ورد في ترجمة الحسن بن الهيثم، أنه وعد الحاكمَ بأمر الله الفاطميّ بعمل عظيم في النيل، لم يُسبق إليه، ويعود بالنفع على مصر وأهلها. فلما استقدمه الحاكم، ووقف ابنُ الهيثم على ضفاف النهر، ورأى بأمّ عينيه آثار من سبقه من المهندسين، ووزن الفكرة بميزان الواقع لا بميزان الحماسة عن بعد، أدرك استحالة تنفيذ ما وعد به، فاعتذر إلى الحاكم، الذي أظهر قبول العذر وأضمر لابن الهيثم الشر، وأوكل إليه بعض الدواوين، فقَبِلها ابن الهيثم مضطرًا، ثم أظهر الجنون والخبل، ولزم بيته سنين طويلة، حتى تيقّن من موت الحاكم، فخرج من داره وأظهر عقله، واشتغل بالتصنيف حتى صار إلى ما صار إليه من عِلمٍ خالد وذكر باق.
إن من طبائع بعض الناس استسهال ما لم يعاينوه أو يعالجوه، ومنه عمل الغير، والمصاعب التي يعاني منها الطرف الآخر، وأوضح مثال على ذلك لو تقاسم الرجل وزوجه المسؤوليات في البيت؛ لجنّ جنون المسكين من متابعة الصغار التي استهان بها، وتلفت أعصاب الضعيفة من مراجعة الناس والتعامل معهم بعد أن توهمت فيه الحيوية والحرية، وهذا لا يقفل الباب أمام التجربة، وطرح الأفكار والمقترحات، وإبداء الآراء، وبيان أوجه القصور والنقد.
فهذا المقال لا يريد أن يمنح أحدًا صكّ غفران مطلق -وهو ما لا يملكه مخلوق-، ولا أن يسوّغ تقصيرًا واقعًا، فحقّ النقد والمساءلة ثابتٌ من الأساس، وهو جزء أصيل من المراقبة الإدارية والمجتمعية المشروعة، ومن صميم الأمانة التي أُنيطت بكل مكلّف. غير أن ثمة فرقًا دقيقًا بين نقدٍ يُصيب الهدف، ونقدٍ يُصيب الشخص وحده، وبين أن نحاسب على القرار، أو أن نحاسب على نتيجة لم يصنعها القرار فقط.
ذلك أنه من طبائع الاجتماع البشري أن يختزل بنو آدم المؤسسةَ الضخمة في إنسان واحد، ويفسروا القضايا الكبرى بسبب وحيد، مع أن حقيقة المسألة تدل على تشابك الخيوط، وتحيل إلى حزمة من الأسباب. وآمل أن تكون الصورة جليّة، فالمقصود ليس التنزيه ولا الحصانة المطلقة، وإنما التطرق للنقد المشروع بعد الإحاطة بجوانبه، وتناوله بعلم وإنصاف وأدب؛ كي لا تغدو ساحة الآراء مفتوحة بلا محترزات، أو مساحة مشرعة الأبواب دون مستوى من الأهلية بقدر معقول يتيح الخوض النافع.
فبين ليلة وضحاها، يتحول الوزير -أو المسؤول الكبير- من منقذٍ منتظر إلى متّهم بالتقصير، يُطالبه المجتمع بأن يحلّ تراكمات السنين الطويلة بجرّة قلم واحدة، والوزير، مهما أُوتي من همّة وبصيرة، لا يهبط على منصبه من فراغ؛ إنما يرث ملفات متشابكة، وأنظمة تكونت عبر عقود وفي بعضها قيود، وهياكل عمل قائمة، وثقافة راسخة تقاوم التغيير بطبيعتها، لا لسوء نية بالضرورة، ولكن لأن الجهاز الإداري الكبير يميل بفطرته إلى الاستقرار الحقيقي أو المتخيل. وأخيرًا فخلف كل قرار يُعلَن، طبقاتٌ من القيادات الوسطى والدنيا قد تُنجحه أو تُجهضه بصمت، من غير أن يظهر ذلك أبدًا على السطح الذي يراه الناس دون غوص بالعمق؛ وأذكر أن د.القصيبي كتب مرة كلمة معناها أن الموظف الصغير قد يكون أكبر تأثيرًا من الموظف الرفيع صاحب التوقيع!
وقد يتوهم كثيرون أن الوزير -أو صاحب المنصب- حاكمٌ بأمره في وزارته، وليس الأمر كذلك؛ فميزانيته تُقرّها وزارات أخرى، والتشريعات والأنظمة تمرّ عبر قنوات قانونية لا يملك وحده تعجيلها أو تعديلها، وتوظيف طواقمه محكوم إلى حدٍّ بعيد بأنظمة الخدمة المدنية والموارد البشرية. وكذلك تتشابك صلاحيات وزارته مع صلاحيات أجهزة حكومية أخرى، فتصبح بعض قراراته مشروطة بموافقات خارجة عن إرادته المباشرة، هذا غير توزيع مراكز القوى، وتضارب المصالح داخل الوزارة وخارجها.
وفي هذا كله لا نُسقط عن الوزير مسؤوليته في اختيار فريقه، ولا في متابعة ما يُوكله لغيره من مهام، ولا في استخدام الصلاحيات الممنوحة له، واستثمار مساندة القيادة له، لتحقيق الأهداف المنشودة، فهذا من صميم عمله، ومن الواجب عليه الإفادة من جميع ما ومن حوله من أجل النجاح في أعماله؛ لكننا نُذكّر بأن ضخامة بعض القطاعات، وامتدادها الجغرافي الواسع، يجعلان الرقابة المطلقة على كل تفصيل أمرًا يقارب الاستحالة، مهما بلغت همّة القائم عليها، فحجم القطاع مع تمدده يوجبان قدرًا من الإعذار والتفهم.
وهنا يحسن أن نميّز بين نوعين من النقد: نقد الأعراض، وهو الانشغال بمشكلة عابرة في خدمةٍ ما، ونقد المرض، وهو مساءلة النظام الإداري نفسه عن جذور الخلل. النقد الأول مشروع، لكنه لا يكفي وحده، وقد يصرف الجهد والعمر في شؤون أدنى؛ والنقد الثاني هو الأجدى، لأنه يبحث عن العلاج لا عن كبش الفداء، ويتوجه صوب أصل المشكلة، كي يعرّفها بوضوح، ويحدد أسبابها بدقة، ثم يشرع بالتصحيح بعد إمضاء زمن من التكيّف مع الواقع، وتسيير أعمال لا بدّ منها، مما يجعل العمل مقسمًا بين تسيير، وتكيّف، وتصحيح، ومعها استشراف لمستقبل آتٍ بيد أنه يحتاج لصبر ومصابرة وعون وطول نفس.
ولا بأس ولا ملامة على المجتمع حين يرفع سقف توقعاته فور تعيين أي وزير جديد، شريطة التيقن بأن التغيير الشامل لن يحدث بأمرٍ واحد، وأنه لا مناص من إدراك طبيعة الإصلاح البطيء المتدرج، وهي الحجة التي علمها الخليفة عمر بن عبدالعزيز لنجله عبدالملك حينما استعجل منه إقرار بعض الإصلاحات. وقد يكون المسؤول صاحب فكرٍ إستراتيجي فذّ، لكن أدوات التنفيذ الميدانية، من كفاءات بشرية وبنية نظامية وتقنية، واستعداد للقبول، ليست على قدر الفكرة، فتبقى الخطة الطموحة حبيسة الذهن أو الورق مدة من الزمن قبل أن تلامس الأرض.
ومما لا يخفى أن للوزير، خلف مكتبه، حياةً أخرى لا يشاهدها أحد: فعنده والدان قد يكونان في أمسّ الحاجة إليه، وهما في عمرٍ لا يحتمل التأجيل، ونحن مجتمع البر والصلة وخفض الجناح. ولديه عائلة -أو أكثر!- لها مطالبها، وذرية تستحق العناية والتربية، وصحة جسدية تُنهكها ساعات العمل الطويلة، وما يليها من متابعة لا تهدأ حتى بعد انتهاء الدوام الرسمي، وصحة نفسية يرهقها القلق الزائد وتوالي التفكير. وهذا ليس عذرًا يُساق للتستر على نقص إن وُجد، لكنه سياقٌ آدمي حقيق بأن يُستحضر قبل إطلاق الأحكام القاسية؛ فليس كل ما يُنسب إلى الوزير من صنعه، وليس كل ما يصنعه يُنسب إليه.
خلاصة القول إن لوم الوزير، بوصفه فرداً، مُسكّنٌ موضعي يُهدّئ من غضب لحظة، لكنه لا يعالج الداء. والمطلوب هو الانتقال من ثقافة محاكمة الأشخاص إلى ثقافة الحوكمة ومساءلة الجهاز نفسه عن تحقيق أهدافه ومؤشرات الأداء التي لا ترتبط بشخص مهما كان، فالوزير موظف عابرٌ ينتهي عمله يومًا ما، وإذا لم تتحسن البيئة الإدارية من حوله، فسيُلاقي من يخلفه اللومَ نفسه، وتتكرر القصة كما تكررت مع كثيرين قبله، وهذا الملمح الذي تفطنت له الحكومة في السنوات الأخيرة، وسعت لتفعيله بلا تراخ بالمؤشرات المحددة، وتفعيل أدوات تقييم الأداء رسميًا ومجتمعيًا، وهي ملامح بارزة في رؤية المملكة 2030.

وحين نقول: لا تلوموا معالي الوزير، فهذا لا يمنحه براءة تامة وينزع عنه المسؤولية حتى مع توافر البراءة الأصلية، ولا يحميه من حتمية المناقشة التي هي حقٌ ثابت للحكومة وللمجتمع؛ بل ندعو إلى تحويل الحوار من الاندفاع العاطفي إلى العقلانية الإدارية، فالنجاح والفشل في العمل الحكومي نتاج منظومة متكاملة، وثمرة تاريخ متراكم، وقبل أن تُوجَّه السهام إلى مكتب الوزير، يحسُن أن نرى صورة الواقع كما هو، مثلما صنع ابن الهيثم يوم وقف على ضفاف النيل، ووزن الوعد بميزان الواقع، فآثر الاعتذار والتراجع عن وعدٍ لا يملك وحده أسباب تحقيقه.
ومن لطيف ما سمعته أن لجنة حكومية عنيت بشؤون ومؤسسات حكومية، تراقبها وتناقشها وتحلل تقاريرها ونبض الواقع، وربما كانت شديدة في الحديث مع بعض المسؤولين عندما تدعوهم ضيوفًا للمباحثة وتقليب أوجه النظر، ثمّ شاء الله أن يحلو المنصب الأول في مؤسسة تتابعها اللجنة، وتكثر عليها اللوم، وأصبح عضو بارز في هذه اللجنة في ذلكم المنصب العالي، وبعد مدة دعا زملاءه أعضاء اللجنة، وقال لهم ما معناه: الله يحللنا من المسؤول السابق، وشرح لهم الوضع الذي رآه وواجهه كل صباح، فاستبان له ولهم أنهم كانوا في وادٍ والواقع في أودية أخرى! ومن طريف ما قرأته أن د.مصطفى محمود لم يقبل اقتراح السادات عليه بأن يتولى حقيبة وزارة الصحة؛ وعلّل الطبيب البصير اعتذاره بأنه لم ينجح في إدارة منزله وطلّق زوجته، فكيف يستطيع النجاح في قيادة وزارة ضخمة؟
إنه لمن الإنصاف العزيز ملاحظة أن الوزير -وأي ذي مسؤولية- يواجه يوميًا بمتابعة دقيقة من مرجعه الرسمي ومن مؤسسات حكومية معنية، وهو محاط بأنظمة رسمية محكمة للمراقبة والمحاكمة، فضلًا عن عيون إعلامية ومجتمعية ترمقه وتراقبه وتطالبه، وهي على حقّ في جلّ ما تريده وتنتظره منه، وهو مجتهد مع فريقه -غالبًا- ونصيبهم بين الأجر والأجرين. وفوق ذلك كله يفكر فيما بعد المنصب، وكيفية نهاية تاريخه الوظيفي، وهو شأن موجع بمجرد الخيال، وله وقع أشدّ حينما يقع، فتزول أكثر المغانم والمكاسب، وتبقى تبعات ونظرات وتلميحات ليس أقلها ما عبر عنه شاعر خبير بخفايا النفوس عندما قال:
وأحسن من نيل الوزارة للفتى *** حياةٌ تريه عزلَ الوزراء!
الرياض- الأحد 19 من شهرِ صفر عام 1448
02 من شهر أغسطس عام 2026م