سياسة واقتصاد سير وأعلام

عبدالعزيز الخويطر وأسس صناعة رجل الدولة!

أصبح د.عبدالعزيز بن عبدالله الخويطر (1344-1435= 1925-2014م) عضوًا في مجلس الوزراء السعودي لمدة متواصلة تزيد عن واحد وأربعين عامًا، وعاصر في المجلس الموقر الملوك فيصل وخالد وفهد وعبدالله، وورد اسمه في عدة تكوينات وزارية، وهذه جملة مزايا لم تجتمع لغيره من الوزراء حتى الآن باستثناء بعض أبناء الأسرة الملكية. وقد امتاز عميد الوزراء د.الخويطر بعدة مزايا سوف أشير لأكثرها، ومن أجلّ هذه المزايا، أنه رجل دولة خبير بمثله يكتفى، وليس كل ذي منصب رفيع رجل دولة، وليس كل رجل دولة به يكتفى!

يروى عن الملك فيصل ثناءه على الدكتور الخويطر، وإطلاق الوصف عليه بأنه ثروة وطنية، مع الأمنية بوجود أكثر من واحد مثله، هذه الرواية ليست بعيدة عن الصواب؛ لأن الخويطر حينما أصبح وزيرًا للصحة في مستهل عام (1394=1974م)، ذهب لإلقاء القسم أمام الملك فيصل، فقال الفيصل لمستشاره د.رشاد فرعون: لم يقسم؟ نحن ما اخترناه إلّا والثقة به عالية! فقال المستشار: هذا هو الإجراء المعهود والمتبع في مثل هذه التعيينات، وللقصة سوابق ولواحق لطيفة يمكن لمن رغب معرفتها الرجوع إلى مقال خاص بأداء القسم كتبته فيما مضى.

وقد أسندت للخويطر وزارتان بالأصالة فقط هما الصحة ثم المعارف، وبعدهما أصبح وزير دولة وعضوًا بالمجلس، بيد أنه كلّف بوزارات أخرى، وأصبح وزيرًا بالنيابة لجلّ الوزارات، والفرق بين التكليف والنيابة أن الأولى تكون لوزارة ليس لها وزير حال التكليف، وأما النيابة فوزيرها موجود لكنه مسافر بمهمة أو للسياحة، أو مجاز، أو مريض. أطول تكليف له فيما أعلم هو تعيينه وزيرًا للتعليم العالي بعد وفاة وزيرها الشيخ حسن آل الشيخ، ومن المفارقات أن الخويطر لم يتول شأن هذه الوزارة بالنيابة إبان حياة وزيرها. ومن أشهر ما كلف به وزاره المالية والاقتصاد الوطني بعد استعفاء د.سليمان السليم منها، ووزارة الزراعة والمياه بعد إعفاء د.عبدالرحمن آل الشيخ، وهذه الأخيرة أخطره الملك فهد وبقية الوزراء بخبرها أثناء انعقاد جلسة مجلس الوزراء.

أما نيابات الخويطر فهي كثيرة مثلما ألمحت أعلاه، وكثرتها أربك بعض الذين كتبوا فجعلوه وزيرًا بالأصالة لوزارات كان نائبًا عنها أو مكلفًا بها. لم تكن تلك الاستنابات سدّ فراغ لازم فقط كما سنرى بجلاء وبيان. ومن طريف أخبار نيابته أن الملك عبدالله -وكان حينها وليًا للعهد- سأله: كم وزارة لديك الآن؟ فقال د.الخويطر: ست وزارات! فتبسم الأمير وقال: لو وجد وزير آخر مثلك لجاز لنا نظامًا أن نعقد بكما مجلس الوزراء! ولذلك سأله الأمير نايف -كان وزير الداخلية حينها-  في مناسبة لاحقة كم أعلى عدد من الوزارات صرت نائبًا لها في وقت واحد؟ فأجابه الخويطر: توليت المسؤولية في وقت واحد عن تسع وزارات مرتين، وأنا الآن في الثانية منهما! ومن لطيفها قول الخويطر: نبت عن محمد أبا الخيل في وزارة المالية وفي اللجان فلم لا ينوب عنه في الدعوات الاجتماعية؟! يقول ذلك في سياق المزاح.

هذه الاستنابات لم تأت من فراغ، أو بناء على مقتضى النظام فقط، بل لها أسباب يمكن استجلاءها. منها أن الخويطر خبير بالدولة وأنظمتها وتوجهها. ومنها أنه لا يأنف من المشاورة والسؤال، ولا يستعجل بإمضاء شيء غير عاجل خاصة إذا كان لا مناص من عرضه على الوزير الأصيل حسب تقدير د.عبدالعزيز. أيضًا من الأسباب أنه ينجز كمًا كبيرًا من المعاملات، ويفوض كبار موظفي الوزارة المستناب عليها بمقابلة المراجعين؛ فهم أبصر بشؤون وزاراتهم، ولا يذهب لمناسبة دولية مرتبطة بتخصص الوزارة التي ينوب عن وزيرها، وإنما يرسل مسؤولًا ذا اختصاص؛ فلم يكن الخويطر وزيرًا يمسك بالمجهر ويدقق فيما يضيع الوقت، ويمنع فرص اكتساب الخبرة من قبل الآخرين، فهم جنود الدولة وأولى الناس بالتهيئة والتصدير.

ومن طريف أخبار النيابة أن الخويطر اعتذر من زميله د.خالد العنقري عن قبول نيابته على وزارة التعليم العالي لكثرة احتفالات الجامعات التي ترهق وقته. ومما يشار إليه بالتبع أن نيابة الخويطر عن وزير تمتد لتشمل أي وزارة ناب عنها ذلكم الوزير، وكم من مرة ومرة صار أبو محمد نائبًا عن وزير المالية الشيخ محمد أبا الخيل، ونائبًا بالتبع عن الأمير متعب على إحدى وزارتيه المتعاقبتين الأشغال العامة والإسكان، أو الشؤون البلدية والقروية؛ لأن أبا الخيل كان نائبًا عن الأمير على وزارته. ومن النوادر أن د.الخويطر استنيب عن رئيس الديوان الملكي الشيخ محمد النويصر، أو عن بعض أعمال وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل، بعد غيابهما لعلاج أو عمل.

ليس هذا فقط، فربما أن الوزير د.عبدالعزيز الخويطر هو أحد أكثر الوزراء مشاركة في اللجان سواء بصفته أو عن وزاراته أو عن الوزارة التي ينوب عليها؛ ولذا تجده في اللجنة العليا، والخاصة، والعامة، والفرعية، وفي لجان تخص المناهج، والرواتب، والحدود، والبيئة، والنفط، والخدمة المدنية والعسكرية، واختيار الوزراء، وأعضاء مجلس الشورى، ومناقشات وضع أجهزة حكومية أو مسؤولين، ومراجعة كلمات ملكية، وتدارس الرد على أمر، والتباحث حول اتفاقية أو معاهدة، وإعادة تحرير الإجابة عن الحوارات الصحفة والتصريحات الإعلامية، وهكذا، وبالتالي يصدق عليه الوصف بأنه ثروة وطنية، والحمدلله أن بلادنا من منابع الثروات في إنسانها وأرضها وسمائها وكل مواضعها.

ومما يظهر جليًا في سيرة الخويطر، أنه أحد الذين تولوا نقل الرسائل الرسمية والملكية الخاصة للزعماء في بلدان الخليج وغيرها، وطلب إليه مرافقة زعماء كبار زائرين للمملكة، وليته صنع مثل صديقه الوزير د.غازي القصيبي حينما كتب درته النفيسه الوزير المرافق. كذلك كثيرًا ما ترد إليه اتصالات عليا خاصة للتشاور معه، أو التوجيه بخصوص أمر أو لجنة له فيها عضوية، وبعد أن عين وزير دولة زاد حضوره في استقبالات الملك وولي العهد، وتولى كتابة تقارير عما دار مع الضيف الزائر إبان الاستقبال، وفي سنوات الملك فهد الأخيرة ندب لمرافقة الملك والركوب معه في السيارة أو المصعد عندما لا يكون الأمير عبدالعزيز بن فهد قريبًا أو حاضرًا، واستوجب عليه ذلك قضاء بعض الوقت في إسبانيا مع الملك فهد إبان استجمامه عقب العلاج، والمشاركة في استقبالات الزوار من زعماء وغيرهم.

لعلّ متساءلًا يبحث عن جواب يفسر هذه المقدرة، وتلك المنزلة، التي حظي بها رجل الدولة الوزير د.عبدالعزيز الخويطر، وهو تساؤل مفيد ومهم. ربما يكون من الإجابة عليه الإشارة إلى أن الرجل لديه استعدادات فطرية جبلّية زاد عليها المكتسب بالملاحظة والتعلّم، وعاش مع والده الذي كان موظفًا كبيرًا في مالية الملك عبدالعزيز، وهو ينتسب لعنيزة المشهور أهلها بالنباهة واتساع الأفق، وبالتالي فرأس المال الاجتماعي لدى الخويطر كبير ومنتج.

يضاف لذلك أنه بنى نفسه علميًا بالدراسة والقراءة، وصنع علاقات عريضة المدى مع أمراء ومشايخ ووزراء وكتّاب ووجهاء وسواهم، ثمّ اقترب من رجال دولة عظماء خاصة وهو يتسنم المناصب الإدارية من أول السلّم، وقد حرص على زيارة المسؤولين في مكاتبهم ومجالسهم، فاستفاد المعرفة بأنواعها، وحفظ لمن فوقه ولنظرائه ولمن دونه قدرهم وفضلهم، والوفاء نادر، والاعتراف بالمحاسن أندر! ومع زحمة الوقت والعمل؛ إلّا أنه جعل للعمل الخيري والمجتمعي نصيبًا مفروضًا من برنامجه الزمني، ومن جهده في اللجان، وحرصه على شهود المناسبات على اختلافها بلا عزلة أو انكفاء أو غياب.

ومن جليل ما يكتب لأهميته، أن د.عبدالعزيز الخويطر سار في حياته الوظيفية على خط معروف واضح المبادئ، فيه الانضباط الصارم بالوقت، والحمل الأمين للمسؤولية، وحفظ السر عن التصريح والتلميح، والالنزام الإداري الرفيع حتى قطع الطريق على ما قد يخدش مسيره الوظيفي وسيرته الطيبة، وزانها نزاهة وكف يد، حتى أنه لا يطلب انتدابًا على سفراته الكثيرة جدًا لأداء عمله؛ لأن السفر والسكن على حساب الحكومة فلا مسوغ لطلب الانتداب.

ومن بديع ما يحسن إبرازه أن الوزير الخويطر لم يبخل على غيره من الوزراء والمسؤولين بأي إفادة ورأي ولو عن الركبتين! واجتهد في إطلاع كبار مسؤولي الحكومة على المهم من أعماله حسب المساحة المتاحة، ومنها أن د.الخويطر اختص بدراسة التاريخ، وله بصر بعلوم البلدان والأدب واللغة والاجتماع، وقرأ كثيرًا من مدونات التاريخ، وكتب آداب الملوك والقضاة والوزارء والكتّاب، ومن أكثر من النظر في الحكمة وعاها في منطوقه ومكتوبه وفي أعماله، وهذا مورد جدّ عظيم لصناعة رجل دولة خبير بمثله يكتفى.

أسأل المولى الرحمن أن يغفر لعبده عبدالعزيز بن عبدالله الخويطر ويرحمه وجميع من سلف ذكره، وأن يكثر فينا أمثاله وخيرًا منه -وهم متوافرون والحمدلله-. وأتصور أن دراسة السير السعودية وسبرها وتحليلها بعيدًا عن مجرد الرواية -على أهميتها- سوف تقودنا إلى مادة جميلة عن الخصائص العالية، والمبادئ السامية، التي امتن الله تعالى بها على بلادنا وعلى أهلها، وربما تكون هذه المادة من مداخل التأهيل والإعداد لطبقات قادمة من المسؤولين الذين ينتظر منهم أجود الحمل للأمانة، وأكمل ما يتبعها من ثمار ونتائج طويلة الأمد، واسعة الأثر، وبمثلها يقتدى، وبمجموعها بعد عون الله وتوفيقه يكتفى.

ahmalassaf@

الزلفي- ليلة الأحد 03 من شهرِ شوال عام 1447

22 من شهر مارس عام 2026م

Please follow and like us:

2 Comments

  1. ماشاء الله تبارك الله ابوعبدالمحسن كعادتك الانتقائية والتفردية في محتوى المدونة
    من احصائيات وارقام وشمولية بالمعلومة وتفاصيل دقيقة
    والله يرحمه الدكتور عبدالعزيز الخويطر علامة فارقه في رجال الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.