قراءة وكتابة

الخيار والكتابة!

من لا يعرفني سيظن أني قد جننت أو أهرف بما لا أحسن ولو بعضه، فما علاقة الخيار بالكتابة؟! والذين يعرفون اهتمامي بالكتابة لا يستغربون العنوان؛ لكنهم قد يعتقدون أني بالغت وتكلّفت، ولويت الأعناق من أجل عنوان يجمع بين الخضار والكتابة! أما الذين يعرفونني حقَّ المعرفة، وهم ليسوا كثرة كاثرة، فأجزم بأنهم أقبلوا بلهف بحثًا عن السر الذي قارب بين متباعدين، وربما أنهم -من حسن ظنهم- وقع في روعهم قبل القراءة أني سأكتب يومًا عن الجزر والكتابة!

الحكاية بإيجاز أن أحد أصحابنا الأثرياء دعانا إلى مزرعة له جميلة كبيرة أنيسة تقع على تخوم العاصمة الرياض حفظها الله، وبارك للرجل في ماله كله، وبالمناسبة فبعض الأثرياء والوجهاء يحبون الخلوة بمن يتوسمون فيهم الثقافة أو المعرفة، وهي خلوة فيها تودد ومجاملات مادامت بعيدة عن الأعين، فإذا برزوا للناس ذهب أكثرها، وبقي منها تحلّة القسم أو قريب منها، وبعض “المثقفين” لا يعي ذلكم الطبع “النخبوي”؛ وقد يقع في مزلق يودي به من جراء زيادة الجرعات العلنية منه نحو وجيه أو ثري.

وقد احتفى بنا الرجل وسرّ غاية السرور، ولا غرو فهو المضياف الكريم طاهر النفس والقلب -فيما أحسب-. ثمّ أخذنا في جولة بسيارة “قولف” على أرجاء مزرعته الواسعة التي يجاوره فيها أثرياء مشهورون ووجهاء معروفون. وبعد مدة من الجولة توقف كي يحضر لنا خيارًا نأكله، وقد تعجبنا حين أخذ وعاء كبيرًا نوعًا ما، ونحن خمسة نفر يكفينا ما هو أقل من هذا الوعاء وأصغر! وزاد منا العجب حين ملأ الوعاء بالخيار حتى ظننا أن هاجسًا طرأ عليه -وحاشاه- كي يلغي دعوته للغداء على “مفطح” مننظر.

ثمّ أقبل الرجل علينا ببسمته المشرقة، ومعه الوعاء الغاص بالخيار، وحين رأيناه لفت أنظارنا أن حجم الخيار صغير قياسًا بما اعتدنا عليه. وبعد أن أكلناه لاحظنا أن الخيار لين رقيق يذوب في الفم بلا ممانعة، ووجدنا أثر الماء والحياة فيه، وشرعنا نلتهم الواحد تلو الآخر، حتى فني الوعاء الذي اختلطت فيه أيدينا التي كادت من لذة الخيار أن تصبح عشرًا بدلًا من خمسة! بالمناسبة يمتاز الخيار بأنه قلوي يذهب الحموضة، وسعراته قليلة، وهو يشبع من رام ضبط أكله، ولا يسبب السمن، وأخبرنا عزيز مغرم بالطبخ أنه يصنع منه “شوربة” لذيذة، ووعدنا بها ذات ليلة، وإنا لنرقب!

طيب يا أحمد! ما علاقة كل ذلك بالكتابة؟ العلاقة أن هذا الخيار العضوي الطبيعي مثل الكتابة البعيدة عن التكلّف، الخالية من التصنع، النابعة من صميم النفس بلا بهرج ولا زيف ولا إدعاء، وعكس هذه الأشياء تدمر الكتابة، وتقضي عليها قضاء مبرمًا؛ فالكتابة متسقة مع الطبيعة يا قوم، وأي معاندة لطبيعة الكاتب، وسياقه، ومكنون نفسه لا بد أن تلقي بأغلالها على النص فيخرج نكدًا بلا حياة، أو دون تأثير.

العلاقة يا سادة أن الكتابة التي تصدر عن البشر غير تلك التي يستعان فيها كلها أو أكثرها بالذكاء الاصطناعي، وهو الأمر الذي فشا وبات شائعًا لدرجة تجلب الغثيان للقارئ والسامع، تمامًا مثل الخيار الذي أُغرقت أرضه وبذوره بالمواد الكيميائية التي تعجل به؛ فخرج كبيرًا غليظًا ناشفًا صلبًا، لا طراوة فيه، ولا نضارة حقيقة، ولا حيوية ماء تجري داخله، ولا نكهة فيه ولاروح، وآكله يشعر كأنما يأكل قطعة من الورق المقوى بطعم الخيار ليس إلّا! لا بأس أبدًا من الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في الكتابة كما يستعين الطباخ بملح الطعام بكمية مقننة محكومة لا سرف فيها ولا إغراق، ولا استسلام فيها لهذه الأدوات النافعة المهمة إذا حُكمت وضبطت، وسبق لي بيان ذلك بإسهاب وتوضيح.

ثمّ إنه من العلاقة يا معشر الكتّاب والكاتبات، أن الخيار لا يؤذي آكله غالبًا، بل ينفعه ويغنيه بلا بشم ولا رهق سمن واكتناز شحوم، وهكذا تكون الكتابة أو يفترض. ومن العلاقة أن للخيار استخدامات عالمية في ثقافات ومطابخ قابلة للتقليد المفيد، ومثلها الكتابة التي تتأثر بالبيئة المحلية لكنها تستقي من غيرها بلا تبعية مقيتة. ومن العلاقة أن الخيار يؤكل وحده، أو مع غيره من مكونات قليلة أو كثيرة، وربما أصبح تصبيرة، أو مقبلات، أو سلطة، أو غير ذلك، وفي مرحلة من مراحل التفنن يؤول الخيار إلى أن يغدو شوربة ساخنة مثلما قال صاحبنا الطباخ الصدوق ووعد وسيفعل، وهكذا الكتابة بتنوعها، وتعاونها، وتداخلها، وتطورها، واتخاذها عدة أشكال.

هنا أتوقف وأسأل: هل تنوي أن تكون كتابتك مثل الخيار الطبيعي المملوء برائحة الأرض الزكية، وتربتهها وأسمدتها الطبيعية، وبمذاق الماء العذب، ومتروكة لزمنها المحدد للنمو تحت الأرض وفوقها؟ أم يخشى عليك الانجراف مع التيار الكيماوي في الخيار والاصطناعي في الكتابة؟! وسؤال آخر مرتبط بما ورد في المقدمة، وأجبني عليه بصدق: بعد قراءة هذا المقال هل تنتظر أخاه عن الكتابة والجزر الذي يقوي النظر، أم سوف تكتفي بالبحث عنهما في أسواق الخضار فقط؟!

ahmalassaf@

الرياض- ليلة السبت 09 من شهرِ شوال عام 1447

28 من شهر مارس عام 2026م

Please follow and like us:

2 Comments

  1. مقالة غريبة وربط عجيب وقد كنت أذكر إن لم تخن الذاكرة أنه باللغة الأنجليزية البريطانية الشعبية العامة يشبهون الكتابة الردئية بالخيار ..

    وحسب المجاز عندهم أنه توجد علاقة لطيفة وذكية بين كلمتي الخيار والكتابة في اللغة الإنجليزية، لكن علاقة غير مباشرة وتعتمد على اللعب بالألفاظ.
    Cucumber كلمة خيار تُترجم إلى cucumber وكلمة يكتب أو يخربش تُقال Cucumber أيضًا في العامية البريطانية!
    السر هنا أن كلمة Cucumber تُستعمل في الإنجليزية العامية
    بمعنى يكتب بشكل سيء أو غير واضح (
    cucumber = to write badly or scribb

    نفس الكلمة تحمل معنيين مختلفين:
    • معنى حرفي: خضار (الخيار)
    • معنى مجازي/عامي: الكتابة بشكل رديء أو غير منظم وهذا نوع من اللعب اللغوي (wordplay) أو التعدد الدلالي
    حيث تتشابه الكلمات أو تتطابق لكن تختلف
    معانيها.

    نجي لشرح اكثر :
    التشبيه بين الكتابة السيئة والخيار (cucumber) في اللغة الإنجليزية ليس قاعدة لغوية رسمية، بل هو أقرب إلى تشبيه طريف أو مجازي يقوم على ملاحظة صفات مشتركة بطريقة ساخرة أو ذكية.
    هذا الربط يكون من خلال:
    1. الطعم الباهت مقابل الأسلوب الباهت
الخيار غالبًا يوصف بأنه بلا طعم قوي أو مميز، وكذلك الكتابة السيئة تكون “مسطّحة” لا روح فيها ولا نكهة، تخلو من الإبداع والتأثير.
    2. الامتلاء بالماء مقابل الفراغ من المعنى
الخيار يحتوي على نسبة عالية جدًا من الماء، أي أنه “كثير الحجم قليل الجوهر”، وهذا يشبه كتابة مليئة بالكلمات لكنها فقيرة في الأفكار والمعاني.
    3. الشكل الجيد والمحتوى الضعيف
قد يبدو الخيار طازجًا وجميلاً من الخارج، لكنه بسيط جدًا من حيث القيمة الغذائية مقارنة بغيره، وكذلك بعض النصوص تبدو منمّقة لغويًا لكنها فارغة فكريًا.
    4. امتداد التعبير في الإنجليزية
هناك تعبيرات إنجليزية تستخدم الخضار والفواكه للسخرية أو التوصيف، مثل:
    * “cool as a cucumber” (هادئ جدًا)
لكن تشبيه الكتابة بالخيار هنا ليس تعبيرًا شائعًا بحد ذاته، بل استخدام إبداعي ساخر.
    الخلاصة
التشبيه يقوم على فكرة واحدة عميقة:
    كثرة بلا قيمة، وشكل بلا جوهر.
    ولو أردنا صياغتها بعبارة فصيحة:
”هي كتابةٌ كخيارٍ غضٍّ؛ يملأ العين خضرةً، ولا يملأ الذهن معنى.”

    شكراً كاتبنا العزيز ✨

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.