سياسة واقتصاد

جلسات استثنائية لمجلس الوزراء

ليس غريبًا أن تُعقد لقاءات استثنائية للمجالس والقمم، فهذا إجراء معهود في مجالس إدارة الشركات، وفي اجتماعات المنظمات والقمم؛ لأن بعض الأحوال تطرأ، ولا مناص من التعامل معها دون انتظار لانعقاد دوري قد يكون موعده بعيدًا. بعض هذه اللقاءات الاستثنائية معروف وقوعها سلفًا من تراكم التجربة، وبعضها يأتي فجأة، وضابطها كلها أنها تكون في غير النسق الزماني أو المكاني المعتاد، وهي من المرونة الإدارية، والقابلية للتصرف والتعامل مع المستجدات.

وفي تاريخ مجلس الوزراء السعودي الموقر شيء من ذلك، إذ له جلسة استثنائية لمناقشة الميزانية السنوية، وربما يُعقد لقاء خاص للميزانية قبل لقاء إعلانها في بعض الأحيان لإنهاء بعض الترتيبات والنقاش حولها. لست أدري على وجه التحديد متى أصبح للميزانية لقاء خاص يقع في غير اليوم المعتاد لانعقاد المجلس، هذا مع أن كل ميزانية أعلنت استولت على اللقاء الذي خصص لها، وصارت موضوعه الوحيد المدرج على جدول الأعمال حتى لو كان الاجتماع في الموعد الأسبوعي المعهود. وأول ما لاحظته من عقد اجتماعات خاصة لإقرار الميزانية في غير موعد الاجتماع المعتاد كان في عهد الملك فهد -رحمه الله-، والسبب في سهولة الرصد صدور قرار بالاكتفاء بجلسة أسبوعية واحدة عام 1394/1974م، ثم ضبط موعدها الأسبوعي كل اثنين بدقة عالية ابتداء من عام 1398/1978م، وبالتالي فالملاحظة بناء على هذه المعطيات ستغدو أيسر.

ولأهمية الجلسة الخاصة بإقرار الميزانية وإعلانها وصفها الأمين العام الأسبق لمجلس الوزراء د.عبدالرحمن بن محمد السدحان في لقاء مع صحيفة الحياة بقوله: “لجلسة الموازنة السنوية طقوس خاصة تمليها خصوصيتها، قدراً ومناسبة وحجماً، فلا يشرك معها أي موضوع آخر، مما يحويه جدول أعمال المجلس الموقر، إلاّ إذا كان هناك توجيه كريم بذلك، وهي تتمتع بتغطية إعلامية خاصة تتلاءم معها أهمية وحجماً”. ويتبع إعلان الميزانية إجازة رسمية للمجلس لمدة أسبوعين من أجل منح الفرصة للوزراء كي يرتبوا أعمالهم الوزارية.

وقد وجدت بالتتبع أن جلسات إقرار الميزانية عُقدت حسبما وقفت عليه في الرياض، وفي الطائف حينما كانت الحكومة تنتقل إليها في الصيف، ولم يكن موعد إعلان الميزانية مرتبطًا بنهاية السنة الميلادية كما هو الآن.  وشهدت روضة خريم إعلان الميزانية العامة للدولة ثلاث مرات للأعوام المالية 1430/ 1431= 2009م في يوم الاثنين 24 من شهر ذي الحجة عام 1429= 22 من شهر ديسمبر عام 2008م، و 1431/1432= 2010م، وكذلك عقدت في روضة خريم جلسة يوم الاثنين 20 من شهر صفر عام 1435= 23 من شهر ديسمبر عام 2013 م لإقرار الميزانية العامة 1435/1436= 2014م. وفي العام الماضي عقدت الجلسة في يوم الثلاثاء 11 من شهر جمادى الآخرة عام 1447= 02 من شهر ديسمبر عام 2025م بالدمام قبيل سفر سمو ولي العهد للبحرين لحضور قمة خليجية، ولا أعرف مكانًا خامسًا عقد فيه هذا اللقاء الخاص حتى الآن، علمًا أن جلسة مجلس الوزراء في الدمام هي الأولى في مكانها في تاريخ المجلس، وتضاف للأماكن التي عقد فيها المجلس في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -حفظه الله-.

كما عقد المجلس جلسات خاصة واستثنائية لغير موضوع الميزانية؛ ففي يوم الثلاثاء 14 من المحرم عام 1381= 27 من شهر يونيو عام 1961م عقد المجلس برئاسة الملك سعود -رحمه الله- جلسة صباحية وأخرى مسائية في اليوم نفسه، وفي الجلسة المسائية استدعي الأمير نواف بن عبدالعزيز رئيس الديوان الملكي لمتابعة الأوضاع معه، واستدعي كذلك رئيس هيئة الأركان السعودي الفريق إبراهيم بن صالح الطاسان لشرح الوضع على الأرض عقب عودته من الكويت. وفي تلك الأزمة عقد المجلس عدة جلسات استثنائية لمتابعة الأحداث بعد تهديدات عبدالكريم قاسم قبيل استقلال الكويت، وقرر المجلس أن جلساته مستمرة لمواجهة ما يستجد في هذه النازلة، والخبر منشور في العدد رقم (1875) من صحيفة أم القرى الصادر بتاريخ 17 من المحرم 1381= 30 من شهر يونيو عام 1961م.

كذلك عقد مجلس الوزراء جلسات خاصة لبحث أمور تخص بعض الشؤون الداخلية، أو الإقليمية، أو تخصّ بلادًا عربية مثل مصر وليبيا واليمن والكويت. ففي صباح يوم الاثنين 27 من شهر جمادى الآخرة عام 1384= 02 من شهر نوفمبر عام 1964م عُقدت جلسة استثنائية مشتركة لأعضاء مجلس الوزراء وأعضاء مجلس الشورى في قصر الحمراء في الرياض، برئاسة الأمير خالد بن عبد العزيز، نائب رئيس مجلس الوزراء، وحضور أعضاء المجلسين، لمبايعة الأمير فيصل -رحمه الله- ملكًا على البلاد، وخبر هذه الجلسة منشور في صحيفة الشرق الأوسط نقلًا عن مذكرات الشيخ جميل الحجيلان، وهو محفوظ في العدد (2045) م نصحيفة أم القرى الصادر بتاريخ 02 من شهر رجب عام 1384= 06 من شهر نوفمبر عام 1964م.

وجاء في عدد صحيفة أم القرى رقم (2798) الصادر في 18 من المحرم عام 1400= 01 من شهر ديسمبر عام 1979م خبر أفاد عن عقد مجلس الوزراء جلسة طارئة برئاسة الملك خالد -رحمه الله- يوم الأحد 13 من المحرم عام 1400، وخصصت تلك الجلسة لمناقشة الاعتداء الآثم على المسجد الحرام، وأعلن الملك خلال الجلسة تطويق الفتنة وتطهير المسجد الحرام من العصابة، وأن جميع من ألقي القبض عليهم سيحالون للمحكمة الشرعية، وأكدّ على أن الجهود مستمرة لإتمام تطهير الحرم منهم، والتأكد من ذلك تمامًا.

وعقد المجلس في عام 1412جلستين في يوم واحد، ولم يتبين لي السبب وراء ذلك، علمًا أنه في السنة نفسها عقد المجلس في عام 1412/1992م جلسة خاصة يوم السبت 26 من شهر شعبان عام 1412= 29 من شهر فبراير عام 1992م لمناقشة الأنظمة الأساسية الثلاثة قبيل إعلانها في شهر شعبان/ مارس من تلك السنة، وهي النظام الأساسي للحكم، ونظام مجلس الشورى، ونظام المناطق، وهذه الأنظمة مستثاة من الصلاحيات  التنظيمية “التشريعية” الممنوحة لمجلس الوزراء، ومع ذلك عرضت على المجلس قبيل إعلانها، وخبر هذه الجلسة منشور في صحيفة أم القرى بعددها رقم (3397) الصادر في 02 من شهر رمضان عام 1412= 06 من شهر مارس عام 1992م.

أما فيما يخص السياسة الخارجية فقد عقد المجلس حسبما ورد في كتاب “وسم على أديم الزمن” للوزير د.عبدالعزيز الخويطر جلسة استثنائية أو طارئة لاستعراض جدول أعمال بعض القمم الإقليمية قبل بدايتها، أو لدراسة أثر توقيع معاهدة كامب ديفيد شوال 1398/ سبتمبر 1978م، وهي جلسة حضرها أقل النصاب بسبب موسم الإجازات لكنها عقدت يوم الأحد لأهميتها، أو تداول الرأي عقب أحداث ومتابعة مستجداتها مثل العدوان الأمريكي على ليبيا شعبان 1406/ أبريل 1986م في جلسة عقدت يوم الأربعاء.

وبسبب احتلال الكويت عقد المجلس جلسة طارئة يوم الأحد 14 ثم يوم الثلاثاء ١٦ من المحرم عام 1411= 05 ثم 07 من شهر أغسطس عام 1990م  لمناقشة احتلال الكويت،  وعقد المجلس جلسة خاصة يوم الجمعة ٠٣ من شهر رحب عام 1411 = 18 من شهر يناير عام 1991م بعد يوم من بدء حرب تحرير الكويت، وأخيرًا عقد المجلس اجتماغًا طارئًا يوم السبت ٢٣ من شهر شعبان عام 1411= 09 من شهر مارس عام 1991م لمناقشة محضر وزراء خارجية دول الخليج. ولأن شؤون المنطقة مهمة فقد انعقد المجلس في جلسة استثنائية يوم الجمعة 29 من المحرم عام 1415 =08 من شهر يوليو عام 1994م بعد دخول قوات اليمن الشمالي إلى عدن عاصمة اليمن الجنوبي.

هذه الجلسات الاستثنائية والطارئة إجراء طبيعي مثلما مضى بيانه، وهي متوافقة مع اختصاصات المجلس، إذ تنص المادة التاسعة عشرة من نظام مجلس الوزراء الصادر عام 1414/1993م على ما يلي: “يرسم مجلس الوزراء السياسة الداخلية والخارجية والمالية والاقتصادية والتعليمية والدفاعية وجميع الشؤون العامة للدولة ويشرف على تنفيذها”، وتخص المادة السادسة والعشرون الميزانية بالنص عليها: “يدرس مجلس الوزراء ميزانية الدولة ويصوت عليها فصلا فصلا وتصدر بموجب مرسوم ملكي”.

إن الغاية من هذا الرصد هو المشاركة في حفظ التاريخ الإداري والسياسي لمجلس الوزراء الموقر، ومن شبه المؤكد أن تاريخه الطويل فيه جلسات خاصة أخرى غير ما سلف حصره، لكنها بالجملة لن تخرج عن هذا الإطار الذي يسير حسب اختصاصات المجلس، وبمقتضى النظام الذي يحدد النصاب العادي والاستثنائي للاتعقاد، والله المسؤول أن يعينهم ويوفقهم لما فيه الأصلح والأنفع في الدارين للبلاد وأهلها، فما أجلّ المسؤولية التي يحملونها، وما أثقل الأمانة.

ahmalassaf@

الرياض- الاثنين 22  من شهرِ جمادى الأولى عام 1448

02 من شهر نوفمبر عام 2026م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.