سير وأعلام عرض كتاب

أهل نجد في أعلام الزركلي

الجزيرة العربية، ونجد الواقعة في وسطها، مكان خصب وإن كانت أراضيه صحراوية، وأمطاره قليلة، والمياه فيه شحيحة أحيانًا. نجد خصبة بتاريخها وشموخها، برجالاتها الذين ملؤوا التاريخ فكان منهم الشجعان والكرماء والحكماء والعلماء والشعراء والقادة الفرسان ورجال الدولة الأكابر. نحن نظلم نجدًا وأهلها إذا صدقنا ما يرميه بها وبهم الآخرون من صفات قد تصدق على فئات في أي تكوين بلداني؛ فأهل نجد الذين ارتحلوا إلى أصقاع الدنيا، وتداخلوا مع قوافل الحج والتجارة ورحلات الاستكشاف، وعرفوا الحب والحياة ليسوا نسيجًا مختلفًا عن باقي الناس، ففيهم مثل ما في غيرهم من محاسن ومآثر، ولا يسلم بشر البتة من مآخذ وعثرات.

أقول ذلك وبين يدي مصنف جديد عنوانه: النجديون في الأعلام، جمعها وعلق عليها عبدالعزيز بن صالح الدغيثر. يقع هذا الكتاب في (261) صفحة، وصدرت طبعته الأولى عن جداول للنشر والترجمة والتوزيع في منتصف عام (2026م) الذي يوافق نهايات عام (1447). يتكون كتابنا هذا من المقدمة، والتعريف بخير الدين الزركلي صاحب كتاب “الأعلام: قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين”. عقب ذلك شرع الباحث الدغيثر بنقل تراجم النجديين التي حصرها في هذا الكتاب، وعددها (162) ترجمة، ورتبها حسب الأبجدية التي اعتمدها الزركلي في كتابه، وهو كتاب من مفاخر المكتبة العربية خاصة في القرن الهجري الرابع عشر.

لم يكن هذا العمل العلمي وليد لحظة عابرة، فقد درج المؤلف في بيئة تعتني بالقراءة، والكتابة، وتحتفي بالعلم والتاريخ والتراجم، ومثل هذه البيئة تغدو منجبة خاصة إذا صادفت نباهة واهتمامًا، والتوفيق من الله، فما أكثر الصوارف نحو التوافه. ثم شرع المؤلف بكتابات سيرية، وتتبع مفيد في هذا الباب، حتى اقترح عليه د.عبدالعزيز بن عبدالملك آل الشيخ -نجل شقيق سماحة المفتي رحمهما الله- أن ينهض لهذا الجمع، ففعل وأجاد. إن المقترحات العلمية والتأليفية باب جدير بأن يشار إليه حفزًا للهمم، ومثله تأثير الصحبة والصداقة على الإنسان في هذا الأمر حقيق بأن يبرز تعظيمًا لقدر الصداقة العلمية، وإحياء لفضائل الصحبة الصالحة، وإشادة بثمار المذاكرة والمدارسة والحوارات النافعة.

ولأن الباحث لم يقنع بمجرد الاستلال فقد خدم مادة الكتاب بالإضافة عليها إن في المعلومات أو الصور أو المراجع، ميّز ما زاده عمّا كتبه الزركلي رعاية لأمانة العلم، واحتفاظًا بحقّ الزيادة والمسؤولية عنها، وهو منهج رشيد في أصناف التآليف؛ كي لا يكتفي الجامع بمجرد الجمع على أهميته أحيانًا. ومما لا يخفى أن مثل هذا الصنيع يفتح العين على تتبع الفوائد في كتب أخرى، فمن المؤكد أن كتب الرحلات، والسير، سيرد فيها مادة عن المكان وأهله، ولو جمعت ودرست بعناية لجاء منها مؤلف أو أكثر.

وقد وضع الباحث أ.عبدالعزيز الدغيثر قائمة بمصادره ومراجعه المتنوعة في آخر الكتاب، وهذه القوائم فيها معرفة ودلالة، ومن المهم للقارئ أن ينظر في مراجع أي كتاب كما يصنع في قراءة الفهرس والمقدمة والكشّاف؛ فالمراجع لها كلمة في الكتاب، وأي كلمة. وهذه المراجع من كتب ومقالات متخصصة بالتاريخ النجدي، وبعضها من المنشور القديم في المجلات، وربما تسعف باحثًا آخر، أو تلفت النظر لما غاب عن الأذهان.

مما كنت أتمناه أن يقتصر الكتاب على تراجم النجديين خلال القرون المتأخرة فقط، خاصة أن المؤلف أبان في مقدمته عن حقبة في التاريخ النجدي لم تستوف حقها من العناية مثلما ينبغي لها. وهذا المطلب يسانده أن الدغيثر حصر كتابه مكانيًا  بنجد لئلا يتشعب، فلو حدده زمانيًا لكان في ذلك وجاهة، خاصة أن لبعض القدماء المذكورين في هذا المستخلص مصادر ترجمة أخرى ربما تكون أوسع من الأعلام، وهي أسبق عليه وأهم لدى الباحثين، وفي كل خير. كذلك يمكن تصنيف أعلام هذه القائمة على تخصصات، وحقب، وأمكنة، كي يكون القارئ على بصيرة، ولأن الباحث رصين وبعيد عن التأكل من المسائل المثيرة التي تقرع لأجلها طبول الجهل، كان يمكنه أن يفسر لنا لماذا لم يرد في النجديين المعاصرين المترجمين في الأعلام أي امرأة؟

كما أن لفت النظر لفوات الأعلام في هذا الحيز الزماني والمكاني مفيد لإكمال درسها، فقد يتساءل المرء عن سر غياب أسماء نجدية كبيرة عن أعلام الزركلي، وهو يعرفهم وقد أفاد منهم في بعض كتبه ونصّ عليهم بالاسم، وهي أسماء لم يفرد عنها العلامة خير الدين كتابًا مستقلًا مثلما فعل في تأليفه عن الملك عبدالعزيز -رحمهما الله-. وهذا التنبيه لا يقصد منه لوم الزركلي، وإنما استحثاث لمزيد البحث، وقد تكون بعض هذه الشخصيات مضافة فيما جعل ملحقًا أو ذيلًا للأعلام، فهذه الموسوعة الخالدة في التراجم نالت من القبول، والتذييل عليها، والاستدراك، والاستلال، والدراسة، ما تستحقه ويستأهله مؤلفه.

أخيرًا أشير إلى ما ذكره المؤلف أ.الدغيثر في مقدمته بأن قيام الدولة السعودية قد جعل لهذه المنطقة من العالم أهمية في مجالات عدة، تتجاوز السياسة إلى شخصية المكان، وتراجم الإنسان، وتطور الحضارة والعمران. وأزيد فأقول: إن استقطاب الملك عبدالعزيز لعدد من الشخصيات العربية البارعة والمتميزة في مجالات عدة منها الكتابة والتأليف، قد كان من ركائز القوة الناعمة الداعمة لبلادنا، هذا غير خدماتهم في العمل السياسي، والإداري، والطبي، وهذه الملامح مناسبة لأن يعكف عليها الباحثون رصدًا وتحليلًا؛ فبعض القرارات حالية لكن نتائجها خالدة أو طويلة المدى، وكتاب الأعلام في التراجم مثال يثبت هذه الأهمية وذلكم الأثر.

ahmalassaf@

الرياض- السبت 12 من شهرِ الله المحرم عام 1448

27 من شهر يونيو عام 2026م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.