شريعة وقانون لغة وأدب

الترجمة شعبة ودليلًا وثقافة

الترجمة ضرورة للحياة، وللعمل والتجارة، وهي قديمة قدم الحضارات والتواصل بين الناس، ولها تداخل مع العلم، والثقافة، والسياسة، والاقتصاد، وكم ارتفع بها أقوام ولغات. لا تخلو الترجمة من مواقف محرجة ومضحكة، وقد سبق لي الكتابة عن شيء من هذا، ولو وجدت من الوقت فسحة فهناك المزيد، ومن الله نستلهم العون والتسديد. من أهمية الترجمة أن “الترجمان” لا يغيب عن مجالس الزعماء، ويحضر لقاءات حساسة؛ ولذلك فالمترجم الذي يمتلك أكثر من لسان، يجب عليه أن يكون في المجالس وعند الناس بلا لسان!

لأهمية الترجمة، ومسيس الحاجة إلى المتقن الدقيق منها، أنشئت شعبة الترجمة الرسمية بموجب قرار مجلس الوزراء الموقر رقم (134) وتاريخ 02 من شهر جمادى الأولى عام 1422= 23 من شهر يوليو عام 2001م. نصّ هذا القرار على إنشاء شعبة للترجمة تسمى “شعبة الترجمة الرسمية”، ومهمتها الترجمة الرسمية للوثائق الحكومية، وترتبط برئيس هيئة الخبراء بمجلس الوزراء. هذا الارتباط يشير إلى أن الأنظمة والاتفاقيات من أهم حقول العمل لهذه الشعبة الجديدة.

مما يبهج الخاطر -وليس بمستكثر ولا مستغرب- أن قرار مجلس الوزراء قد نصّ على “إنشاء مجلس علمي للترجمة ضمن التشكيل التنظيمي للشعبة يرتبط برئيس الشعبة ويتكون من عدد من الأعضاء غير المتفرغين من أساتذة الجامعات ومن ذوي الاختصاص في مجال الترجمة التي تتطلبها الشعبة يختارون لمكانتهم العلمية والمهنية،…”. ومن أجلّ أعمال هذا المجلس الذي يؤلف بأمر سامٍ اعتماد أعمال الترجمة، واعتماد ترجمة الأعلام والمصطلحات، وكذلك الموافقة على القواميس المختارة ومعايير الترجمة.

وتتوسع مهمات شعبة الترجمة الرسمية إلى الترجمة من اللغة العربية إلى اللغات الأجنبية المعتمدة رسميًا في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المنبثقة عنها، وهذه اللغات هي: العربية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية والروسية والصينية، ومن هذه اللغات إلى اللغة العربية، بالإضافة إلى اللغات التي يقتضي الحال الترجمة منها أو إليها. وتختص الشعبة بترجمة الأنظمة واللوائح والمعاهدات والاتفاقيات والمواثيق، كما تترجم الرسائل المتبادلة بين القيادة السعودية وزعماء العالم، وتترجم البيانات الرسمية الصادرة عن رموز الحكومة.

كذلك لها مهمات ثقافية متصلة بصلب عملها في الترجمة، إذ تعمل على توحيد الأسماء حين ترجمتها، كي تكون الترجمة وطريقة الكتابة ثابتة للأسماء والمناصب وأسماء الأماكن والكيانات. كما تسعى إلى خدمة الأجهزة الحكومية بالترجمة، أو وضع قواعد وقوائم بالمصطلحات والأدوات المعينة في هذا الباب، والتعاون الدولي في مجال الترجمة، وترجمة لوائح التقاضي والترافع الدولي، ووضع معايير للترجمة وتحديد القواميس المعتمدة فيها.

ولأجل تجويد العمل وضبطه أصدرت الشعبة دليلًا استرشاديًا للترجمة، وهو دليل لها، ولمن يتعامل معها من أجهزة ومترجمين، وفيه جوانب علمية وعملية وفنية، وقد صرف لأجل كتابته جهد عظيم في تمتين مادته، وتوضيح عبارته، واختصار صفحاته، ومن الطبيعي أنه قابل للتطوير في قابل من الأيام شأن أي عمل بشري. هذا الدليل صدر بموجب قرار مجلس الوزراء رقم (483) الصادر بتاريخ 20 من شهر جمادى الآخرة عام 1445 = 02 من شهر يناير عام 2024م، وهو قرار يهدف لحوكمة أعمال الشعبة، فحوكمة القطاع العام نهج حميد مستحدث، وأسلوب قمين بأن يستمر ويتطور.

كما أعدت الشعبة مسرد المصطلحات القانونية بالتعاون مع مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، وفيه قائمة بالمصطلحات القانونية الواردة في الأنظمة واللوائح الصادرة عن حكومة المملكة العربية السعودية، وهي المصطلحات التي سبق أن ترجمتها شعبة الترجمة الرسمية إلى اللغة الإنجليزية، وهذا التعاون التشاركي صنيع رشيد يثنى عليه، وآمل أن يسعى كل جهاز حكومي إلى التعاون مع المجمع في وضع المعاجم والتعريفات العربية لمجاله، وأطمع بأن يغدو هذا سبقًا علميًا سعوديًا يؤثر عربيًا وعالميًا. هذا المسرد، وهذا المسلك، فيه فرصة لدارسي الشريعة والقانون واللغات، وكم ترك الأول للآخر كي يبتكر ويبدع، ولعلّ الشعبة أن تترجم إلى العربية مصطلحات المنظمات الدولية؛ حتى يقف أبناء الوطن المتعاملين مع تلك المنظمات على المعنى المراد من مصطلحاتها.

وفي الدليل الصادر عن الشعبة، نرى الحرص على الدقة بالنص عليها وضرب الأمثلة، والتأكيد على الالتزام بالمنهج العلمي، ومتابعة الجديد، وتوجيه بالإفادة من التقنية وأدوات الذكاء الاصطناعي مما يدل على التجدد والمواكبة. وفيه توحيد لسبل العمل، وبيان طرق التعامل مع المصطلحات التي ينعدم المقابل لها أو يوجد أكثر من واحد، وإعلاء شأن المراجعة لمزيد تحقق وفائدة، ولا يخلو من إشارة مهمة تعزز أهمية الترجمة للاقتصاد والاستثمار، خاصة أن وزارة الاستثمار ووزارة التجارة كانتا وراء قرار كتابة هذا الدليل.

ونلاحظ في الدليل أيضًا إعطاء الاختصاص مكانته وفرصة للإسهام بإشراك أهله في الشرح أو المراجعة، مع الاعتزاز الظاهر بالإرث الشرعي والثقافي والوطني كما يتضح في ضوابط ترجمة المصطلحات والأعلام الخاصة بالثقافة والإنسان والمكان والكيان، والحرص على أن يكون النقل من لغتنا وإليها بالمنهجية المنضبطة ذاتها، وهذه المهنية، وهذا التشبث، يزيدنا غبطة وسعادة بالشعبة وبدليلها.

إن شعبة الترجمة ومجالها رسمي صرف كما سلف، وهيئة الأدب والنشر والترجمة وهي باب ثقافي وأدبي فتح أخيرًا، من واجهات بلادنا العلمية والثقافية، فهما يقدمان أصولنا التشريعية، ومنتجاتنا الثقافية، ومصطلحاتنا اللغوية، ووجودهما كفيل برفع شأن اللغة العربية وحضورها أولًا، ثمّ زيادة العناية العلمية لدى الشباب بإتقان اللغات المهمة الأخرى، دون الاقتصار على الإنجليزية -حتى مع تصدرها الحالي-.

ومن الإتقان المنشود أن تكون اللغة الأخرى عند من يجيدها لغة كتب ومعاجم وفكر وعلم، وليست لغة تداول شعبي وفني؛ لأنه لا غناء من لغة هذه صفتها. ومن ضرورات الإجادة التعمق في لغتنا الوطنية، كي يغدو النقل عنها وإليها على أكمل وجه وأعلى مستوى ممكن، وبذلك يصبح للمترجم الذي فقد لسانه العضوي في المجالس أكثر من لسان صدق وتأثير في المحافل والمؤتمرات والنصوص الرسمية والمكتبات!

ahmalassaf@

الرياض- الأربعاء 19 من شهرِ ربيع الآخر عام 1448

30 من شهر سبتمبر عام 2026م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.