عرض كتاب قراءة وكتابة

فوائد كتابية من دروس صناعة الإنشاء

سبق أن وعدت بالكتابة عن درر هذا الكتاب، وها أنذا أفعل مع الاحتراز الذي سيشار إليه في موضعه المناسب. عنوان الكتاب المقصود: دروس في صناعة الإنشاء للعلامة اللغوي عز الدين التنوخي (1307-1386= 1889-1966م)، وقد اعتنى بهذه الدروس وقدم لها د.عبدالرحمن بن حسن قائد، وصدرت الطبعة الأولى من هذا العلق النفيس مادة وتمرينات وخدمة وإخراجًا عن دار آفاق المعرفة عام (1447=2025م)، ويقع في (355) صفحة مطبوعة على ورق نباتي محبب، مع خيط فاصل يعين على القراءة والتوقف والعودة إلى الموضع المراد.

فمن درر هذا الكتاب القمين وجوده في مكتبة الكتّاب والكاتبات:

  1. الصعوبة التي تعترض أي كاتب ليست في أن يكتب في أي موضوع شاء، وإنما في أن يقول ما يعنيه ويقصده بالضبط. د.عبدالرحمن قائد.
  2. نَبُه في هذه الصناعة الشريفة من أقوياء التفكير من استكمل آلتها، وخمل فيها من لم يستوف هذه الشرائط، أو من توفرت له صحة التفكير، وخانته ملكة التعبير.
  3. معرفة عيوب الكلام ومزاياه لا تتم لغير العارف بأصول الإنشاء، والواقف على لباب علم البلاغة.
  4. الإنشاء ذو بال في تنمية ملكات العقل، وينمي قوة التخيل والإحساس، ويظهر ذاتية الكاتب، ويمرنه على الاستدلال.
  5. رأس الأمر أن تتصف الكتابة بالوضوح، بتجنب الغموض، والعدول عن التراكيب المعقدة إلى الكلام الجلي المبين.
  6. إذا اعتاد الكاتب ألّا يكتب إلّا عن شيء رآه أو اختبره أصبح التروي في البحث والتدقيق في المعاني من ملكاته.
  7. خليق بالمنشئ ألّا يكتب إلّا ما يعتقده ويصدر عن صميم قلبه.
  8. الولع بالمبالغات وزخارف العبارات مما ينبئ أن الكاتب لم يدرك مفهوم الحقيقة، وحاول الاستعاضة عن الصحيح بتصورات باطلة، ومعانٍ مبهمة.
  9. الصفة الإنشائية التي يجدر التحلي بها هي السليقية وصحة الطبع.
  10. عمل الإنشاء من أعمال الروية والتأني.
  11. المنشئ الحاذق يعد لعمله ما استطاع من قوة عقل، وجمع مادة، وصدق بحث.
  12. المزايا الكتابية تكتسب بفضل الرعاية العقلية، وبثرة تجارب الحياة.
  13. أعمالنا الإنشائية لا تكون ممتعة إن لم تسبق بتثقيف العقل واختبار شؤون الحياة.
  14. يتوهم بعضهم أنه يستطيع بتفخيم تراكيبه الفارغة، وشقاشق تعبيره، أن يحجب ضعف عقله، وقصور بصره، ونقص صناعته.
  15. حسن التفكير والتدبر يعين طالب الإنشاء على صنعته.
  16. التعبير بالمتبذلات العامية من شيمة الجهلة في مختلف الأجيال والطبقات.
  17. لاريب أن أحرار التلاميذ الألباء لا يرضون أن يكون لهم منطق العبيد والإماء فيتجنبون الزقاقيات – أي كلام الشارع- من التعابير، ويعنون العناية كلها بتقويم ألسنتهم غير متصنعين.
  18. الطبيعة والحياة ممتلئتان على الدوام بما لا ينتهي من موضوعات البحث والتأمل.
  19. الحكمة تقضي بأن يتحلى الكاتب بالاستبصار والاعتدال في تقديراته وتصديقاته.
  20. اللغة السوقية تافهة محدودة، ولغة العامة لا يمكن أن تكو نلغة الحضارة.
  21. يستطيع طالب الإنشاء إنماء مفردات اللغة بالمطالعة والتمارين الصرفية والنحوية.
  22. من المهم أن تكون المطالعة بطيئة، وتنتقي نفيس الكتب، ويصاحب المطالعة التأمل، والمقابلة مع التجارب، مع الحذر من أقوال المشاهير.
  23. على الطالب أن يتجنب الكتب الركيكة مبانيها، السخيفة معانيها؛ فهي مما يضعف ملكة الإنشاء، ويفسد الذوق.
  24. يقول الجاحظ: المعنى الحقير الفاسد، واللفظ الساقط يعشّش في القلب، ثم يبيض، ثم يفرّخ، ثم يستفحل الفساد؛ لأن اللفظ الهجين الرديء أعلق باللسان، وآلف للسمع، وأشدّ التحامًا بالقلب من اللفظ النبيه الشريف، والمعنى الرفيع الكريم.
  25. لا يخلو تأويل المعنى من ثلاثة أقسام: إما أن يُفهم منه شيء واحد لا يحتمل غيره، وإما أن يُفهم منه الشيء وغيره، وتلك الغيرية إما أن تكون ضدًا، أو لا تكون ضدًا، وليس لنا قسم رابع.
  26. إن ذروًا من التأمل يبين لنا أن الرسالة يزداد إتقانها بازدياد عواطف كاتبها.
  27. على الكاتب أن يقيد الخاطر حين يسنح له كيلا ينساه.
  28. البحث عن التفاصيل الدقيقة أجزل فائدة وأمتع في السرد.
  29. يجب أن نعتقد أن كل عمل أدبي يتطلب تهذيبًا واختيارًا.
  30. على الكاتب أن يجسر على الحذف، ويهتم بالمحو والإثبات، وأن يكون حذّافًا؛ فالقليل الطيب أفضل من كثير يخالطه فساد.
  31. على الطالب أن يتجنب المطالع الشاملة التي تصلح لكل موضوع؛ فبراعة المطلع والاستهلال مطلب.
  32. ينبغي أن يجمع الكاتب إلى محاسن المعنى محاسن اللفظ، ويعطي التعبير جميع ما يحتمل الموضوع من تأنق وتحرير.
  33. إن خير وسيلة للتجويد أن نعبر عن إحساسات حيّة ذاتيّة، وأن لا نخشى أن نظهر للناس انفعالنا أو سرورنا أو تسلّينا.
  34. الشرط الأول لإمتاع العمل هو الحقيقة.
  35. بعد اكتمال المسودة يمكن العناية بأمر التصحيح والتنقيح وسائر التفرعات.
  36. يقول صاحب المثل السائر: “أحسن الألفاظ ماكان مألوفًا متداولًا؛ لأنه لم يكن مألوفًا متداولًا إلّا لمكان حسنه”.
  37. يقول صاحب الصناعتين: “مدار البلاغة على تخيّر اللفظ، وتخيّره أصعب من جمعه وتأليفه”. ويقول: “لم يكثر الغريب في كلام إلّا أفسده، وفيه دلالة الاستكراه والتكلّف”.
  38. التشبيه قوام علم البيان، ولا يفيد إلّا إذا زاد في التوضيح والتأثير، والإكثار من التشبيه فوق الحاجة هجنة.
  39. تستعمل بعض الألفاظ إخفاء جدوبة الفكر، وهي ألفاظ طفيلية وحشوية وأفكار مكررة، والخلاصة أنه بترك الفضول تمتاز كتابة الفحول.
  40. الأفضل لجمال التنسيق أن تتفق الجملتان السابقة واللاحقة في الاسمية والفعلية، والفعليتان في نوع الفعل، والاسميتان في نوع المسند.
  41. يحسن بالمنشئ ألّا يعود لتصحيح آثاره الكتابية إلّا بعد عدة أيام من إنشاء مسوداتها؛ لأن النفس تكون مولعة بالعمل والاستعداد لاستبانة العيوب ضعيف.
  42. لا يستثقل الإنشاء إلّا المستعجل الذي يسرع الملل إليه وتستحكم فيه ملكة الثرثرة والكتابة الرديئة.
  43. بإسداء هذه النصائح لا ننكر أن صناعة الإنشاء شاقة، وتحتاج لأجل حذقها إلى زمن طويل، والإنشاء ليس فنًا فحسب، بل فن وصناعة.
  44. الملكة الكتابية لا تكمل ولا تنتج الآثار البارعة ما لم تنضجها الدراسة الأدبية العميقة. الشيخ علي الطنطاوي.
  45. لا تبالوا بأذواق الناس إذا خالفت أذواقكم، ولكن استمعوا إلى نقدهم إذا كان يستند إلى أساس علمي صحيح، أما إذا استند إلى الذوق وحده فلا.. ولو كان ذوق أستاذكم. الشيخ علي الطنطاوي.

جدير بي أن أخبرك -محترزًا من ظنون الاكتفاء- بأن هذه المنتقيات تساعد وتحفز وتبعث الهمة، بيد أنها لا تغني عن الكتاب؛ لأنه منهج تعليمي مزج بين العلم والخبرة والتدريبات، مع توضيحات وإضافات. هو كتاب يقرأ قراءة تطبيق ودرس، وقراءة إحياء وإسعاف، كي تعظم منه الفائدة، وتنبعث الموهبة وتزداد المقدرة، فمثله يستحق أن يكون في أيدي النابهين ومحبي الأدب والكتابة من الطلاب والطالبات في المراحل الثانوية والجامعية؛ ذلك أن صناعة الكتابة والكاتب تتجاوز العمل الكتابي وصاحبه، إلى تأثير مجتمعي قد يستمر بعضه أمدًا بعيدًا.

ahmalassaf@

الرياض- ليلة الجمعة 08 من شهرِ شوال عام 1447

27 من شهر مارس عام 2026م

Please follow and like us:

2 Comments

  1. شوقتنا لقراءة الكتاب.
    ولا أظن أنه من الكتب التي تقرأ ثم تُدس بين إخوانها على الرف لتبقى بعد ذلك مجرد عنوان في فهرس المكتبة. وإنما هو منهج يراجَع بين الفينة والأخرى.. أشبه بمـقْوَد سيارة، يضبط مسار الكتابة كما يضبط المقود مسار الطريق.

    وإني لأرى من أهم مهمات الكاتب ألا يُمْطــر كلماته بالشكل لتصبح كالمجدورة.
    واختبار حذقه يظهر في اختيار ما يضبط بالشكل، فلا يُشَكل إلا الحرف الذي يُشْكل.

    بوركْت من كاتب. وسُدد قلمك.
    والسلام عليكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.