قراءة وكتابة

الكتابة تبدأ من الشجرة

أعسر من الكتابة، وأصعب من الصياغة، وأتعب من البحث عن مادة، هو أن تقع على موضوع مناسب تكتب فيه؛ ولأجل هذا يحسن البدء بكيفية صناعة الفكرة وتجويدها، قبل الشروع في أيّ برنامج في التدريب على الكتابة. وحسبما أذكر فقد نصّ على هذه الصعوبة الطنطاوي والعقاد وغيرهما من أكابر الكتّاب، وإذا كان الحال معهم كذلك، وهم من هم، فهو مع غيرهم من باب أولى.

ولم يترك ربنا الله القادر في الأرض مشكلة أو داء إلّا ووضع علاجًا للمشكلة، ودواءً للمرض، علمه من علمه، وجهل من جهله، والحمدلله على إحسانه. ومن رحم المشكلات تولد فرص سانحة، مثلما سنرى في علاج مشكلة تعسّر الحصول على موضوع يكتب فيه الكاتب، واستعصاء الكتابة عليه؛ حتى لا يشعر بالشح في الأفكار، والجدب في الذهن، فوجود الفكرة كفيل باستجلاب باقي تبعاتها في الكتابة وفي غيرها، وقد سمعت من تاجر عصامي كلمة خلاصتها أن مناط التجارة ليس في توافر رأس المال على ضرورته، وإنما في وجود فكرة تستحق الاستثمار والمغامرة، وتتاح لها فرص الربح والنماء.

عودًا إلى الكتابة وعالمها، فمن الأفكار الجميلة التي سمعتها من أحد المحاضرين -نسيت اسمه الآن وله الدعاء- فكرة اعتماد ما أسماه المحاضر “شجرة الأسرة الكتابية”، وقد ذكرها ضمن حديث عاجل له، فوقعت في نفسي موقعًا حسنًا، وظللت أرددها وأتحاور بها مع بعض زملاء الكتابة والمشاركين في برامجها التدريبية، حتى استبان لي ما يمكن اعتباره جسم هذه الشجرة الطيبة، وما تحتاج إليه مما يضمن لها النمو والإثمار، علمًا أن الفكرة بحدّ ذاتها مطبقة دون ارتباط باسم، وهذا التطبيق أفادني في القدرة على جمع مادة لعدة كتب عن موضوعات أكثرت البحث عنها، والكتابة فيها.

فمن مزايا شجرتنا المباركة أنها تكاد تحضر في كل موضوع، وربما تفرع الموضوع الواحد إلى عدة أشجار. ومن بركاتها أن أغصانها تتكاثر وتتفرع، وينضج ينعها، فتغدو قابلة للاستقلال في كتاب، وقد ينادي الكتاب الأول على أخيه فيعجل به، وهكذا. من حسناتها كذلك أنها تسوق صاحبها إلى التعمق في موضوع أو أكثر، حتى يصبح مرجعًا فيه، بل إن بعض هذه الشجر تمنح الكاتب مرتبة السبق، وصفة الأولية، ويا لها من شجرة مباركة تشبه الخرائط الذهنية، المخدومة حاليًا بتطبيقات وأدوات ويخلق ما لا تعلمون.

وكي ينتقل المقال إلى جانب تطبيقي، سوف نأخذ القلم مثالًا على هذه الشجرة الكتابية. يمكن الانطلاق من القلم وشجرته الكتابية إلى عدة موضوعات، وبعضها يحتاج إلى بحث عميق، لكن من المؤكد أن مادتها ستكون نافعة رائقة. في البداية سيبحث الكاتب عن تاريخ الكتابة قبل ظهور الأقلام، ثمّ يعرج على الأقلام وبداياتها، وانتقالها بين الحضارات، وربما تتبع أنواعها، وما وصلت إليه، وحكاية الأحبار، والأوراق، والطباعة.

ومن غير المستبعد أن تذهب هذه الشجرة بنا نحو أنواع الخطوط، وشكل الحروف، ودلالاتها، ولن يترك الكاتب مسألة مهمة هي الأقلام الناطقة والإلكترونية والذكية، وسوف يناقش مدى الحاجة إلى الأقلام، وفن الخط، وتعلّم الكتابة، مع وجود الأجهزة الحديثة وأدوات الذكاء الاصطناعي. أما أسعار الأقلام، وأصنافها، وعدد الأقلام مع كل إنسان، وما تضفيه من معنى على حامله، إضافة إلى الفروق بين ألوانها، واستخداماتها، فمادة ثرية جدًا، وفيها علوم، وظنون، وأخبار.

كما سيعرج الكاتب الفطن الموفق على القلم في النصوص المقدسة، وهي نصوص ظاهرة في القرآن والسنة، ولها ارتباط بالقراءة والعلم والبيان والقدر والحساب، وهي موضوعات جليلة مهمة. وقد يتوسع الكاتب الباحث إلى ذكر القلم في الشعر والحكمة العربية والأجنبية، وفي عناوين الكتب، وما روي عن الأقلام من طرائف ومواقف، وهي من المحفوظ والمروي شفاهة أو كتابة، ومن النفيس سرد ذكريات الكاتب مع القلم.

وسوف يتبين للحصيف أن هذه التفريعات تنقسم إلى حقول معرفية متعددة تحيط بموضوع واحد، فمنها اللغوي، والشرعي، والتاريخي، والجمالي، والفلسفي، والثقافي، والتقني، والتربوي، والمستقبلي، وسيرى الكاتب مجالات المعرفة المتباعدة وهي مترابطة متقاربة أمامه؛ كأنما نسجت من خيط واحد، وكلما اتسعت رؤية الكاتب لهذه الدوائر اتسعت قدرته على الكتابة والإبداع فيها.

هذه الشجرة الكتابية عن القلم مثال توضيحي غير مستقصى، ويمكن تكراره مع أي عنوان آخر وموضوع جديد، ومن تأمل بعض الأعمال الكتابية سيجدها نبعت من سؤال أو فكرة واحدة. ولإنشاء شجرة كتابية عملية، يختار الكاتب موضوعًا مركزيًا، ثم يضع حوله الفروع الكبرى، وبعد ذلك يتفرع من كل فرع أسئلة جزئية وأقسام أصغر، ثم يرتبها بحسب الأولوية، ومنزلتها في الشجرة، والقدرة على البحث، ويشرع بالكتابة التي تتوالى على هيئة حلقات سلسلة واحدة، وتصير فيما بعد مادة شبه جاهزة للجمع والتأليف.

إن الغاية المرادة من هذا المقال هي تقريب المسألة، وتسهيلها للكاتب والكاتبة، كي يبدأ من شاء منهم في صناعة شجرة كتابية واحدة له أو أكثر، ويجعلوا من أفكارهم أمهات منجبات، وسوف يكتشف الكتّاب أن صنعتهم الكتابية تبدأ من الشجرة وليس من الورقة! وسينعمون عقب ذلك بحماية هذه الشجرة لهم من “حبسة الكتابة”، ومن صمات البدايات، ورعب الورقة البيضاء الفارغة!

ahmalassaf@

الرياض- الخميس عاشوراء عام 1448

25 من شهر يونيو عام 2026م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.