من سعادة البلاد أن ترزق بمسؤولين حباهم الله عدة سمات تجعل الواحد منهم يحمل أكثر من صفة يحتاجها العمل في منصب عال من أعمال الخدمة العامة، تلك الخدمة التي يضطر الواقفون على رأسها أن يبرزوا للناس المستفيدين من أعمالها، ويظهرون للمجتمع المحيط، ولا يحتجبون عن الإعلام، وربما تحدثوا مع العالم الخارجي أحيانًا. هذا البروز يكشف بجلاء عن معادن أولئك المسؤولين، ويبين مواهبهم وقدراتهم، ويثبت أنهم علماء أفذاذ، ورجال دولة كبار، وقادة رأي وفرسان إدارة.
في بلادنا من هؤلاء المسؤولين نماذج لا ينقطع مددها والحمدلله، وجملة منهم ينتمون إلى المشايخ وحملة العلم الشرعي، وهي أسماء منيرة بتاريخها ومنجزاتها وسمتها، ومطمنئة برويتها وثباتها وأناتها وصدق نصحها. من هؤلاء معالي الشيخ د.راشد بن راجح بن محمد بن سلطان بن شرف العبدلي (1363-1448=1944-2026م) الذي وافته المنية يوم الأربعاء الماضي بعد سنوات أجهده فيها المرض، وبعد عمر انتهى دون أن تتبعه ذرية تبقي على الاسم والذكر، لكنه كان عمرًا حافلًا بالمكرمات التي نال بها في الحياة المعالي، والله يجعله منعمًا في برزخه، آمنًا يوم مبعثه، مسرورًا يوم الحساب.

امتاز الشيخ د.راشد بن راجح الشريف بانتمائه إلى بيت عريق في النسب، أصيل في الولاء، راسخ في النفع، صارم في الجدية، ولأجل ذلك لم يتوقف الشيخ أو ينقطع عن سيرة بيته ومنهج أسرته حتى مع تيتمه المبكر، وارتحل من بلدته “تربة” -التي يصر على نطقها الصحيح- إلى الطائف وأكمل تعليمه فيها، ولم يقتصر على التعليم النظامي إذ نهل من علوم المشايخ والعلماء في المساجد حتى حفظ القرآن الكريم، واغترف من علوم الشريعة واللغة والأدب ما وفقه الله إليه، حتى برع في فهم مقاصد الشريعة، وعذب لسانه بالعربية، والشيء من معدنه لا يستغرب.

وحين ابتعث للدراسة في جامعة بريطانية عريقة “كامبريدج”، لم يجد راحة في نفسه المؤمنة تجاه تلقي العلم الشرعي على يد أقوام ليسوا من أهل الملة والدين، فربما لبّسوا أو أساءوا في الفهم، فتحول منها للدراسات اللغوية. ولأنه نشأ على الجدية والنشاط وأخذ الكتاب بقوة، فقد قررت جامعته ومشرفه جعل رسالته للدكتوراه بدلًا من الماجستير، وهي طريقة معروفة فيها تقدير للعلم وأهله، واحتفاء بالرسائل العميقة جدًا، ولا يصدر هذا الاستثناء عن الإنجليز بسهولة.
ثمّ قفل شيخنا إلى بلاده وفي قلبه حب عميق يتعاظم لها ولكل ما يخصها، فهو الذي لم يعط الدنية في دينه، وحفظ نفسه في الغربة لأنه يمثل دياره وأناسه، وبعد عودته عمل مستصحبًا وقار العلم وضرورة الإتقان في الأداء، وصار أول مدير لجامعة أم القرى، فنهض بها نهضة تذكر ولا تنكر في كلياتها ومقرراتها ومبانيها وفروعها، وفي أساتذتها العلماء، وخدم طلابها أيما خدمة تربو على واجب المدير إلى قلب الأب وعقل العالم واستشراف الخبير، ولا غرو فهو الذي ذاق طعم العلم وطعم تحصيله، وعرف الطريق ومصاعبه.

وبذلك غدا الشيخ د.راشد جزءًا من سيرة جامعة أم القرى وعلامة في مسيرتها، وواحدًا من مديري الجامعات التاريخيين في بلادنا، ووضع اسمه الكريم جنبًا إلى جنب في هذه القائمة الباسقة مع سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز، ومعهم أصحاب المعالي أ.د.عبدالله التركي، ود.عبدالله نصيف، ود.محمد عبده يماني، ود.منصور التركي، ود.بكر بن عبدالله بكر، وأ.د.عبدالعزيز بن صقر الغامدي، ود.محمد العقلا، وغيرهم، وهم قدوات في العلم والحلم، ونماذج في التأسيس والارتقاء بالموجود، وأمثلة على حسن الإدارة وجودة المخرجات، ولذلك نالوا التكريم الرسمي والشعبي بالجوائز والأوسمة والندوات والمقالات وإطلاق أسمائهم على المعالم، وهذا ليس بكثير في حقهم.

ليس هذا شأن شيخنا العملي فقط؛ إذ خدم بلاده في عضوية مجلس الشورى، ونيابة رئيس مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، ورئاسة النادي الأدبي بمكة، هذا غير تخريج قيادات علمية وإدارية عملوا معه مباشرة، وإنجاز أعمال تعليمية وتنموية ومجتمعية في بلدته وفي الطائف التي تلقى فيها علومه بعد مرحلة الطفولة؛ فكان شيخنا شخصية جامعة تجسر الفجوة بين الفقه الأصيل، والإدارة التنموية، والثقافة الأدبية، والحوار الوطني الواعي. ومن حسناته الكبرى إبان إدارته لجامعة أم القرى استقطاب أسماء أعلام من البلاد العربية، وبعضهم قد لا يحمل شهادة عليا، بيد أن لديه من العلوم ما يعجز عنه بعض أصحاب الشهادات، وهذه الميزة الرفيعة تحسب لعدد من جامعاتنا.

ومما يلفت النظر أن إسناد مهمة نائب رئيس مركز الحوار الوطني له مع الشيخ صالح الحصين، يشير إلى رسوخهما العميق في العلم والحكمة، ومرونتهما القادرة على الفهم والإفهام والاستيعاب، وقوة الشخصية مع الهيبة التي تحول دون “مغالطة” عشعشت في أذهان متحجرة ترى المتدين مجرد “درويش متسلط”، ومن اقترب من أسماء في عيار شيخنا الراحل بذهن مفتوح منصف استبان له عظم تلك الفرية، وبعد هذه النظرة الاستعلائية عن الصواب بل عن محيط الصواب وحماه، فما أعظم سعة أفق العالم البصير، وفي بلادنا وتاريخنا تطبيقات تدل على ذلك دون أن تجعجع بالحرية وألفاظها التي لا تتجاوز عند بعض من يتغنى بها دائرة الكلام المنطوق أو المكتوب فقط!

ولعل إسناد مهمة نائب رئيس مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني إليه، إلى جانب الشيخ صالح الحصين، يكشف عن جانب آخر من شخصيته؛ فالحوار الوطني لا يحتاج إلى مجرد القدرة على الكلام، وإنما يحتاج إلى علم يضبط الموقف، وحكمة تستوعب الاختلاف، وقوة شخصية تمنع التنازل عن الثوابت، وسعة أفق تحول دون تحويل الاختلاف إلى خصومة، وهذه خصال لا تجتمع في إنسان واحد إلا بعد استعداد ومجاهدة وتوفيق من الله.

لقد كانت قيمة الشيخ د.راشد الراجح في تعدد أدواته؛ فلم يكن علمه منفصلًا عن إدارته، ولا لغته عن ثقافته، ولا ثقافته عن عمله العام، وربما احتج لقراره الإداري بواقعة قديمة أو حديثة من التاريخ، أو عقد المقارنة المقنعة، وغير ذلك، وهذه من أرفع صور الكفاءة؛ إذ لا تكون الفضيلة في امتلاك أداة واحدة فقط وإتقانها، وإنما في حسن جمع الأدوات التي تحتاج إليها المسؤولية؛ فالعالم إذا امتلك أدوات الإدارة أحسن تنزيل العلم على الواقع، والإداري إذا حاز ثقافة راسخة اتسع أفقه، والمثقف إذا حمل همًّا عامًا تجاوز الثقافة من كونها معرفة داخلية إلى كونها مسؤولية خارج الذات.
وللشيخ الشريف الراحل أدب نفس وسلوك كبير ظاهر عرفه وشهد به كل من عاشره وعاصره، ويمكن التقاط دقة أدبه من استخدامه ليده اليسرى إذا أراد مسح شيء من الوجه خلافًا لما يفعل جلّ الناس الذين يستخدمون اليمنى للمسح وغيره، لكن الشيخ يصنع ذلك بيسراه وليس بيمينه التي بها يصافح ويأكل وهي الأجدر بالبعد عن أي عمل يضطر له الإنسان إذا كان من باب إزالة نجاسة أو شيء غير محبب.

وقد مضى شيخنا إلى مولاه الرحيم، وله عدد متوافر من القصص والروايات والحكايات، وهي جزء من سيرته العذبة بما حوت من أحاديث لا تمل، فيها نبل ومروءة، وإدارة وقيادة، وحنان ورحمة، وعلم وأدب، وفصاحة ولغة وشعر، وضيافة وشفاعة، وكرم ونجدة، وما أجدرها بأن تجمع في كتاب، خاصة وقد أصبح بها راحلنا الكريم ميراثًا يتجاوز أسرته الطيبة منبتًا وجذورًا وفروعًا، ويتعدى بلدته وجوارها إلى بلادنا كلها، وتاريخنا، وسير النابهين الفضلاء، الذين سكنوا في القلوب واستولوا على الأفئدة، والتصقوا في الذاكرة، وحجزوا لهم الموقع السني مع أهل العلم، وأرباب الأدب، وحذاق المديرين، ومع رجال الدولة الذين بهم المناصب تزدان، وبأخبارهم تحلو المسامرة ويقوى الاستشهاد، وإنه من المهم دراسة الأسس التربوية والعلمية التي صنعت هؤلاء الأماجد كي نستكثر منهم لحاضرنا ومستقبلنا.
الرياض- ليلة الثلاثاء 28 من شهرِ صفر عام 1448
11 من شهر أغسطس عام 2026م
6 Comments
غفر الله له ..
وبارك في قلمكم ..
الذي يحفظ للراحلين ..
جميل الأثر .
آمين ولكم الشكر
أستاذنا ووالدنا رحمه الله رحمة واسعة وغفر له وآواه إلى جنة المأوى، كان رجلا جامعا لمكارم الأخلاق وذا وجاهة اجتماعية يبذلها لنفع الآخرين.
آمين وشكرا لكم البروفيسور العزيز
لافض فوك حفظك الباري ورحم الله راشد وأشهد أنه من أندر الرجال كرماً وإخلاصاً ونزاهةً.
مدير جامعة سابقا
اللهم آمين ولمعاليكم الشكر