اختص الله كتابه العظيم بالإعجاز فلا يأتيه الباطل البتة، ويستحيل نقضه مع تيسير تلاوته وفهمه، ولا يمكن أن يأتي أحد بشيء مثله ولو كان يسير المقدار، وهو محفوظ من التحريف والنقصان. وقد كتب الله لكتابه العزيز البركة حتى أصبح الورق الذي يكتب فيه ممتنعًا على اللمس دون طهارة. وجعل الله من خيرية كتابه المهيمن أن من ارتبط به نال من العلم والإيمان والشرف ما به يسمو، ويخلد، وتنغرس له المحبة في جذر القلوب، ويجعل له الود والمنزلة. إنه كتاب جليل فيه التجاة للفرد والمجتمع والدولة والأمة، شريطة أن نحسن فهمه، ونصدق في اتباعه، والاهتداء بأمره، والانتهاء عن زواجره.

ولم تقتصر المحامد التابعة للقرآن المجيد على التفسير أو الفقه أو التلاوة والحفظ والإقراء فقط، وإنما توسعت لتشمل الذين خدموا كتاب الله بالخط والطباعة وتسخير التقنية وتطوراتها من أجل القرآن. من هؤلاء الخطاط الشيخ د.عثمان طه عثمان بن عبدو بن حسين بن طه الحلبي الذي ولد في ريف حلب بسورية عام 1352=1934م، ونال الجنسية السعودية عام 1443=2021م، تقديرًا لخدماته الجليلة، وكفاءته النادرة، وعمله الذي جعل من المدينة النبوية مركزًا للخط العربي الأصيل، ينافس غيره من الأماكن، وقد يتفوق عليها بقداسة النص المكتوب، الذي ضمن للخط المدني الخلود في شكله وتاريخه ومجمعه وكل ما له به علاقة.

فإذا كان افتتاح مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف عام 1405=1985م ثم رعايته والعناية به من توفيق الله لبلادنا ملكًا وحكومة وشعبًا، وزيادة في حسناتهم مع كل نسخة من مصحف المدينة النبوية تطبع وتصل إلى مسجد أو مركز أو مسلم، فإن استقطاب الخطاط الشيخ عثمان طه عام 1408=1988م فرع عن هذا التوفيق، لما امتاز به من جمال الخط، وحسن الترتيب للكلمات، والتخلص من الزوائد، ودقة الرسم، والحرص في أداء العمل، حتى أنه يتوضأ قبل أي كتابة، ويرتجف متفاعلًا مع الآيات وهو يكتبها راجيًا وعدها، محاذرًا من وعيدها، وتستغرق كتابة المصحف الواحد منه قرابة ثلاث سنين، وما أسعده حين أعانه الله على كتابة عدة نسخ وروايات من المصاحف في سورية والسعودية والبحرين.

وقد كانت المدينة ومجمعها ومصحفها خيرًا للخطاط الشيخ من أي مكان آخر، فهي مدينة النبي الأكرم ومهجره ومنزله البرزخي، ومصحفها يقع بيد ملايين الحجاج والمعتمرين والزوار، فضلًا عما يصرف على طبع مصحف المدينة من أموال وجهود علمية وإدارية ومراجعة وتدقيق جعلت نسخته الأجود أو من بين الأوائل في المصاحف المتوافرة، مع موثوقية عالية، وتطوير مستمر، وإتاحة عدة قراءات منه، مع تفاسير وترجمات وتطبيقات، فهنيئًا للشيخ ارتباطه بكلام الرب الرحمن سبحانه، وهنيئًا له سكنى المدينة، والعمل في مجمعها منذ عدة عقود، واستمراره حتى وهو يتجاوز العمر المتعارف عليه في بقاء قدرة الخطاطين على العمل، متعه الله بالصحة والعافية، وأمده بالعون والقوة، وهنيئًا له حين طبع من المصاحف بخط يده مئات الملايين من النسخ؛ فشرقت وغربت، وحملها كل جنس وعرق ولون، وتلاها المسلمون في البر والبحر والجو.


مما يلفت النظر في سيرة شيخ خطاطي زماننا أنه نشأ في بيت محاط بتدريس العلم، والتربية على خوف الله ومراقبته، وتحصيل المهارة، ورزقه الله الذكاء، وسرعة الحفظ والفهم، والقدرة على الابتكار والتقليد بحذق، ثم تتلمذ على يد أشياخ الخطاطين في حلب، وواصل دراسته الجامعية والعليا في علوم الشريعة وفنون الخط، ولم يكتف بذلك؛ إذ نهل من خطاطين كبار في دمشق، وبغداد، وإسطمبول، وغيرها.


وكان الخط والزخرفة عالمه الذي خالط أمشاجه واخترق منه شغاف القلب، وربما أن بعض قصيري النظر قد أشفق عليه من هذا التخصص وذلكم الاهتمام، وما علم أن فيه البركة والغنم والأجر في الدنيا والآخرة، وسبحان من جعل الخيرة خفية، والأقدار بالرفعة والخفض تأتي مثل لمح البصر ولا راد لها. إن الحرف العربي يمتاز بصورة وهيئة قابلة للإبداع في خطوطه؛ ولذا تفنن العلماء بعدة خطوط، ولا يزال حرفنا ولودًا، وهذا من باب تميزه وعراقة اللغة التي يخدمها، وقد كتبت به لغات كثيرة نقصت مع الضعف السياسي، وعسى أن تعود يومًا وتزداد، خاصة لغات المسلمين، فحرف القرآن أولى بها من غيره.
ومما يذكر من باب التحديث بالنعمة، أن الشيخ د.عثمان جاء إلى المملكة بتوجيه من الملك فهد، ثم حظي بالإجلال منذ قدومه إلى المدينة النبوية، ومباشرة عمله في كتابة المصحف الشريف، ووجد كل الاهتمام من ملوك المملكة، وأمراء المدينة، ووزراء الشؤون الإسلامية، والعاملين بمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، والمسؤولين بعامة، فضلًا عن التقدير الذي لازمه أينما حلّ، فالكبير والصغير يسعد بالسلام على رجل خطت يده المصحف الشريف، ويتمنى تقبيلها فما أجدر تلكم اليد الطيبة بالتكريم لشرف ما خطت وكتبت.


كذلك من فضل الله عليه أن رزق بزوج تعينه على أداء الرسالة السامية التي هيأه الله لها، وساقها له عن أمنية جعلته يرفض العمل في بلاد يتمناها كثير من الناس، انتظارًا لفرصة القدوم لبلاد الحرمين مثل شيخه الشيخ علي الطنطاوي، وحين غادرت زوجه الدنيا عوضه الله بزوج أخرى معينة موفقة. ومن تمام المنة أن الشيخ بعد أن تفنن في كتابة نسخ من المصحف الشريف، نشط لكتابة رسالة دكتوراة عن القصائد التي قيلت في مدح الجناب الكريم، ثم خطها بيده وفنه النضر القشيب، وطبعت طبعة خلابة المنظر بعنوان قصائد مختارة في حب سيدنا محمد ﷺ، وهو عمل جليل يضاف إلى منجزاته الخالدة.

إن الارتباط مع القرآن الكريم عز وأي عز، خلود وأي خلود، وأجر وأي أجر، والحمدلله أن وفق بلادنا وقادتها وأكابرها وأهلها لهذا المجد والحمد. ثم إن علوم الشريعة واللغة والتاريخ والخط وإتقان مواهبها لترتقي بصاحبها بعد إرادة الله واصطفائه لمن شاء من عباده، وهي ليست من العلوم الهامشية التي قد يظن بعض المستعجلين أن الزمن قد تجاوزها، فهي أصول والأصول لها خاصة الثبات والمرجعية والدوام، وهي أركان ولا قائمة لشيء تضعضعت أركانه، وعلوم هذه صفتها ليس بمقدور أحد تجاوزها؛ فهي ليست موضة أو “ترند” يعلو ثم يهبط ويزول، ولكنها أساس متين مبين، ومرجع أمين مكين.
الرياض- ليلة الجمعة 14 من شهرِ ذي القعدة عام 1447
01 من شهر مايو عام 2026م