استعراض سير النبلاء مفيد، وفائدته أعظم إذا كان النبيل معاصرًا، وينتمي إلى أسرة مؤثرة؛ فمن الطبيعي حينها أن تأثير بيان محامده سيغدو أعظم؛ فالناس -بجملتهم- أشدّ إقبالًا على الاقتداء بالأسر العريقة في حكم أو علم أو مال أو نسب أو نسب أو غير ذلك. هذا الأمر يدعوني -ويدعو غيري- للكتابة الابتدائية عن أعيان، أو قراءة ما كتب عنهم، وتقديمه للآخرين مختصرًا؛ فذلكم من إحياء المآثر وأشخاصها الكرام.
من أجل هذا، أدون اليوم مقالًا عن كتاب عنوانه: نوف، تأليف نورة الشملان، صدرت طبعته الأولى عن دار كلمات للنشر والتوزيع عام (2026م)، ويقع في (308) صفحات، ويتكون من إهداء والتمهيد فخمسة فصول ثمّ ملحق بالصور. يحكي هذا الكتاب طرفًا من سيرة صاحبة السمو الملكي الأميرة نوف بنت الملك عبدالعزيز. أوردت المؤلفة أ.د.نورة بنت صالح العبدالمحسن الشملان في التمهيد قصة تأليف هذا الكتاب، وما صادفها من تحديات، مثل الاعتماد التام على الرواية الشفوية، واستكتاب ثلاثمئة شخص مع اشتراط اعتماد جوابهم على معلومات وتحاشي الكلام المرسل، فالكلام المرسل مشكلة تعاني منها الروايات عن سير الآخرين. وقد اضطرت المؤلفة لزيارة ثمان رفيقات للأميرة في عصر العشر الأخيرة من رمضان، بعد ورود شهادات أولادها وأحفادها وبقية معارفها وجيرانها ممن كتبوا أو استكتبوا، وخلاصة ما توافر لديها مسطور في هذا الكتاب.

ثم اختص الفصل الأول بنبذة تعريفية عن الأميرة نوف (1345-1436=1927-2015م)، منذ ولادتها حتى وفاتها، وفيه لمحة عن والديها، وإخوانها وأخواتها، وكذلك عن أولادها من بنين وبنات، إضافة للأحفاد والأسباط، وبعض أخبارها. وفي الفصل الثاني حكايات لطيفة عن علاقة المؤلفة بالأميرة، وهذا الفصلان ماتعان جدًا. وقد درست أ.د.الشملان السمات الشخصية للمترجمة بناء على الشهادات، وشرعت بربطها مع بعض الدراسات التربوية والنفسية والاجتماعية، وأفردت لهذا الأمر الفصل الثالث.
أما الفصل الرابع فحوى ماكتبه الآخرون عن الأميرة نثرًا، وفيه مئة مشاركة ومشاركة من أقاربها ومعارفها، ويلاحظ إجماع كثير منهم على بعض سماتها مع اختلاف طبيعة العلاقة ومداها الزمني، مما يدل على أنها سمات راسخة زادتها الأيام تجذرًا وطيبًا. ومن طريف ما لاحظته كثرة الأميرات اللواتي يحملن اسم نوف ضمن الشهود، ولهذه الملاحظة مناسبة لطيفة سوف ترد قريبًا. وقد جمعت المؤلفة في الفصل الخامس القصائد التي قيلت في نوف، ووضعت في الملحق صورًا لمقتنياتها وأماكنها وليس لشخصها؛ فالعربية العريقة، والمسلمة العفيفة، لا تبرز للناظرين دون سبب، وحين تبرز يكون بروزها في إهاب من الجلال والحشمة.

تعود نوف من جهة أمها إلى أسر شجاعة وإمارة في حائل وقبيلة شمر، فأمها فهدة بنت العاصي بن شريم، وجدتها مرزوقة آل علي، وهي -أي نوف- شقيقة للملك عبدالله، والأميرة صيتة، ولعلاقة هؤلاء الأشقاء قوة نظرًا لوفاة والدتهم مبكرًا، فعاشوا الطفولة معًا بلا ذكريات عن الأم الراحلة إلّا تلك التي نسجتها نوف لوالدتها بناء على ما سمعته من معاصريها، حتى أن أخاها عبدالله تعجب كيف تعرف نوف أمهما وهي أصغر منه! وكانت نوف شديدة الالتصاق بصيتة وعبدالله حال الصحة والمرض، وفي السفر والإقامة، حتى لفتوا النظر، وبإلفتهم ضرب المثل، حتى أن قبر نوف وعبدالله تجاورا مباشرة في مقبرة العود.
ومن لطيف ما في سيرتها أنها أول من حملت اسمها في الأسرة الملكية، ثمّ انتشر هذا الاسم بين الأميرات، وعدد منهن كتبهن عن أول نوف اميرة، وللأسماء بالمناسبة صلة مباشرة بالعراقة، وهي خصلة ظاهرة في أسماء الرجال والنساء عند الأسرة الملكية. ومن اللافت أيضًا أن والدتها -فهدة بنت شريم- أطلقت على ابنتها اسم نوف إعجابًا بجمال نوف الشعلان، التي أصبحت زوجة للملك عبدالعزيز، وأنجب منها أبناءه الأمراء: ثامر وممدوح ومشهور، ولا يسغرب هذا؛ فكل حاكم عريق يبحث عن الأصل والجمال، رحم الله الأموات، وحفظ الأحياء.

تزوجت نوف من ابن عمتها منيرة بنت عبدالرحمن الفيصل الأمير عبدالله بن محمد بن عبدالعزيز بن سعود بن فيصل بن تركي، وأنجبت منه عدة أبناء وبنات، اشتهروا بحبهم لها، وبرهم بها، خاصة ابنتها الأميرة عتاب التي واصلت مسيرة والدتها وفتحت مجلسها بعد وفاتها. ويبدو أن نوف التي فقدت الأم مبكرا قد استشعرت ثقل هذا الغياب فلازمتها الأمومة بما فيها من رحمة وحنان سواء مع ذريتها أم مع غيرهم، وكانت حفية بعائلتها واجتماعهم، بل إن تقديس الأسرة لديها دفعها لنصح بناتها وحفيداتها بحسن العشرة والصحبة مع الزوج، وما أحوجنا لهذا المعنى الدافئ في زمن كثر فيه التمرد والتفلت من قبل طرفي أقدس ميثاق وأغلظه!
كما امتازت نوف بالكرم والعطاء، حتى وصفها الأمير تركي بن عبدالله بن عبدالرحمن بأنها أميرة مانحة، فليست تمنح المال فحسب، وإنما تهب الحب والعطف والمعاني السامية، ولم تغفل في أعطياتها عن الأطفال والخدم ومن لا يؤبه لهم، ومن فرط تعلقها بالعطاء كثرة هداياها حتى أصبح كيس الهدايا منها مميزًا، ومن عجب أنها تقف عند باعة البطيخ وهي في طريقها من قصرها أو إليه، فتشتري كل ما معهم رحمة بوقوفهم تحت الشمس ورغبة في إكسابهم المال، ثم تهديه لمن يزورها أو تزوره، حتى أن بعضهم يحتفظ بصورته وهو طفل فوق كومة البطيخ!
ومما عرف عن نوف احتفائها بتراث بلادها وتقاليدها وأعرافها؛ ولذلك أحسنت تمثيل المجتمع والحكومة أمام الزائرات وضيفات الجنادرية والدولة، أو حينما تسافر وهي التي جابت جلّ أقطار الدنيا؛ فبهرت النساء بأدبها ولطفها وودادها ببسمة أو تقديم خدمة أو التأخر عنهن في دخول أو خروج. إن توقير المرء لركائز ثقافته، وأسس مجتمعه، وثوابت حضارته، لمئنة على عقله وحكمته، ودليل على عراقته ونبله، فتلك الرسوم الشوامخ، والذرى البواسق، لا ينتقصها إنسان عاقل، ولا يسوءها امرؤ كامل، ولا يرضى بهوانها غيور ماجد.
وقد اشتهرت نوف بالحرص على جودة الحياة، وحسن الأحدوثة، والتقاط موضع الطرفة متى ما ناسب. ففي طفولتها كانت هي المتحدثة أمام والدها الذي يسميه “أم الحلوم” لكثرة ما ترى في منامها، ومرة رأت في لندن سائقًا اسمه “ألف”، ومعلمة تدعى “ميا”؛ فاقترحت تزويجهما لجني الملايين. وعرف عنها أنها لا تحب اللون الأسود والبنفسجي، ومرة كتبت لها سائلة تطلب المعونة وأخطأت فكتبت اسمها “موف” فقالت نوف: والله ما أعطيها! لكنها أعطتها، ومن إبداعات المؤلفة أنها حللت ابتعاد الأميرة عن اللون الأسود لأنه قد يعبر عن الحزن والتشاؤم، ولم تقف على تحليل لموقفها من اللون البنفسجي، وإذا كان ما قرأته عن الألوان صحيحًا، ولم يلحقني نسيان، فربما أنها كرهت اللون البنفسجي لأنه يدل -أحيانًا- على التعاظم والغطرسة عند لابسيه.
كذلك يلفت النظر في هذه السيرة أن نوف تعرف رجال الدولة ،فحين التقت بالمؤلفة أول مرة، وعرفت أن زوجها هو الوزير د.سليمان السليم، وصفته بالنزيه الذي لا يسرق، وكررت الوصف مرة أخرى حينما رأت منزل الوزير منزلًا عاديًا في مساحته، وهذا يدل على أن المسؤولين معروفون داخل الأروقة حتى بمستوى الإنجاز والنزاهة. وفي السيرة وصف لرسوم بيوت الحكم والإمارة في الضيافة والسفر والمناسبات وغيرها، ومن طريف ما فيها أن بنات الأميرة الكبيرات يخاطبنها بعمتي نوف مجاراة لمن يعمل في القصر، ومن التوقير أن العاملين في القصر يخلع عليهم لقب “أهل بيتنا” استغناء عن ألفاظ الخدمة والتبعية وأمثالهما.
أيضًا مما ورد في الكتاب رباطة جأش الأميرة، فحين اضطربت الطائرة الخاصة وذعر جلّ من فيها لم تحرك ساكنًا، وعندما استفهم منها قالت ما معناه: لن اموت قبل يومي! وعندما تعجب من حولها من كثرة أعطياتها أخبرته بأنها لن تأخذ معها إلى القبر ريالًا واحدًا. ولها مع الأطفال مواقف تدل على تصاغرها لهم، وحرصها على إسعادهم بالهدايا والمسابقات، وترديد اناشيد لطيفة تحمل أسماءهم، علمًا أن لدى الأميرة سمة جلب السعادة حتى للكبار، ففي مجلس أخيها الملك عبدالله بروضة خريم تجري بعض المسابقات مثل الأفوال، وتضع مع الحلوى حكمًا لتقرأ، أو أرقامًا يفوز حاملها بهدية من مال أو عطر أو قماش، ومرة دعت أخواتها لمأدبة، وحين فتح الصحن الكبير تطايرت منه الدجاج مما صنع البهجة واستجلب الضحكات.
ومما سرني حب الأميرة البالغ للشاي، وتفننها بأصنافه، علمًا أن للأميرة خلطة عطر تحمل اسمها ومنحت امتيازها مجانًا لمتجر عطور، ولها كبسة مرتبطة باسمها لا ينسى مذاقها من طعم منها يومًا من الدهر. ومما لا يستبعد منها أنها ذهبت للمسجد النبوي، فوجدت أمامها امرأة لم تستطع الدخول بسبب طفلها، فتبرعت نوف بمسك الطفل لحين عودة أمه التي وضعت بعض المال في يد الأميرة، فقالت لها نوف: أنا أخت الملك خالد! فكادت المسكينة أن يغمى عليها. ومرة طلب إليها في الطائرة التنازل عن مقعدين من مقعد مرافقيها ليركب بدلًا عنهما وزيران من الأردن، فوافقت بترحيب وقالت: حتى أولادي يتخلون عن مقاعدهم لأجل وزراء الملك حسين.
هذه نوف الأميرة، كريمة الملك، أخت الملوك، الحريصة على الصلاة والطاعات، المنفقة للمال، المانحة للبهجة والبسمة، الساعية بالخير والشفاعة ونقل مطالبات الآخرين لأولي الأمر والقدرة. هي جامعة المحاسن، جميلة الروح، محبة النصر، المتابعة لجديد التقنية وما تسهل به الحياة، المقتنية للبهي والنفيس دون خيلاء. هي البعيدة عما يجرح الجليس أو يؤذي الرفيق، المغرمة بإهداء الآخرين، البارعة في استلال الحزن من نفوس جلاسها، وهي المحافظة على أذكارها، حتى أن الأطفال ربطوا بها رفع السبابة والتشهد بوحدانية الرب الإله، ونبوة محمد -عليه الصة والسلام-، والله يرحمها، ويبقى لها لسان الصدق ومآثر الفضيلة؛ فهي حقًا الأميرة في كل شيء!
الرياض- الجمعة 12 من شهرِ ذي الحجة عام 1447
29 من شهر مايو عام 2026م