إدارة وتربية سير وأعلام عرض كتاب

منى العيبان ورحلتها في قيادة التعليم

كنت أحد الحاضرين في حفل مدارس ابن خلدون هذه السنة، لمشاركة نجلي الذكي سعود في حفل تخرجه في الثانوية؛ مع أني – ومثلي كثر- لا أحب حضور الحفلات، وإذا حضرت أتمنى أن تتيسر لي فرصة الانفتال العاجل من القاعة، أو أن تكون المدة قصيرة جدًا، وأتذكر بإكبار لا يستغرب، أنه من المشهور عن المقام السامي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله ورعاه- توجيهه بتقصير مدة أي حفل وضبط فقراته، وقرأت مرة أن الملك فهد -رحمه الله- حضر حفلًا لافتتاح مستشفى بالمنطقة الشرقية، وكانت مدته قصيرة دون إخلال بشيء من الأساسيات؛ فقال الملك لوزير الصحة د.غازي القصيبي -رحمه الله- بعد نهاية المناسبة: ما أخف دم هذا الحفل ياغازي، وليت كل احتفال أن يكون مثله!

المهم أني في حفل مدارس ابن خلدون، استمعت إلى كلمة مسجلة لإحدى المسؤولات عن الإدارة التعليمية في شركة معارف التي استحوذت على المدارس قبل سنوات؛ فلفت نظري في الكلمة معاني تربوية وقيادية وإدارية، ولمحات عملية أيضًا بإيصال الرسالة عن بعد دون حاجة لبروز لا موجب له. كانت تلكم الكلمة القصيرة للأستاذة منى بنت عبدالمحسن العيبان، وليس سرًا أن كل من يحمل اسم “عبدالمحسن” يلفت نظري، ومن المعلوم أن أسرة “العيبان” الكريمة العريقة ذات تاريخ وطني مشرف في التأسيس والإدارة، العسكرية والمدنية، القانونية والتعليمية، الصحية والحقوقية، وبالتالي فالشيء النفيس، من معدنه الثمين، لا يستغرب.

ثمّ وقع بين يدي هذا الصباح كتاب عنوانه: رحلتي في الإدارة، تأليف منى بنت عبدالمحسن بن إبراهيم العيبان، صدرت طبعته الأولى عن مركز الأدب العربي للنشر والتوزيع عام (1447=2026م)، ويقع في (161) صفحة. يتكون الكتاب من الإهداء، وهذه أنا، فلماذا هذا الكتاب، وفي البدء، وهي أشبه بالتمهيد للكتاب الذي يجمع بين كونه سيرة ذاتية عملية، ودرسًا تطبيقيًا في الإدارة والقيادة والتربية، وهو نصٌّ مشحون بالمبادئ السامية، والتجربة الشخصية، وربما أن المؤلفة الموفقة ستضم هذه العناوين تحت عنوان واحد في أي طبعة قادمة، فنحن في زمن القراءة المختصرة.

عقب ذلك تأتي فصول الكتاب وعددها ثلاثون فصلًا، بعدد صفحات متقارب فيما بينها على الأغلب، أولها يتحدث عن فن المعنى، وفي آخرها خلاصة التجربة، وبينهما إدارة وقيادة وتربية، وتحول رقمي، وانتقالات زمنية ومكانية، وإشادة برموز وكيانات حكومية وخاصة. ولكل فصل عنوان، وتحت العنوان عدة جمل مستلة من مضمون الفصل، تكاد أن تفصح عن لبابه، وتوجز مضمونه. ويتلو هذه الفصول سيرة ذاتية فتوقيع القائدة العامر بالحمد والإيمان.

وسوف يجد القارئ في كل فصل جملة مركزية ذات كثافة بالمعنى وتركيز في الدلالة أو أكثر، وهذه الجمل قابلة لأن تستل وتستخلص، وتنسب لكاتبتها، ولتجربة سعودية ناجحة؛ فمنها:

  1. للإدارة وجه نظري يتزين بالمفاهيم، ووجه ميداني يختبر بالصبر.
  2. القائد الناجح ليس الذي يعرف الإجابة، لكنه الذي يملك الشجاعة ليتساءل.
  3. تعلمت القيادة من تفاصيل لا تدّرس وليس من الكتب.
  4. الميدان هو المختبر الأكبر لكل نظرية.
  5. في المدرسة: كل موظفة ليست تابعة وإنما شريكة، وكل طالبة ليست متلقية بل مشروع حياة.
  6. المعلمة ليست مبلغة معرفة، لكنها صانعة وعي، وتقييمها ينبني على سعادة الفصل، ونجاحها ينبي عملها كأنها قائد أوركسترا.
  7. القائد الذي يمسك بكل شيء يفقد كل شيء.
  8. تعلمت في العمل الحكومي الصبر، وفي التعليم الخاص تعلمت السرعة.
  9. النجاح نتاج “نحن” لا “أنا”.
  10. حين تتسع الرؤية يتغير الإيقاع، وتغدو المسؤولية ليست يومية، إنما إستراتيجية.
  11. الإدارة ليست إطفاء حرائق لكنها منع اندلاعها.
  12. المدير الذي يفهم الناس لا يحتاج إلى كثير من القوانين.
  13. أرشدتني المراجع والكتب إلى الطريق، بيد أن الميدان علمني كيف أمشيه دون تعثر.
  14. بعض ممارساتنا الناجحة قابلة لأن تعرض على أنها نموذج سعودي.
  15. أعظم سلطة يملكها القائد هي قدرته أن يلهم لا أن يرعب.
  16. التقنية لا تقصي أحدًا، لكنها تعطي الأفضلية لمن يتعلم.
  17. تختبر القيادة حين نتعامل مع من لا يشبهنا.
  18. أدرت فرقًا رجالية ونسائية بالمبادئ نفسها لكن بأدوات مختلفة بناء على طبيعة كل فريق.
  19. النجاح في قيادة حقل التعليم يتطلب إتقان لغته التربوية.
  20. ليست المشكلة في دخول الشركات إلى التعليم وإنما في خروج التربية من الإدارة.
  21. المديرة التي ترضي الجميع لا وجود لها.
  22. من لم يؤمن برسالته فلن يستطيع أن يلهم أحدًا.
  23. من المناسب صياغة مفهوم القيادة عن بعد، والقرب من الناس والتفاصيل حتى من غير حضور شخصي.

هذه مقتطفات تدل على ما تركته، وهو كثير من بابتها، وجدير بالقارئ ذي العناية العودة إليها في مكانها. وهي لباب من خبرة ثلاثة عقود، فيها تجسير بين الأجيال، وحديث صريح من داخل المجتمع التعليمي الحكومي والخاص، الوطني والعالمي، مع وقفات عن المرأة والرجل بلا تناشز أو اصطناع لحرب بين الشقيقين وهذا من تعقلها وحسن تربيتها، فما أسوأ ممن يفعل ذلك، والله أعلم بغاياته وأسرار حياته التي تخالف ما يعلنه أحيانًا.

وفي الكتاب الموجز إعلان بلمسة قيادية تربوية حازمة حانية، فهو إعلان صريح للمبادئ الشريفة، والمعاني النبيلة مع الطالبة والمعلمة والإدارية والفرق، ومع المجتمع التعليمي قاطبة، وتوثيق لتجربة قيادية تربوية. ولا تخلو المادة من إشارة لحقوق الإنسان، وطبائع البشر، مع حتمية الضبط والحوكمة، والالتزام بالنظام العام والأنظمة. كما لا يغيب عن السيرة الوفية  الإشادة بأسماء وخبرات، وكم كنت أتمنى لو حوى كل فصل أكثر من حكاية وقصة؛ لأن وجودها يهب للنص سلاسة سردية، وتشويقًا وتحبيبًا، فهي تزيد من اجتذاب القارئ للكتاب ومضمونه، ولعل المؤلفة المباركة أن تصنع ذلك في طبعة قادمة.

ahmalassaf@

الرياض- الثلاثاء 25 من شهرِ ذي القعدة عام 1447

12 من شهر  مايو عام 2026م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)