كتابة سيرة الأشخاص والكيانات والمهن والمجتمعات فيها مصلحة معرفية، ومقدمات للوعي والتربية، ولها أبعاد مستقبلية، وهي أشمل من الحب أو الكراهية، لذلك استجبت حينما دعيت للحديث عن تجربتي مع كتابة السير في اثنينية أبناء عبدالرحمن بن ناصر الماجد -رحمه الله- بعد عشاء يوم الاثنين غرة شهر ذي الحجة عام 1447 = 18 من شهر مايو عام 2026م، وقد أدار اللقاء مالك نجل الشيخ خالد بن عبدالرحمن الماجد.

ومن الموافقات الجميلة في ذلك اليوم المبارك صدور إعلان رسمي بتكليف فضيلة إمام المسجد النبوي وخطيبه الشيخ د.علي بن عبدالرحمن الحذيفي ليكون خطيب الموسم بعرفة، وهي موافقة لطيفة لأني ممن كتب بإسهاب -نوعًا ما- عن خطباء عرفة في العهد السعودي، كما سبق لي الكتابة عن سيرة الشيخ علي الحذيفي، وفي ذلكم المقال تمنيت لو أصبح الشيخ الحافظ القارئ أحد خطباء عرفة!

إن السيرة الحقيقية ليست جمعًا لتواريخ، ولا حشدًا لأخبار، ولا حشوًا لمعلومات، وإنما محاولة لفهم الإنسان في زمانه، وربط أثره ببيئته، وفيها وصف المجتمع وتقاليده، وإبراز مكامن السمو والعراقة في البيئة ومكوناتها، وتحويل حياة صاحب السيرة إلى معنى يبقى حتى بعد رحيله عن الدنيا. وقبل أن أدلف للموضوع فمن المهم الإشارة إلى أن هذا المقال يحوي مادة ذلكم اللقاء وأزيد منها؛ فليس كل ما كتب هنا قد قيل هناك، وكلّ ما تحدثت به هناك غير مكتوب هنا لضرورات الاختصار والتنسيق ومقتضيات الكتابة فقط.
لماذا نحتاج إلى كتابة السير؟:
- هي جزء من التاريخ، وفيها مادة تكميلية تعين على شرح مجريات، وتفسير وقائع، وبيان سياق.
- حلقة متصلة بين أجيال مضت وأخرى موجودة وثالثة قادمة، وهكذا.
- إخبار الآخرين عن أعلامنا ومجتمعنا ومبادئنا.
- تصحيح المرويات، وجمع المتفرق منها، وإكمال بعض النواقص في سير وتواريخ.
- مزاحمة المحتوى الغث، واستثمار إقبال الناس على المواد السيرية خاصة في شهر رمضان والعيدين.
- المشاركة في حراسة الذاكرة، وإشاعة المبادئ، والثناء على العابرين بحميد الأثر مع الدعاء لهم بالرحمة، والاستكثار من القدوات ونبيل المعاني.
- تقديم نماذج في الكتابة السيرية الصادقة والصارمة، التي تبين الصواب والحسن حتى لو صمتت عما سواه دون أن تنفيه.
- زيادة فهم طبائع البشر والمجتمعات كي لا يصاب المرء بحيرة مما يجري له أو لغيره.
معايير اختيار الشخصيات:
- إبراز النماذج المحلية ثمّ الإقليمية والعالمية في مجالات مختلفة وأعصر متعاقبة ومن تكوينات اجتماعية متنوعة.
- وجود فائدة أو أكثر من السيرة، أو ميزة حقيقية يمكن أن يُقتدى بها حتى لو كانت الشخصية غير مرضية في شيء آخر، وهذا المعيار فيه سعة أفق، وتفسير لما قد يعترض عليه بعض المحبين من القراء، ومن هذا الباب يمكن الكتابة عن شخصيات نبغضها ديانة أو مواطنة مثل إبليس وفرعون وأبي جهل والدجال وغيرهم!
- التنوع في البلد والتخصص والعصر والطبقات الاجتماعية والوظيفية والاقتصادية، ومن طريف ما وقع لي أن اتصل بي رجل من بلدة صغيرة، وبعد السلام والثناء قال لي: لماذا تكتب عن أهل القصيم فقط؟! فشكرت تواصله وتلطفه في إبداء رأيه، ثمّ أوضحت له أني كتبت عن الناس من جلّ الجهات، ومنهم بضعة أشخاص من بلدته، فتفهم واعتذر بعد أن استبان له بأن التحيّز صفة لا يمكن أن تلاحقني، مع أن الكتابة عن جميع الأطياف عسيرة، ومن البديهي أن المرء يعرف محيطه أكثر ممن سواهم.
وقال لي رجل عاقل جمعني به مجلس طيب: لم لا تكتب إلّا عن الوجهاء والوزراء؟! فقلت له: كتبت عن عوام وأخفياء وأطفال ونساء ومصاب بمتلازمة داون وعامل بنغالي؛ فمادتي فيها عن المغمور وعن المشهور، ولكنك لا تقرأ إلّا ما ينشر عن سروات القوم وأكابرهم فسكت محرجًا من جوابي المسكت.
- التذكير بمن قد ينسى وتطويه الأيام لانقطاع نسله، أو قلة المكتوب عنه كالسيد عمر السقاف والشيخ فيصل الحجيلان، أو بسبب أحداث وقعت عليه.
- إكمال سلسلة سيرية، وتبرز أظهر ما يكون عند الكتابة عن أعلام من أسرة أو مجتمع أو حرفة، فيزداد الحرص على الحديث عن أكثرهم، ومن هذا الباب حرصت على الكتابة عن أعضاء هيئة كبار العلماء والقضاة قدر الإمكان.
- تعزيز جوانب مهمة ولي باع واهتمام بحثي حولها مثل العراقة ورجل الدولة وغيرها.
- التفاعل المباشر مع رحيل أشخاص أعرفهم بقرابة أو جوار أو صداقة أو زمالة، أو لهم فضل عام.
- توافر مادة جيدة ومناسبة للحديث عن الشخصيات، أو التركيز على ملمح أو تحليل لم يُسبق إليه فيما أعلم.
- التعريف ببعض الكتب الخاصة بالسير، أو كتابة تقديم لها.
مراحل البحث والتوثيق:
- الحديث مع صاحب السيرة مباشرة خاصة إذا كان متعاونًا، ومن لطيف ما حدث معي أني كنت أجمع معلومات عن رجل ذي مشاركات ثقافية مهمة، وحين عرف تواصل معي شاكرًا طالبًا إرجاء الكتابة إلى حين! ومرة اجتهد صديق عزيز لترتيب موعد مع معالي الشيخ عبدالعزيز الراشد قبل الكتابة عنه، ولم نتوافق على موعد ولو تمّ فربما تحفّظ الشيخ على الكتابة عنه لزهده. وفيما بعد قابلته لأول مرة في مناسبة غداء خاصة، وعند السلام كانت لغة عينيه فيها مزيج من الوداد وشيء من عتب الأكابر.
وقد أخبرني أحد مصادري في الكتابة عنه أن الشيخ عبدالعزيز اتصل به ولامه على إخباري بحكايات وقصص مع أني لم أذكر اسم الشاهد، لكن مروياته لا يعرفها غيره، وهذا الاتصال أدخل السرور على قلب الشاهد الذي باعدت مشاغل الحياة بينه وبين أبي وائل.
- سؤال القريبين والمحيطين بالمكتوب عنه من فئات شتى، وأذكر أني سألت رجلًا عن والده فلم ينشط للحديث استجابة لموقف أبيه الرافض للفكرة خشية نقص الأجر، وحين توفي والده بادر الابن البار من فوره للحديث معي وربطي بمن يعرفه.
وقد كتبت عن راحل بعد أن سألت عنه أكثر من أربعين إنسانًا، وبعد النشر أرسل لي قارئ ينتقد معلومة عن طريقة تعامل الراحل مع الناس؛ فقلت له: تواترت الرواية عنها من قبل أناس مختلفي المشارب والأعمار عاصروه خلال نصف قرن، وما حدث معك -إن كان دقيقًا- فهو موقف شاذ أو له ما يفسره مما لم تفصح عنه!
- القراءة فيما كتبه عن نفسه أو سطره غيره عنه، أو مشاهدة اللقاءات معه وقراءة حواراته الصحفية، وقد ترد الإشارة إليه في كتاب فاستلها وأطورها مثلما فعلت في الكتابة عن نورة الربيعي التي صحح لي حفيدها بعض المعلومات الواردة عنها في الكتاب الذي نقلت منه وأضاف بما أثرى مقالي، وكما صنعت مع سيرة باذخة في الحب والوفاء بين زوجين راحلين، أو في تتبع سيرة قانوني بعد قراءة ما جاء عنه في كتاب وثق سيرة أخيه.
- النظر فيما كتبه معاصروه وزملاؤه عنه في مقالات أو ضمن سيرهم، وفي سير الكيانات والمشروعات التي ارتبط بها، وفي أحداث الحقبة التي عاشها إذا كان فاعلًا مؤثرًا حينها.
التحديات في الكتابة السيرية:
- شح المصادر الموثقة، أو شدّ يد الضنانة عليها خاصة من الورثة.
- تردد أصحاب المرويات الشفهية، وامتناعهم عن التعاون، فبعضهم يعتذر بأنها أسرار عمل والحقيقة غير ذلك، أو يرفض الحديث لانسداد أفقه، أو لموقف يحمله تجاه الكاتب حتى لو لم يعرفه من قبل. ويدخل في هذا رحيل المعاصرين للشخصية وحفظة المرويات ضيقة الانتشار، و”بخل” بعض من سمعها منهم وأبى أن يعطيها لمن طلبها! إن التاريخ الشفهي مهم للغاية، ومن الواجب المسارعة لتوثيقه بالحفظ، ثم إتاحته للباحثين، وهذا التاريخ المكتنز في الصدور وذاكرة الكبار ثري للغاية، وهو أشبه بثروة إما أن تورث، أو تشابه الركاز المدفون تحت الأرض!
- التناقض في بعض الأخبار أو الغموض، وهذه تحتاج لميزان مهم كي لا يقع الكاتب في حرج علمي، وما أحراه بالتحرز من استخدام صيغة “أفعل” التفضيل مثل: أكبر، أكثر، أقدم،…، ومثل كتابة الأعداد مثل: أول حاصل على شهادة كذا، وأمثالها.
- نقص المعلومات المتاحة: ومن طريف ما حدث أني كتبت عن شخصية مباركة ومعروفة في إطارها المهني فقط، فاتصل بي من الغد رجلان: الأول لم أسأله من قبل وأضاف -مشكورًا- لي عدة معلومات بتواريخها، والثاني سبق أن زرته وسألته، والغريب أنه قال لي بعد اتصاله: يوجد معلومات ناقصة! فأجبته: أنا بين يديك: حدثني عنها الآن، أو اكتبها أو سجلها صوتيًا فلم يفعل مع أنه وعد بشيء من ذلك، وألمحت له إلى أني حين سألته كانت إجاباته مختصرة كأنه سيرسل برقية غالية الثمن! وسبحان الله فما أبطأ بعض هذا الناس في الإفادة، وما أسرعهم لما يظنونه نقدًا وهو زفرات نفس ليس إلّا!
- وقوع بعض المشاحنات داخل بعض الأسر والعوائل، وهذه مداخل نفسية تفسد كثيرًا من الأعمال، وتحرم صاحب السيرة من تخليد تاريخه. ومن أبرز تجليات هذا الأمر ما يقع في التأليف عن شخصيات راحلة، فيختلف ورثته في تقييم المادة، وربما سكت بعضهم وامتنع عن المشاركة في أي مرحلة، ولم يُسمع له صوت إلّا قبيل النهاية، وكان تدخله المتأخر عكرًا مربكًا. ومن اللافت أن بعض البنات أحرص -أحيانًا- على سيرة أبيها من إخوانها.
- الكتابة عن مغضوب عليه وأنت لا تعرف، أو عمن سيصبح غير مرغوب فيه وأنت لا تعلم الغيب، وبعضهم لم يسمع قط عن إحسان الظن فيفيض عليك منه ما يدفع عنك الملامة!
مقترحات عملية لمن يكتب في السير:
- من الضروري فهم طبيعة الزمان والمكان قبل الكتابة عن شخصية عاشت فيهما، فهذا الفهم يفسر كثيرًا من الأحداث.
- تطعيم الكتابة السيرية بلغة أدبية وسردية جميلة يضمن لها القراءة والذيوع شريطة البعد عن التكلّف؛ فبعض من يكتبون يغرق في التفنن، وجمع من القراء لا يستسيغ الجرعة الأدبية الزائدة.
- تحقق قدر الإمكان من الأخبار والمعلومات؛ فبعض الناس يتوغل في الافتراء! مرة اتصل بي أحدهم يزعم أن ما كتبته عن فلان -وهو من أقاربه- يخص والده، والحقيقة غير ذلك تمامًا.
- لا تزهد في أي معلومة وقيّدها من فورك ولا تحفظها في ذاكرتك فقط، وانسبها لراويها في أرشيفك فربما تعاود سؤاله عنها، ومما يناسب الاستشهاد به أني سألت رجلًا مسنًا عن شخصين من أعلامنا، فاعتذر بأنه كان طفلًا ولا يذكر عنهما أي شيء مهم، فطلبت منه رواية ما علق في ذهنه عنهما أيام الطفولة، وحين تحدث أورد قصصًا ذات مغزى حتى أنه سعد بطريقة معالجتها والاستناد إليها.
- اجمع ونقح ووثق وكن على استعداد لأي طارئ يستوجب النشر.
- تجنب الحرج ما وسعك ذلك إن في الشخصيات أو في مجريات حيواتها.
- احتسب عند الله إحياء تاريخ نبلاء وأخيار، وإحياء المعاني السامية، وتصحيح المرويات خاصة ما اشتهر منها وليس له من الصواب نصيب.
سبل المشاركة في توثيق السير:
- استثمار وسائل التواصل الاجتماعي للكتابة المختصرة أو الحديث الموجز عن الشخصيات.
- كتابة مقال أو أكثر عن شخصية أو عن كتاب يخصه.
- إلقاء محاضرة أو المشاركة في ندوة أو التعليق عليها.
- تقديم مادة مرئية أو مسموعة عن الشخصية أو الإسهام في هذا الباب ذي الجمهور العريض.
- المشاركة في تأليف كتاب عن شخصية أو شخصيات.
- تأليف كتاب خاص عن شخصية بطلب منها أو من ذي صلاحية أو تطوعًا.
- تحرير كتاب سيري قبل النشر، والمحرر المحترف شريك أمين.
- عضوية لجنة للإشراف على عمل سيري منذ بدايته، أو لتقييمه عقب نهايته، وأصل الأصول في هذه المشاركة الحياد والصدق ومراعاة أمانة العلم والتاريخ.
- التقييم الفردي لبعض الأعمال بناء على طلب كتّابها أو أصحاب الشأن.
أخطاء يقع فيها بعض كُتّاب السير:
- اختزال الشخصية -دون سبب وجيه- في المنصب أو في جانب واحد فقط.
- تحويل السيرة إلى رثاء صرف أو مديح خالص.
- الإغراق في التفاصيل الصغيرة. وتجاوز المهم
- الاعتماد على رواية واحدة. فقط مع القدرة على الاستزادة
- تجاهل السياق التاريخي والمكاني والبيئي.
- طغيان المحبة أو البغض على الموضوعية والحقائق.
- أن تكون الكتابة خالية من التفرد والارتباط بشخصيتها وبالتالي يمكن تكرارها مع أي شخصية أخرى لكثرة الكلام المرسل فيها، والكلام المرسل لا يسمن ولا يغني من جوع.

التعامل مع تفاعلات القراء:
من الطبيعي أن يصل للكاتب والمتحدث آراء مختلفة من القراء والمستمعين، والمفترض أن يستقبلها الكاتب ويفحصها ويستفيد من الصحيح منها، وعليه ألّا يستغرب من بعضها؛ فقد يتصل بكاتب السيرة من يطلب شفاعته لدى مسؤول كبير سبق أن كتب عن والده فيما مضى، ولن يصدق طالب الشفاعة أنك لا تعرف ذا المنصب البتة! وهذا الأمر وقع لي كما وقع غيره، مثل متصل يشكو الشخصية ذاتها، أو نجلها الأكبر وكأني محكمة مختصة!
كذلك فمن الحسن اتساع الصدر للنقد الموضوعي فما دونه، وحين يثق القراء بأنك تكتب للمعنى أكثر مما تكتب للأعيان فحينها ربما يقلّوا عليك من اللوم حتى لو كتبت عمن عليه مؤاخذات وسقطات، ما دام في الكتابة فوائد ومعالجات نافعة، وحسن مدخل ولطيف مخرج.
إن الكتابة عن السير والتراجم سنة قديمة مطروقة، وما أكثر الكتب الضخمة في مكتبتنا العربية التي أبدعت في مثل هذه الكتابة، وبعضها تعمق حتى في فنون أخرى مثل طبقات الشافعية الكبرى للسبكي، والأمر ذاته يقال مع مكتبات حضارات ولغات أخرى. المهم أن تستمر هذه السلسلة التي يكتب فيها لاحق عن سابق، أو يدون فيها الكاتب عمن يستحق، والأجدى أن يحمل النص بذور البقاء وأسباب الخلود، وأجدر مكتوب بهذه السمة من يحتفظ بالمعنى مبثوثًا في زوايا ما يكتبه، وبين السطور، وفي العنوان، وداخل القصص، إن بالتصريح أو بالتلميح، ففي كتابة التراجم إنقاذ للمعاني الشريفة من أن تطويها غوائل النسيان أو عوادي الزمان.
الرياض -الجمعة 24 من شهرِ صفر عام 1448
07 من شهر أغسطس عام 2026م