توافر التجارب والتطبيقات مفيد للغاية، فإذا تزامن معها وجود الخبراء والباحثين فالفائدة قطعًا ستغدو أعظم، أما حين يرشد التجربة، ويستثمر الخبراء مركز متخصص، وبيت خبرة عميق، فتلك مرحلة عالية تستحق الإشادة واغتنام بركاتها، فإذا كان معهم مؤازر كريم جواد بماله وعطائه فهي لعمركم منة تستحق الشكر والسجود للمولى سبحانه، وتكتمل النعمة حين يحتفي المجتمع الرسمي والشعبي بمن وما سبق، وبما يصدر عنه، وهو احتفاء فيه مساندة، وإفادة متبادلة، وتكامل متكاتف.

هذا انطباع راسخ لدي، وتعزز حين وقع بين يدي كتاب مهم عنوانه: الوقف والشركات العائلية: الفرص والتحديات ونماذج العمل، بحثه أ.عاصم بن عبدالرحمن العبيدي، وأشرف عليه فريق مكون من: د.فهد بن علي العليان، ود.إبراهيم بن عبدالعزيز الخميس، ود.عبدالله بن إبراهيم الجاسر، وأ.علي بن سعد العمري، وحكمه: د.زياد بن عبدالله الفواز، وأدار المشروع: أ.أحمد بن صالح الصقير، وأبدع في تصميمه وإخراجه: أ.معاذ بن عبدالخالق محمد. صدر هذا الكتاب عام (1447=2026م)، ويقع في (109) صفحات، ويتكون من مقدمة، فأربعة فصول، وخاتمة، ثم فهرس المراجع وهي أزيد من عشرين.

اُستهل الكتاب بعبارة مختصرة غزيرة الدلالة، كتبها أ.نايف بن عبدالكريم العبدالكريم الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لبنك الجزيرة، وفيها أن البنك يهدي هذا الإصدار في سبيل نشر العلم والمعرفة، وتمكين القطاع غير الربحي ودعمه، وهذا ديدن بنك الجزيرة الذي شمل بخيره أهل الجزيرة. وفي الغلاف الخلفي تعريف باستثمار المستقبل، وهو بيت خبرة دأب على النهوض العلمي بالقطاع، وعكف على استثمار الباحثين والتجارب، والتعاون المثمر في هذا السبيل. إن خدمة القطاع غير الربحي معلم بارز في رؤية المملكة 2030، مما أوجد حراكًا غير مسبوق، ونتائج مذهلة، بنماذج باهرة.

أشار الباحث في المقدمة إلى أهمية موضوعه، وفي سبيل خدمة البحث تنوعت الأدوات ما بين مقابلة، وتحليل نماذج، واستفادة من إحصاءات، فجمع بين النظرية والتطبيق. ثمّ يعرف الفصل الأول الشركات العائلية اقتباسًا من تعريفات واردة في مراجع سعودية وخليجية وعالمية، وبعضها أدلة استرشادية، أو دراسات تعنى بالحوكمة، وخلص المؤلف إلى تعريف مختصره أن الشركة العائلية شكل من أشكال الشركات النظامية؛ لكن تسيطر عليها عائلة أو أكثر وبينها صلة قرابة، والسيطرة تعني ملكية جميع أو غالب الحصص، وبعد ذلك أفاض في تاريخ هذه الشركات التي تكثر في أوروبا وتليها أمريكا وكندا.

عقب ذلك حدد المؤلف خصائص الشركات العائلية، وهي:
- تأثر الشركة بالثقافة العائلية.
- تأثر العلاقة العائلية بالشركة.
- التميز في الأداء والمرونة العالية.
- ضعف الحوكمة، والحاجة لها تزداد بمرور الوقت.
- الاهتمام بنقل الخبرة.
وبين أن للشركات العائلية ثلاث مراحل هي التأسيس، ومرحلة الأبناء، فمرحلة الأحفاد، ووضع جدولًا فيه أبرز سمات كل مرحلة وأهم ما يواجهها من عقبات، ولا يخفى أن مثل هذا التقسيم السائد يقتبس من نظرية عالم الاجتماع الكبير ابن خلدون رحمه الله، وهذا التفريع مهم كي تكون الثروة العائلية باقية متجذرة، لا طفرة عابرة! وعرج على العمل الخيري في الشركات العائلية الشائع في بعضها، مع وجود إستراتيجية أو بدون، وفيها ما يبتغي الأجر، والتأثير الاجتماعي، وتتنوع الصفة التنظيمية لهذا العمل الخيري؛ فبعض مكتب خاص للعمل الخيري داخل الشركة العائلية، أو مؤسسة أهلية مستقلة، وربما نزع البعض لنموذج مركب من عدة كيانات أشهرها النموذج الثلاثي: الوقف، والمؤسسة الأهلية، والشركة العائلية.

كما أوضح المحامي العبيدي ما يواجه الشركات العائلية من تحديات، وآثار ذلك في ظهور الخلافات والمحاكمات، وهي تحديات طبيعية لتشابك الجانب الشخصي والاجتماعي مع العمل والمال والتجارة، وما يكون على إثر تعاقب الأجيال، ورغبات التخارج، وتعارض المصالح، ودخول الغرباء في الكيان العائلي. ونبه إلى ملمح مهم قد يغيب، وهو نفع في استدامة الشركات العائلية بعد الأخذ بالأسباب من حوكمة، وسياسات، وكتابة ميثاق، وتوعية الأجيال، وتطوير الأنظمة والتنظيمات، وهذا الملمح هو التماس البركة بالصدقة، والصدق في التجارة والشراكة، وتحري الحلال، فما أجلّ وأرقى الاعتزاز بثقافتنا، وهو اعتزاز لا يكون إلّا عندما يتولى أبناء البلد المخلصين الدراسة والبحث والتطبيق.
أما الفصل الثاني فعنوانه مدخل إلى الوقف والشركة الوقفية، وفيه بيان جلي لمفهوم الشركات الوقفية التي تأتي على صورتين، فقد تسبق الشركة الوقف وتكون موجودة ثم يوقفها مالكها، أو يؤسس الوقف شركة ويديرها، والفرق أن الشركة في الصورة الأولى هي عين الوقف، والثانية هي جزء من مال الوقف؛ فالتصرف فيها لتحقيق غبطة الوقف ومصلحته أيسر. وتتفق الصورتان في أن الوقف هو المالك النظامي لهما، وفي نشوء شخصيتين اعتباريتين الأولى للوقف ونظاره، والثانية للشركة ومجلس إدارتها، والغض من هذه الشركة تحقيق الأرباح، واستدامة الوقف.

لذلك جاء الفصل الثالث بعنوان: مشاركة الوقف في الشركات العائلية، وحدد صور هذه المشاركة بثلاث صور، أولها تملك الوقف مباشرة في الشركة العائلية سواء في عقد التأسيس أو مع المساهمين، وتتحقق هذه الصورة بوقف أحد الملاك لنصيبه أو لجزء منه، أو بشراء الوقف نصيب أحد أفراد العائلة. والصورة الثانية: تملك الوقف شركة وقفية ضمن الشركة العائلية، فتغدو الشركة الوقفية مؤسسًا أو مساهمًا، والصورة الثالثة تملك الوقف بموجب الوصية في التركة ملكًا مشاعًا. ومن الأكيد أن لهذه المشاركة الوقفية حسنات كالبركة، وإشاعة مبدأ الإحسان والعطاء، وتوحيد العمل العائلي، والمحافظة على روحها، ورفع سمعة الشركة، والإعانة على استدامة العمل، ونزع فتيل الخلاف، ولا تخلو هذه المشاركة من تحديات مثل وجود كيان من غير العائلة، وصعوبة الحصول على تمويل؛ لأن البنوك -هداها الله- تصنف الوقف على أنه كيان عالية مخاطره!

ثم نبلغ الفصل الرابع والأخير بعنوان: نماذج عمل الأوقاف مع الشركات العائلية، وفيه ثلاثة أهداف للعمل الخيري تنحصر في حفظ الأصول، واستثمارها، وصرف ريعها خيريًا. وأفاض الباحث الموفق في شرح ثلاث كيانات في المشروع الخيري هي: الوقف، والشركة الربحية، والمؤسسة الأهلية. وبعد ذلك درس عددًا من نماذج عمل الأوقاف مع الشركات العائلية، واستعرض خمسة نماذج بما لها وما عليها، مع تقديم وجهة نظر بصيرة. وسطر في الخاتمة بعض التوصيات المهمة لثانع القرار، وللشركات العائلية، وللواقفي، وللخبراء، وهي توصية ناصح عارف، والرائد لا يكذب أهله، وكل الصيد في جوف الفرا، وإن جوف هذا الإصدار الثمين لمليء بالنفيس الثمين.

أخيرًا: هل تلوموني أيها القارئ العزيز على ما صدّرت به هذا المقال؟! أما إني لا أظنك فاعلًا، بل وأزعم -زعم صادق موقن- أنك تشاركني فيه كله أو جله، فما أسعد المجتمع حينما يكون أفراده، وعلماؤه، وتكويناته المجتمعية من بيوت خبرة وواقفين ومنفقين وشركات، ومعهم صانع القرار التنظيمي، ومنفذ القرار التطبيقي، ومتابعه، كلهم على قلب رجل واحد؛ خدمة للبلد وحاضره ومستقبله، وفي هذا الموضوع بالذات فنحن من أولى الناس به؛ لكثرة الشركات العائلية التي يشاركنا غيرنا فيها، ولأننا بموروثنا أصل الوقف، وأحد أصول عمل الخير والبر والمعروف التي استثمرتها الرؤية.
الرياض- الاثنين 24 من شهرِ ذي القعدة عام 1447
11 من شهر مايو عام 2026م