أحيانًا يصبح عمل واحد للمرء أعظم من مجمل أعماله؛ فقد بلغ ذلكم العمل الذروة، حتى يغني كتاب عن مئات، ومقال عن ألوف، وقصيدة عن ديوان، وبيت عن قصيدة، ولوحة عن معرض، وهكذا. من الأمثلة البارزة “ضادية” الشاعر الأندلسي ابن زيدون الذي نحفظ ويحفظ العشاق نونيته الشهيرة. هذه الضادية من عيون الشعر العربي لما فيها من معان عميقة وألفاظ فخمة، وإشارات تصلح للاستخدام بين متنافسين على قلب امرأة أو غيره، إضافة إلى أن استخدام هذه القافية النادرة تدل على التحدي، واستعمال هذا الحرف فيه تعبير عن القوة، ومحاولة ضبط النفس على عسر هذا الضبط؛ حتى تحول الحب إلى وثيقة صراع خالد.
كتب الشاعر والوزير الأندلسي أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن زيدون المخزومي ( 394-463= 1003-1071م) ضاديته، وهي موجهة لصديقه وزير قرطبة أبي عامر بن عبدوس، وفيها إلماحات عن ولادة بنت المستكفي، وهي الأميرة التي اشتركا في عشقها، وفي هذه القصيدة ثلاثية الأشخاص تحذير وتهديد، وفخر وعتاب، كما أنها مليئة بتفسير طبائع البشر، ومسالك كرام الناس ذوي المراعاة والمداراة والصبر، مع أن الصبر قد ينفد؛ فيتحول الصابر إلى وحش كاسر.
ابتدأ ابن زيدون قصيدته بمطلع مباشر دون مقدمات، وهو مطلع بلغ الغاية في الفخامة والقوة وشدة الوقع على النفس؛ إذ خاطب صاحبه قائلًا: “أَثَرتَ هِزَبرَ الشَرى إِذ رَبَض *** وَنَبَّهتَهُ إِذ هَدا فَاغتَمَض”، وهذا المطلع يخلع القلب ويوقع الهيبة في النفس؛ فمن ذا يجرؤ على إغاظة أسد الغابة، وهل في الغابة أشرس من الأسد وأقوى فتكًا منه؟ والعجيب أن الصاحب استمر سادرًا في نهجه؛ ولذا رمى إليه ابن زيدون قذيفته في البيت الثاني قائلًا: ” وَما زِلتَ تَبسُطُ مُستَرسِلاً *** إِلَيهِ يَدَ البَغيَ لَمّا انقَبَض”، وقد لا يشعر الباغي بأن يده المبسوطة بالعدوان لها يوم قريب تقطع فيه أبعد من مفصل الكف: “فإن سكون الشجاع النهوس *** ليس بمانعه أن يعض”!
والذي يبدو أن ابن زيدون حرص على مراعاة وداد قديم أو جوار أو علاقة بينه وبين الذي تجرأ على منافسته، فحاول أن يلين له الكلام، وبذكرّه بسابق العهد، فإن حسن العهد من الإيمان. ولتوضيح مراد ابن زيدون قال: “حَذارِ حَذارِ فَإِنَّ الكَريمَ *** إِذا سيمَ خَسفاً أَبى فَاِمتَعَض”، ثم أفاض في بيان فساد القياس، فبعض الناس أو الدول يقارن نفسه بمن هو أعظم منه، مع أن البون بينهما شاسع، والفجوة كبيرة، وبمجرد أن يتجاوز الكبير مرحلة الحلم والتصبر يعي أولئك الغافلون الحقائق؛ بيد أنه وعي متأخر، وإبراء للذمة أخبر شاعرنا رفيقه القديم بذلك قائلًا: “أُعيذُكَ مِن أَن تَرى مِنزَعي *** إِذا وَتَري بِالمَنايا انقَبَض // فَإِنّي أَلينُ لِمَن لانَ لي *** وَأَترُكُ مَن رامَ قَسري حَرَض”.
ثمّ إنه لم يكتف بذلك، بل عاد وذكر بما كان من شانهما في سالف الأيام، وكأن هذا التذكير فيه محاولة لرد الصاحب القديم إلى صوابه، أو تقديم العذر للتاريخ إن أصر على موقفه وتعرض لغضبة ابن زيدون:
أَبا عامِرٍ أَينَ ذاكَ الوَفاءُ *** إِذِ الدَهرُ وَسنانُ وَالعَيشُ غَضّ
وَأَينَ الَّذي كُنتَ تَعتَدُّ مِن *** مُصادَقَتي الواجِبَ المُفتَرَض
تَشوبُ وَأَمحَضُ مُستَبقِياً *** وَهَيهاتَ مَن شابَ مِمَّن مَحَض
أَبِن لي أَلَم أَضطَلِع ناهِضاً *** بِأَعباءِ بِرِّكَ فيمَن نَهَض
أَلَم تَنشَ مِن أَدَبي نَفحَةً *** حَسِبتَ بِها المِسكَ طيباً يُفَضّ
أَلَم تَكُ مِن شيمَتي غادِياً *** إِلى تُرَعٍ ضاحَكَتها فُرَض
وَلَولا اختِصاصُكَ لَم أَلتَفِت*** لِحالَيكَ مِن صِحَّةٍ أَو مَرَض
وَلا عادَني مِن وَفاءٍ سُرورٌ*** وَلا نالَني لِجَفاءٍ مَضَض
يَعِزُّ اِعتِصارُ الفَتى وارِداً *** إِذا البارِدُ العَذبُ أَهدى الجَرَض
ليس هذا فقط، بل إن ابن زيدون يشفق على صديقه من وعود “ولادة”؛ فبعض الناس -والدول- ولود الوعد عاقر الإنجاز، وكان مما قاله شاعرنا لرفيقه: “وَغَرَّكَ مِن عَهدِ وَلّادَةٍ *** سَرابٌ تَراءى وَبَرقٌ وَمَض”، ثم أكدّ هذا الوصف بقوله: “هِيَ الماءُ يَأبى عَلى قابِضٍ *** وَيَمنَعُ زُبدَتَهُ مَن مَخَض”، وبعد تعداد للفروق بينهما، وشرح للواقع وحقيقة الحال، يؤكد ابن زيدون لصاحبه أن باب الرشد والتوبة مفتوح: “أَبا عامِرٍ عَثرَةً فَاِستَقِل *** لِتُبرِمَ مِن وُدِّنا ما اِنتَفَض”، والمؤسف أن التأني وطول البال من الأقوياء يفهمه الحمقى والمستعجلون على أنه عجز أو خوف، ولا يستيقظ الواحد منهم إلّا بعد توالي الفجائع عليه.
وفي القصيدة قابل ابن زيدون بين غش صاحبه وإخلاصه: “تشوبُ وَأَمحَضُ مُستَبقِياً *** وَهَيهاتَ مَن شابَ مِمَّن مَحَض”، وبين “السرور” و “المضض”، وهو من ركائز هذه القصيدة القائمة على المقارنة بين حالين ومنهجين، كما أبان ابن زيدون عن بعض التناقضات فهذه الولادة اسمًا عاجزة عن العطاء فعلًا، وأن من استثمر الوسن وغفلة الزمن قد يصحو على ريق الموت وغصته وهو “الجرض”: “وَلا عادَني مِن وَفاءٍ سُرورٌ *** وَلا نالَني لِجَفاءٍ مَضَض// يَعِزُّ اِعتِصارُ الفَتى وارِداً *** إِذا البارِدُ العَذبُ أَهدى الجَرَض، وقد كرر التأكيد على موقف ذوي العزة إذا سيم الواحد منهم خسفًا أو ظلمًا انتفض رافضًا الصمت والعجز، وهذا من معاني القصيدة التي أراد ابن زيدون منها بيان حلمه لصديقه، وسوء فهم الصديق لذلك الحلم.
لقد كان ابن زيدون في هذه القصيدة مثل المرجل الذي يغلي، وترتفع أنفاسه مرة فيزمجر، ويهدأ فيعظ ويحذر ويوضح دخائل النفوس وطبائعها، وهو في صنيعه كله غاضب عاتب، من صاحبه الذي غدر ولم يراع سالف الحقوق والعهود، ومن محبوبته التي لم تحفظ له واجبه وأسبقيته. والمهم أن هذه الواقعة كانت سببًا في ميلاد قصيدة عظيمة مليئة بالمعاني البديعة مضمونًا الجزلة لفظًا، وأتمنى أن يبحث عنها القارئ كاملة ليستمعها أو يكرر قراءتها.
ويبقى الشيء الأهم أن هذه القصيدة الضادية الخالدة لا تقف عند حدود تنافس بين شاعرين ووزيرين على قلب فتاة فقط، ولا عند انتفاض أحدهما من تجني الآخر وتجاوزه وجرأته، وإنما تحكي طرفًا من فلسفة الحياة بين الأفراد والمجتمعات والدول؛ ذلك أن غرور القوة الصاعدة قد يعمي ويصم ويعمه، حتى يصطدم هذا الغرور المجنون ولا محالة بالقوة الثابتة الراسخة العريقة؛ والنتيجة أن الطارئ النزق زائل مخذول، والأصيل منصور بعون الله، وله التمكين والسيادة.
الرياض- ليلة السبت 15 من شهرِ ربيع الآخر عام 1448
26 من شهر سبتمبر عام 2026م