عزل عمر بن الخطاب سعد بن أبي وقاص عن الإمارة، وعزل خالد بن الوليد والمثنى بن حارثة عن قيادة الجيوش، فكتب إلى الأمصار: إني لم أعزل خالدًا عن سخطة ولا خيانة ولكن الناس فتنوا به فخفت أن يوكلوا إليه ويفتنوا به فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع! وعزل زياد بن أبيه عن الكتابة لولاته على البصرة، فقال له زياد: يا أمير المؤمنين أعن عجز أم عن خيانة صرفتني؟ فأجابه عمر: لا عن واحدة منهما ولكني أكره أن أحمل على العامة فضل عقلك.
هذه الوقائع تدل على أن نهاية الخدمة العامة في أي موقع مدني أو عسكري جزء من سلوك الدولة المعتاد، وقد لا يعني أي إساءة لأي طرف، والدليل أن الفاروق عزل سعدًا عن إمارة بلدة، ولكنه جعل سعد بن أبي وقاص واحدًا من الستة المرشحين للخلافة والإمامة العظمى بعده، رضي الله عن الجميع ورحمهم. ومن التطبيقات المعاصرة أن يُصرف ذو المنصب الكبير عن عمل، بيد أنه يوكل إليه عمل مهم آخر بُعيد عزله من عمله الأول.
أكتب ذلك تمهيدًا للحديث عن كيفية انتهاء العلاقة الوظيفية للوزراء مع مجلس الوزراء، وهي نهاية جاءت على عدة صور مثلما سيتبين. هذه النهاية لا تعني خاتمة المطاف للوزير؛ فبعضهم ابتدأ حياة جديدة بمجرد انتهاء عضويته، وأستحضر هنا قول ابن العميد: ما كنت أظن أنّ في الدّنيا حلاوة ألذّ من الوزارة التي أنا فيها حتى شاهدت مناظرة سليمان بن أحمد الطّبراني والجعابي، فقال الجعابي: عندي حديث ليس في الدنيا إلّا عندي: حدثنا أبو خليفة حدثنا سليمان بن أيوب وحدّث بالحديث فقال الطبراني: أنا سليمان بن أيوب! ومني سمع أبو خليفة فاسمع مني حتى يعلو إسنادك فإنّك تروي عن أبي خليفة عني! فخجل الجعابي من قوله وغلبه الطبراني، فوددتُ في مكاني أنّ الوزارة، والرئاسة ليتها لم تكن لي، وكنت الطبراني! ومثل هذا الشعور عبّر عن معناه بعض الوزراء عقب خروجهم من دائرة العمل الرسمي المجهد؛ ولذلك اعتذر بعضهم عن الرجوع إليه.
وعودًا لموضوعنا، فعقب تتبع الأوامر الملكية في صحيفة أم القرى، وما ورد في بعض الكتب والسير والحوارات، وجدت أن نهاية علاقة الوزير الوظيفية مع مجلس الوزراء الموقر جاءت على صورتين لا ثالث لهما، وتحت كل صورة عدة أنواع. هاتان الصورتان هما:
- الصورة الأولى: نهاية جماعية، وعدد وزراء هذه الصورة سبعة وسبعون وزيرًا.
- الصورة الثانية: نهاية فردية، وعدد وزراء هذه الصورة ستة وتسعون وزيرًا.
إن معرفة هذه الصور وما يندرج من أنواع تحتها مفيد في:
- فهم التاريخ الإداري للمملكة.
- ضبط الفروق بين المصطلحات كالاستقالة، والتكوين، والإعفاء، والفصل.
- الإفادة منها في الدراسات النظامية.
- إزالة كثير من التأويلات المنتشرة.
- زيادة الثقة المجتمعية بتوافر الكفاءات ورجال الدولة في بلادنا.
الصورة الأولى: النهاية الجماعية:
تتفرع عن هذه الصورة عدة أنواع هي:
- إعادة تكوين المجلس، وقد مر مجلس الوزراء بتكوينات لم تكن منتظمة أول الأمر، ثمّ أصبحت كل أربع سنوات منذ عام (1416=1995م)، وتوقف هذا الانتظام في عهد الملك عبدالله، لكن بُعث العمل به من جديد في عهد الملك سلمان. وقد سمعت مرة وزيرًا سابقًا يقول لمحاوره: لم ينته عملي بالإعفاء وإنما بصدور تكوين جديد، ومن هذا نفهم أن الخروج من بوابة التكوين الجديد أخف على النفوس فيما يبدو.
- استقالة رئيس مجلس الوزراء، ووقعت هذه الاستقالة مرة واحدة في شهر رجب عام 1380= ديسمبر عام 1960م.
- إقالة الملك لمجلس الوزراء، وحدث ذلك مرة واحدة في شهر جمادى الأولى عام 1382= أكتوبر عام 1962م.
- حل مجلس الوزراء، والمرة الوحيدة لهذا الحل كانت في شهر ربيع الأول عام 1416= أغسطس عام 1995م.
- صدور أوامر بإعفاء مجموعة من الوزراء في وقت واحد، ومن أجلاها ما أصدره الملك عبدالله من أوامر بهذا الخصوص في عامي 1430=2009م، و 1436=2014م، وهذا النوع يصدق عليه وصف الجماعية من وجه، ووصف الفردية من وجه آخر، وذهبت لاحتسابه ضمن الصورة الجماعية كونه أخف على النفوس.

الصورة الثانية: النهاية الفردية:
تتفرع عن هذه الصورة عدة أنواع هي:
- إسناد رئاسة المجلس لولي العهد بقرار فردي وليس ضمن تكوين جديد للمجلس كما أسند الملك سعود رئاسة المجلس لولي عهده الأمير فيصل في أواخر شهر ذي الحجة عام 1373= أواخر أغسطس عام 1954م.
- وفاة الوزير وهو على رأس العمل، وسبق أن أحصيت هذه الوفيات في مقال، وبلغ عددهم خمسة عشر راحلًا -رحم الله الجميع-، علمًا أن من توفي ثم تبعه صدور تكوين وزاري جديد وضعته ضمن الذين خرجوا بالتكوين، خلافًا لمن توفي ولم يحدث بعد وفاته مباشرة أي تكوين جديد.
- طلب بعض الوزراء الاستعفاء من المنصب لعدة أسباب مثل -والأمثلة ليست للحصر-:
- الرغبة في العمل الدبلوماسي مثل السفير محمد الشبيلي والشيخ جميل الحجيلان.
- حرص الوزير على التفرغ للعمل الخيري والعبادة مثل الشيخ صالح الحصين، ومن اللطيف أن بعض كبار المسؤولين أرادوا الاطمئنان على الشيخ بعد انتشار خبر طلبه؛ فقال لهم: كتبت لأسباب صحية ولم أكتب لأسباب مرضية، فأنا أريد الحفاظ على صحتي!
- طلب الوزير عملًا أقل تبعات إدارية من الوزارة مثل الشيخ إبراهيم العنقري الذي تبادل مع الملك فهد مكاتبات مميزة بهذا الخصوص.
- الحفاظ على ما تبقى من الصحة مثل الشيخ محمد عمر توفيق، ود.سليمان السليم، والشيخ محمد الفايز الذي استقبله الملك عبدالله استقبالًا خاصًا عقب نهاية خدمته.
- شعور الوزير بأنه أدى كل ما يقدر عليه مثل الشيخ حسين عرب، ود.محمد آل الشيخ.
- طلب الاستعفاء للتفرغ المهني أو التجاري مثل د.عبدالله العمران.
وقد جرى العرف الرسمي على التعامل مع هذه الطلبات إما بمحاولة ثني الوزير عن رغبته، أو الاستجابة الفورية للوزير تقديرًا لتاريخه وأسبابه، أو إرجاء الاستجابة كي يصبح الإعفاء داخلًا في أقرب تكوين وزاري جديد، أو مع صدور أوامر جماعية بإعفاء وتعيين، وربما أحيلت المسؤولية عن الوزارة التي استعفى وزيرها لوزير آخر بالتكليف.
- صدور أمر بإعفاء الوزير بناء على طلبه، والجملة الملحقة قد تكون واقعية، أو لتقدير المعفى وحفظ مكانته.
- صدور أمر بإعفاء الوزير دون الإشارة إلى طلبه، وهذا الإغفال ربما يشير إلى انتفاء الرضا عن الوزير المعفى.
- صدور أمر بإعفاء الوزير بناء على ما تقتضيه المصلحة العامة، ولم يتسن لي معرفة هل تكرر هذا الأمر أكثر من مرة أم أنه كان فريدًا.
- صدور أمر بإعفاء الوزير بناء على نظام محاكمة الوزراء في واقعة واحدة فقط فيما أعلم.

وإذا انتهت عضوية الوزير في مجلس الوزراء، يبدأ مسلسل التكهن والتحليل لأسباب هذه النهاية سواء أكانت فردية أم جماعية، وهي مع الفردية أكثر. ومن البديهي أن هذه الأسباب لا يعلمها أحد تمامًا مثل أسباب التعيين، وبالتالي فالخوض فيها مضيعة للوقت والجهد لا طائل من ورائها. هذه الآراء المتشعبة ليست محلية فقط، بل إقليمية ودولية لأهمية المملكة، وأهمية بعض الوزارات والوزراء، ومن ذلك الاهتمام بإعفاء وزيري البترول والثروة المعدنية الأول الشيخ عبدالله الطريقي، والثاني الشيخ أحمد زكي يماني، وإعفاء وزير الصحة د.غازي القصيبي، وإعفاء وزير الثقافة والإعلام د.عبدالعزيز خوجه الذي تزامن مع إغلاقه بعض القنوات الفضائية.
مما يناسب إيراده في هذا السياق أن بعض الوزراء بينوا في سيرهم المنشورة سياق نهاية خدمتهم الوزارية بصراحة وسماحة نفس، فمنهم من أسهب كالشيخ د.محمد عبده يماني، وهو إسهاب لافت جدًا، ومنهم من ذكر الأمر باختصار يزيد أو ينقص؛ وبناء عليه نجد أن إعفاء القصيبي سبقه نشر قصيدة سيّارة من المتنبي لسيف الدولة -ومن المفارقات أنه عاد للوزارة بعد قصيدة رثائية لفدائية-، ونرى أن إعفاء أ.د.علي النملة جاء بعد اتصال فيه تقدير وشكر، ووقع إعفاء أ.د.محمد الرشيد إبان مشاركته في مؤتمر بالكويت، وأعفي د.حمد المانع حين وصل إلى لندن لقضاء إجازة قصيرة.
ومن لطيف ما رواه الإعلامي د.بدر كريم في مقال منشور لا في سيرته المطبوعة، أنه قرأ في موجز الخامسة عصرًا من إذاعة الرياض نصّ الأمر الملكي بإعفاء وزير الصحة د.يوسف الهاجري، وبعد نهاية الموجز بهذا الخبر الوحيد أذيعت أغنية مجدولة مسبقًا تقول كلماتها: يا هاجري هو إيه اللي جرى؟!. ومما يجدر ذكره هنا أن ثلاثة عشر عضوًا خرجوا من المجلس ثم عادوا إليه، وغالبهم لم تطل مدة انقطاعهم باستثناء د.القصيبي الذي أمضى عقدين تقريبًا خارج المجلس قبل أن يرجع إليه مرة ثانية.

إن هذا المقال يكمل مع مقالين سابقين له بيان كيفية ابتداء العلاقة الوظيفية مع مجلس الوزراء الموقر، وكيفية انتهاء هذه العلاقة، مع إحصاء الأعداد لكل صورة في الدخول والخروج بدقة حسب الوسع، وهي جزء من مشروع تأليفي عسى أن يتم ويفيد. والله المسؤول أن يوفق الجميع لما فيه الخير والمنفعة، وأن يدخلهم مدخل صدق، ويخرجهم مخرج صدق، ويجعل لهم من لدنه وليًا ونصيرًا، فأي عون أعظم وأرفع من ولاية الله ونصرته؟!
الرياض- الاثنين 13 من شهرِ صفر عام 1448
27 من شهر يوليو عام 2026م