“العربية” قدر جميل ارتبط بديارنا من وجوه عدّة، فبلادنا تقع في الجزيرة العربية وتضم معظم مساحتها، وتسكنها قبائل عربية قديمة متعاقبة، ثم بُعث فيها نبي عربي خاتم -عليه أتم الصلاة وأزكى التسليم-، وأنزل معه كتاب سماوي خالد، بلسان عربي مبين. وبعد ذلك ارتبطت البلاد -حرسها الله- بالعربية من اسمها الذي أبان عن جمع أطرافها وتوحيد جهاتها، واختاره لها مؤسسها الملك عبدالعزيز -رحمه الله-، وازداد الارتباط بالعربية من العَلَم ومضمونه، ومن النظام الأساسي للحكم ومواده.
وقد عُني خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله ورعاه- باللغة العربية منذ نشأته، ويمكن تتبع هذه العناية الملكية الفائقة والفارقة في ملامح جليّة. أول هذه الملامح أن الملك سلمان من أوائل إخوانه الذين قرؤوا القرآن الكريم وختموه كاملًا، ثمّ استمرت عنايته بالكتاب العزيز مساندة لجمعياته، ومؤازرة لمشروعاته العلمية الحضورية أو الإلكترونية، ورعاية لمسابقاته المحلية والدولية، وليس بخافٍ عظم أثر القرآن الكريم في صيانة اللغة العربية، وفتح أبواب العلوم لها ومنها.

وكان للملك سلمان صلات متينة مستمرة محلية وعربية وعالمية مع رموز الصحافة والكتابة والثقافة، وفي سجل أخباره الإعلامية نجد تواتر استقبالاته للصحفيين والوفود الإعلامية، وهذه الحفاوة لا تكون إلّا من شريك لهم في حب الثقافة ومهارة استخدام اللغة. ومن هذا الباب تكريمه الدائم للعلماء والأدباء والكتّاب والشعراء، فقد كان للشيخ حمد الجاسر ولمجلسه الأدبي منزلة خاصة لديه حتى ترأس مجلس أمناء مؤسسته، وكثيرًا ما صاحبه الشيخ عبدالله بن خميس في الاحتفالات وألقى فيها القصائد، وقد أسمى عددًا من شوارع الرياض بأسماء شعراء وكتّاب وأدباء. ومن هذا القبيل خدمة الكتاب بافتتاح معارض الكتب وتأييدها، والوقوف خلف إنشاء مكتبة الملك فهد الوطنية، ومراكز ومؤتمرات تاريخية، وهي تتصل مع اللغة بالنسب والسبب.

كما أصدر مقامه السامي أمره الملكي في 27 من شهر محرم عام 1439 = 17 من شهر أكتوبر عام 2017م القاضي بتأسيس مجمع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود للحديث النبوي الشريف بالمدينة، والحديث الشريف نصٌّ عربي رفيع، نطق به أفصح من تكلم بالعربية -صلى الله عليه وسلم-، ونصوص السنة الصحيحة يحتج بها في اللغة والنحو وغيرهما من علوم العربية.

ثمّ أُسس في عصره مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية بموجب قرار صادر من مجلس الوزراء بتاريخ 13 من المحرم عام 1442= 01 من شهر سبتمبر عام 2020م، وللمجمع مبادرات وإسهامات في خدمة العربية وعلومها ومشروعاتها، حتى أصبح المرجعية الوطنية في هذا الباب المهم، وتفرد في طريقة العمل بمنجزات لها دلالات لغوية محلية، وسبق عن المعهود لدى بعض المجمعات السابقة بمعاجمه وأدواته وطرق عمله مع دارسي اللغة.

وفي الخامس عشر من شهر شعبان عام 1447= 03 من شهر فبراير عام 2026م وافق مجلس الوزراء الموقر، بموجب قراره ذي الرقم (٥٨٨) على السياسة الوطنية للغة العربية في المملكة العربية السعودية. تهدف هذه السياسة إلى تعزيز ريادة المملكة في الحفاظ على اللغة العربية؛ بوصفها المرجعية العالمية في اللغة العربية، وموطن العربية الأول، وتمكين اللغة في مجالات الحياة العلمية والبحثية والاقتصادية وفي المؤتمرات والمنظمات الدولية.

كذلك تنطلق هذه السياسة من كون اللغة تعبر عن السيادة، والاستقلال، والهوية، والأمن الثقافي، وأنها مركزية في التعليم خاصة تعليم الأطفال في المراحل المبكرة، وهي أساسية في أي حضور رسمي سعودي داخل المملكة وخارجها، ومن كبير حسنات هذه السياسة أنها تحمي اللغة من أيّ اجتهادات، ومن أيّ تجاذبات فكرية، فهي لغة وطنية لا مجال للتهاون فيما يؤدي لتقويتها وتمكينها والارتقاء بمنافعها.
كما أكد الأمر السامي رقم (٥١٧٩٥) وتاريخ 16 من شهر رجب عام 1445= 28 من شهر يناير عام 2024م على الأجهزة الحكومية عند إبرام اتفاقيات أو مذكرات تفاهم ثنائية تضمين نصٍّ في الاتفاقية أو المذكرة يفيد بمساواة اللغة العربية للغة الأخرى في الحجية القانونية. في هذا التأكيد اعتزاز بالدولة ولغتها، وهو ليس بغريب على مقام الملك الذي أمر إبان إمارته للعاصمة الرياض بأن تزال اللوحات الأجنبية، ويستعاض عنها بأخرى عربية اللسان والبيان، ثمّ أصدر مجلس الوزراء في عهده قواعد مهمة لصياغة الأنظمة، وصدر على إثرها دليل محكم لإعداد الأنظمة وصياغتها، كما صدر بعد ذلك دليل استرشادي للترجمة الرسمية إلى العربية ومنها، وكل هذه الأدلة تخدم اللغة من أوجه ظاهرة.
ويُعدُّ الملك سلمان من الزعماء العرب الذين حفظت لهم كلمات تفيض بالدفاع عن العربية والحث على تعلمها، وكلماته مجموعة في كتاب واحد صدر قبل سنوات، وبعضها محفوظ في موقع وكالة الأنباء السعودية “واس”، منها قوله: “لقد حفظ اللهُ اللغة العربية بحفظه للقرآن الكريم، لكنَّ محافظة كل منا على هذه اللغة إسهامٌ في الحفاظ على الهوية، وهو ما يجدر بنا جميعًا فعله، وفق الله الجميع لما فيه الخير”.
هذه الكلمات تزداد تأثيرًا وخلودًا عندما يعلم سامعها عن الإنجازات اللغوية التي وفق الله إليها خادم الحرمين الشريفين، ففي لفتة من خبير عارف وجه نصيحة ثمينة قائلًا: “يجب على المواطنِ، وخاصة الشباب والشابات، أن ينهلوا من لغتهِم العربية؛ ليتمكنوا من خدمة دينهم ووطنهم أكمل الخدمة، وعليهم أن يحذروا من الشوائب والمفردات التي لا تتفق مع اللغة العربية، أو تؤثر سلبًا، فلغتنا العربية ذات معجم ثري، ومفردات خلاقة جميلة، تستطيع التعبير بوضوحٍ عن مكنونات النفسِ بمختلف الصورِ، وتحوي كوامن الإبداعِ، وهي سهلة لكلِ من تمكن منها، ثرية غاية الثراء في الكلمات والمعاني والمفردات”.

من المهم إيضاح أن هذه العناية الملكية باللغة العربية تأتي ضمن سياق متصل يمثل نسيجًا متناسقًا تتعاضد مكوناته لخدمة العلم والثقافة والحضارة. يتكون هذا النسيج بالإضافة إلى ما سلف من الجهود الملكية المتعلّقة بالتاريخ، فتاريخنا محفوظ أكثره بلغتنا، وكذلك الالتفات صوب العمران وفنونه، والآثار والتراث المكاني، لأنها جزء من الإرث الثقافي والحضاري المادي المتصل بعروبتنا. يضاف لذلك رعاية الفنون، وخدمة المجتمع ومؤسساته، والعلاقة وثيقة الصلة بالإعلام، وبالكتاب قراءة ونقاشًا وتأليفًا، حتى غدت المكتبة الملكية مضرب المثل الذي يندر نظيره.

إن اللغة جزء من عقل المرء وقلبه، ومن الثقافة، ومن الأمن القومي، ومن الاقتصاد بعامة والاقتصاد الثقافي بخاصة، ومن القانون، ومن المكتبة، ولها مساس بشؤون الحياة كافة، والمأمول أن ترتقي مؤسسات المجتمع بلا استثناء حتى تزيد من أعمالها لخدمة هذه اللغة وعلومها وما يرتبط معها أو بها، ولهم في النهج الملكي الكريم القديم والحديث خير قدوة تحفز على أخذ الكتاب بقوة، والمضي بعزم صلب من أجل لغتنا التي تشاركنا الحياة والمصالح، وتحفظ لنا تراثنا الشفهي والمكتوب.
الرياض- ليلة الخميس 20 من شهر ربيع الآخر عام 1448
01 من شهر أكتوبر عام 2026م
2 Comments
ما أحسن أن يكتب المرء
عن جمال العربية ..
ثم تكون لغته نفسها
أجمل شهادةٍ لها .
حفظ الله ملكنا سلمان ..
وأدام عنايته بلغة القرآن .
اللهم آمين، وشكرا لكم.