. ماشاء الله تبارك الله
    سلمتم استاذنا …
    لا جف لك مداد ، رصد رائع و تتبع دقيق ، بارك الله في عمرك و عملك و نفع به و نفع بك .
    و جزاك الله عن أهل العارض خير الجزاء ، و أجزل لك في الأجر و المثوبة 🤲🏻🌹.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)