إذا ذكر اسم الشيخ الأديب عبدالعزيز بن عبدالرحمن الخريف -أمتع الله به-، فسوف نربطه مباشرة مع أعلام المؤلفين في السير والطبقات، الذين جمعوا أخبار النبلاء، وضبطوا الوفيات، وسردوا المسيرة العلمية والعملية للمترجمين، ولا غرو فالشيخ هو كاتب مراثي النبلاء في عصرنا وبلادنا، وتشمل كتاباته أفرادًا من طبقات شتى، يجمعهم توافر سمات فيهم جعلتهم مؤهلين لأن يؤبنهم قلم شريف منيف مثل قلم الكاتب الشيخ الخريف، علمًا أن الشيخ أبا محمد هو الآن من قدماء خريجي معهد دار التوحيد بالطائف.

تخرج شيخنا في الدفعة الثانية من كلية اللغة العربية عام 1378=1958م تقريبًا، بعد أن تنقل بين بلدته حريملاء والرياض ثم الطائف وأخيرًا الرياض، وبعد نيل الشهادة يممّ وجه صوب بلدته الجميلة حريملاء، فكان أول جامعي يعمل فيها أو من أوائلهم، وهذا يدل بجلاء على قيمة المكان والبلد وأهله في نفسه، خاصة أن مثله مطلوب في تلك السنوات للعمل في العاصمة وغيرها من المدن الكبرى. ومن لطائف الدلائل أنه وضع في مكتبته شجرة تحفظ أسماء زملائه الذين تخرجوا معه في الجامعة، وفاء لهم ودعاء ومحبة.

وقد عمر الشيخ الخريف سجله العملي والوظيفي بالقرب من العلم والتعليم والمكتبة والكتاب وشؤون المجتمع وخدمة الناس، وما أرقاه من قرب، وما أعظمه من أثر. ومن هذا الباب أدار معاهد لتخريج المعلمين، ثمّ وقف على رأس المدرسة المتوسطة والثانوية، وتولى شؤون المكتبة العامة بحريملاء، وشارك في لجان وجمعيات أهلية غايتها النفع العام للناس والمجتمع، وفوق ذلك ربط صلات إعلامية وثقافية مع أبناء البلاد في كثير من أنحائها، حتى يكون لحريملاء وأهلها حضور وذكر في كل ناحية.


ثمّ إن كاتبنا الأديب المتعلّق بالقراءة والكتابة، قد سخر قلمه لباب من المآثر التي له فيها سلف مبارك طيب، فنحن أمة إسناد ورواية، ولذا أخذ يتتبع وفيات النبلاء والأعلام والأعيان، ثمّ يكتب عنهم من معايشة ومعرفة تختلف في عمقها ومدتها، أو كتب بناء على تبصره بشأن من يرثيه بقراءة حوله، أو سماع عنه. وهو في صنيعه البهي هذا يؤكد أن أمتنا أمة عظيمة في تاريخها، وفي وفائها، وفي علومها، وفي محامدها الراسخة، وأن الخير باق فيها إلى ما شاء الله؛ فالرثاء هنا ليس بكائيات ونحيبًا، وإنما فيه عزاء ورجاء، وصيانة للتاريخ والذكرى، ومقاومة للنسيان، وحفظ للمروءات والمكارم.

هذه الكتابة تحفظ شيئًا من التاريخ العام والخاص، وتسلي المحزون بفقد ورحيل، وتعظم ثقة الناس والأجيال بمجتمعهم وأناسه، وتبرز الفضائل والمبادئ الحسنة، وتحث على الاقتداء، وهي مصداق لشهادة الناس على الأرض ومن فيها. ومن محاسنها زيادة إشاعة خبر الوفاة ليغنم المتوفى الدعاء والمسامحة وصنائع المعروف من محبيه، وربما كان في رثاء ميت تنبيه على حقوق أحياء. ومن فضل الله على أديبنا أنه أعانه على جمع مراثيه النثرية في عدة أجزاء بعنوان فقد ورثاء، وجمع مقالاته الوطنية والمجتمعية في كتاب من جزءين بعنوان خواطر وذكريات. ومن جميل ما كان وجليل ما حدث، أن بادر عدد من الكرام للكتابة عن الشيخ نثرًا وشعرًا، وقابلوا وفاءه بالشكر والعرفان، هذا غير ما حظي به من محبة وتكريم من قبل ولاة الأمر والمسؤولين.

وللشيخ عبدالعزيز مع الكتاب قصة تروى، فهو قلّ أن يرى بلا كتاب، ولذا تمكن من تكوين مكتبة ضخمة على مستوى بلدته المشهورة بكثرة العلماء ورجال الدولة والمثقفين، وعلى مستوى المملكة بعامة، والمملكة تحتضن عددًا كبيرًا من المكتبات المنزلية والشخصية، نفع الله بها، وصانها. ومن خبر الشيخ الخريف مع الكتاب أنه لا ينفك عن إهداء الكتب، وربما دعى الناس إلى وليمة عابرة أو أسبوعية في منزله يحضر فيها الكتاب، ومن فرائده أنه ملأ المائدة بالكتب تكرمة لأضياف زاروه على عجل في غير وقت وجبة طعام، ولم تسنح له الفرصة لاستبقائهم كي يسعد بتناولهم الطعام معه.

إني أتمنى أن ينهض أحد طلبة الدراسات العليا جاعلًا من مرثيات النبلاء بقلم الشيخ عبدالعزيز الخريف مادة لبحثه الأكاديمي، فهذا جزء من الاحتفاء بعمل سعودي فيه أدب وتاريخ وثقافة ووفاء، وفيه ربط بين أهل البلاد من نواحيها كافة، وتنوع لافت بناء على اختلاف الشخصيات المكتوب عنها. وأتمنى أن يجد القارئ متسعًا من الوقت لزيارة موقع الشيخ على شبكة الانترنت، أو حسابه في منصة إكس، وحينها لن يتوقف عن القراءة في سير الراحلين، وفي ما خطه شيخنا وأديبنا، أو فيما كتب عنه من صادق النثر والشعر. إن جهود الشيخ الفردية تكاد لغزارتها واستمراريتها ان تكون مؤسسية، والله يطرح البركة له وعليه.
الرياض- ليلة السبت 22 من شهرِ ذي القعدة عام 1447
09 من شهر مايو عام 2026م