قُدّر لي غير مرة -والحمدلله- زيارة مجلس الشيخ محمد بن سعد بن ماجد المهنا، في زيارات خاصة وأخرى عامة. في تلك اللقاءات أكرمني الشيخ وأنجاله بأن أكون قريبًا منه، وقد أيقنت بالملاحظة والتأمل بأن الرجل يحمل من جميل الخصال الكثير الكثير، وأنه يمتلك حسن الأحدوثة بما يختزنه من معلومات وتجارب وأشعار تجبرك على أن تستمع بلا شرود، ومعها أخت لها عزيزة نادرة؛ ذلك أنه يطرب للحديث الجميل المؤنس الماتع، فينصت ويناقش بحضور واهتمام، وبصنيعه الراقي تحيى المجالس ويستفيد الحاضرون.

ثمّ علمت عن النية المنعقدة لتدوين سيرته فسعدت بذلك العمل العريق الذي يرفد ذاكرة البلاد والمجتمع، وظللت أنتظرت مترقبًا، حتى وصلتني نسخة من سيرته بعنوان: الذاكرة: قصة المعاناة والكفاح وتحقيق الطموح، أملاها الشيخ محمد بن سعد بن ماجد المهنا بنفسه، وأشرف عليها نجله سعد بن محمد المهنا، وحررها د.محمد أبو بكر حميد. تقع هذه السيرة في (250) صفحة، وصدرت طبعتها الأولى عام (1447=2026م) عن الدار العربية اللبنانية للنشر والتوزيع، ولها أكثر من متعهد نشر، وتتكون من إهداء ومقدمة فأربعة عشر فصلًا، يعقبها تراجم لرفاق الدرب، وهم أربعة أعلام من أسرة آل مهنا، سبق أن كتبت عن اثنين منهم حتى الآن.

أجدر وصف يمكن أن يقال عن هذا الكتاب إنه سيرة تصف العراقة في أجلى صورها، وأجمل مظاهرها. هي عراقة ثقافة ينتسب إليها صاحب السيرة، وعراقة مجتمع عاش فيه ونهل منه، وعراقة أسرة أنجبته، وبلدة نشأ فيها وربى. وهي عراقة متسامية متفردة في مستوى التعاون والتراحم والتكافل بين الأفراد والأسر والمجتمع والعلماء والتجار وولاة الأمر. هذه العراقة تبرز للقارئ بلا تزويق، تنبيء عن نفسها من السرد والتفاصيل دون حاجة لتنبيه قارئ أو استثارة مطلع. هي عراقة ترافقت مع الناظر في السيرة من أولها بالإهداء لجيل قائم أو قادم، وظلت مستمرة إلى منتهاها بالحديث عن رفاق ترحلوا وتركوا أطيب الأثر، وفيما بين العراقتين عراقات شتى.

في هذه السيرة شيء من أخبار التاريخ وأحداثه، ووصف البلدان وطبيعتها ومن عبر بها من رحالة وحجاج، وتعريف بالمجتمع وتقاليده وعادات أهله في أحوال مختلفة، وتوضيح لكيفية البناء واللبس وتناول وجبات الطعام وغيرها من شؤون يومية وموسمية كهطول الأمطار ونضج التمور. وفيه إشادة بفضلاء ربما بعضهم لم يذكر بمثل ما ورد عنه في كتاب غير كتاب الشيخ المهنا، مثل والديه وأخيه ماجد، وبعض أقاربه، ومثل الشيخ سليمان الشعيبي -وقاف آل سعود-، وغيرهم الذين حفظ لنا الكتاب بوفاء صاحبه طرفًا من مواقفهم وحياتهم ومكارمهم؛ ولأجل ذلك وصفت ذاكرة المهنا العراقة.

من هذه العراقة العبقة توضيح عادات الناس في المناسبات والعيدين، وسبل السفر والتنقل، ومجالات العمل المتاحة، وطريقة الزواج وقيمة المهور، وما جرى على نجد في سنة الرحمة التي هلك بسبب مرضها وحمّاها نسبة كبيرة من أهالي البرة؛ حتى لكأن القارئ يسمع الأنين، ويرى البكاء، ويعاين الجنائز والقبور، ويشعر بالحزن والترقب لقادم سيصاب ويمضي إلى مصيره، ومن رحمة الله العجيبة أن أطال عمر ثلاثة نفر تطوعوا لتجهيز الموتى، فلم يصابوا بعدوى، ونفع الله بهم الأحياء والأموات.


ومما في السيرة من دلائل العراقة، ذلكم الموقف النبيل لصاحب الترجمة مع والديه وشقيقه الوحيد، إن بالخدمة، أو خفض الجناح، أو تقديمهم على الذات، أو بذل المال لهم طيبة به نفسه، ومقاسمتهم مرارات الحياة في بداياتها، وما أفاء الله به عليه فيما بعد بسماحة وإيثار، والقبول من الله كما العوض. ولم يقتصر الشيخ محمد على هذه الدائرة الصغيرة، بل شمل بمعروفه وإحسانه الأقارب وأهل الديرة والتجار وغيرهم، فبنى البيوت، ووهب المقرات لمن شاء إقامة الأعراس فيها، وأقرض وجبر، وخدم غيره في أعمال عقارية لا يحسنها إلّا خبير، بعدما دخل هذا المجال الذي أيقن بأنه منجم رابح لمن دبر الله له وصبر. ألا ما أعظم البر والصلة وآثارهما، وما أعلى منزلة التاجر الصدوق السهل المتيقظ، وما أكرم مآثره.

كذلك سيقف القارئ على نماذج تحتذى من الصبر في العمل بالزراعة والبناء، وهما عملان شاقان يعلمان صاحبهما التوكل والجدية، ويربطانه بالأرض والأهل. ومن الصبر مواجهة لأواء الحياة ونكدها الذي لا يكاد أن يسلم منه حتى المتنعمون، ومن أصلب صور الصبر مواجهة ما جرى للعائلة من موات فمرض ففراق وابتعاد، وهي أهوال تستدر الدموع، وتهدّ الجبل العالي، بيد أن الله أنزل السكينة على قلوب القوم، وألهمهم كلمة التقوى، وأعانهم على الرضا والتسليم؛ ولذا كانوا سعداء غير أشقياء حتى مع الضيق والعنت. هو صبر لم يقف عند حدٍّ حتى بعد تحسن الأوضاع المعيشية، ومن أحرج المواقف ساعة وداع الأب، ويوم رحيل الشقيق الذي كان توأم الروح، وشريك الأيام والليالي. إن الصبر لمئنة على تربية صحيحة ذات مفاهيم راسخة تساندها، وتنتشر في البيوت والمجتمعات العريقة، متكئة على نصوص جاءت بها مصادر ثقافتنا العريقة.

ومن العراقة التي يصفها الكتاب العلائق مع التجار وأصحاب الأعمال؛ ذلك أن المجتمع الاقتصادي في كل بلد ومجتمع مهم للغاية، ومؤثر أبعد ما يكون التأثير، وكلما سرت في ذلكم المجتمع أخلاق الأمانة وصفات المروءة، وزادت منهم المبرات وأعمال الخير والنفع العام، انعكس ذلك على الناس في تعاملاتهم وطبائعهم، فعامة الناس مشرئبة أعناقهم لمن فتح الله عليهم بمال أو جاه أو سلطان أو علم، فهم وجوه البلد ورموز المكان، وما راج عندهم انتشر، وما كسد اندثر.

كما أن العراقة الأسرية تتبدى بحلة قشيبة إن بترداد حكايات الأجداد وأشعارهم، وحب ديارهم وآثارهم وأسمائهم، أو بوثيق الصلات الأسرية بين الرجال الكبار قدرًا ومنزلة من أهل البرة وما جاورها وعامة أسرها بعامة، أو فيما بين كبار آل مهنا على وجه الخصوص. وهي عراقة تختال حسنًا داخل بيت الشيخ محمد بن سعد فيما بينه وبين أولاده وأحفاده وأسباطه، وفي مجالسه العامرة التي يغشاها عامة الناس وخاصتهم، وقد شاهدت من ذلك وعاينت ما لا أحتاج معه إلى واصف أو مخبر.

يا قوم، يا كرام، يا أوفياء، يا أهل العراقة وأربابها: بادروا إلى كباركم من الرجال والنساء، اسمعوا منهم وأنصتوا لهم، وسجلوا أحاديثهم بعد استئذانهم، ودونوا المناسب منها لكم ولأجيالكم ولمجتمعكم. لنحرص على نقل الصورة القديمة بعزتها وأنفتها، وبشظفها وقلة ذات اليد، حتى تعي الأجيال أن النعمة والرغد جاءت بعد توفيق من الله ومنة، ثمّ بعد مكابدات وعراك ومحاولات، وعقب جهود وتدبير وإدارة رسمية، وكي يوقنوا أن الحفاظ عليها، والاستزادة منها، يستلزمان التشبث بالثوابت والأصول، ويقتضيان الارتباط مع العراقة بعروة وثقى، وهذا كله لا يحول دون الانطلاق المحكم، والتجديد الرشيد، والتواصل المثري دون تطامن أو تنازل. وهذا المعنى الباسق هو عين الهدف المبتغى من هذا الكتاب العريق مضمونه، العريق صاحبه، العريقة مفاهيمه.
الرياض- ليلة الثلاثاء 11 من شهرِ ذي القعدة عام 1447
28 من شهر أبريل عام 2026م