سير وأعلام عرض كتاب

نورة بنت محمد: أميرة النموذج التنموي!

أمر حسن أن تذكر بالخير من يستحق الإشادة، بيد أن الأحسن هو أن تخبر القارئ والسامع عن أسباب هذا الثناء، وأجود منهما حين تحلل الشخصية ليتضح لمن يتابع كيف بلغت هذا الموضع العلّي الذي استوجبت به المدح، لكن الشأن كله هو أن تخبر قارئيك عن كيفية صناعة مثل هذا النموذج السَّني الذي نال من المحاسن والمحامد ما جعلت له أنوأرًا ساطعة لا تخفى، ولسان صدق عطر في الحاضرين، وعسى أن يكتب له الخلود في الآتين.

هذا هو ما أتمنى أن أنجح فيه مستعرضًا كتابًا عنوانه: عند الرهان، تعرف السوابق: الأميرة نورة بنت محمد بن سعود بن عبدالرحمن آل سعود، تأليف: عزيزة المانع، صدرت طبعته الأولى عام (2025م) عن دار مدارك للنشر. يقع الكتاب في (246) صفحة، ويتكون من شكر وتقدير فالمقدمة ثم تمهيد يتلوه خمسة فصول فالخاتمة ثم ملاحق بالأوسمة والشهادات التكريمية. والكتاب سيرة غيرية توثيقية لشخصية المترجمة، وللعمل التنموي، وليس سيرة ذاتية مثلما ورد في بطاقة التصنيف، وعنوان الكتاب لافت في دلالته وصورة غلافه الأمامي، وفي الفاصلة التي لم تعهد في أكثر العناوين الأساسية.

بدأ الفصل الأول للكتاب بحديث عن حياة الأميرة ونشأتها، وتحدث الفصل الثاني عن منطقة عسير التي انتقلت إليها الأميرة مع زوجها صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن بندر بن عبدالعزيز -وفقه الله- الذي عين نائبًا لأمير المنطقة عام (1398=1978م)، وبقيت فيها بضعة عشر عامًا حتى انتقلت مع زوجها الذي أسندت له إمارة منطقة القصيم عام (1412=1992م)، ومرحلة القصيم هي موضوع ثالث الفصول، وقد عاشت الأميرة فيها إلى أن أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -حفظه الله- أمره بتعيين الأمير فيصل أميرًا على منطقة الرياض عام (1436=2015م)، وأصبحت الرياض مادة الفصل الرابع. أما الفصل الخامس والأخير فهو شهادات مكتوبة عن الأميرة وإنجازاتها وعددها ثمانية عشر مقالًا مختلفة الحجم والأسلوب والعمق، ثمّ ختمت المؤلفة أ.د.عزيز المانع كتابها بخلاصة وصور لأوسمة وشهادات.

إن خدمة المجتمع، والنهوض بالعمل الأهلي، خطة رشد حصيفة تعتني بها الأسر الملكية في العالم عن طريق أفرادها ومؤسساتها، وكذلك العائلات التجارية عبر مؤسساتها وأفرادها، ومما يلفت النظر في مسيرة الأميرة أنها وجدت سندًا قويًا من زوجها، إذ أيدها ابتداء، ومحضها النصح والتوجيه، ثمّ تنازل عن جزء من حقه الشخصي والمنزلي لصالح مشروعها التنموي الذي سيقتطع من وقت زوجه وجهدها وتفكيرها، وعقب ذلك ساندها بالدعم المعنوي والمادي، ولم يذخر جهدًا يستطيعه لتذليل عقبة، أو تسهيل مهمة، أو تسخير قدرة، في صورة من التكامل الرشيد المبهج. وهذا لا ينقص من قيمة تنشئة والدتها الأميرة هيا بنت عبدالعزيز -رحمهما الله-، فنورة من بركاتها وآثارها الباقية.

كما يبدو واضحًا لمن يقرأ أن الأميرة حينما شرعت في عملها التنموي التطوعي في المناطق الثلاث، قد تسلّحت بالنفس الطويل، ولم تجنح لمصادمة شيء من الثوابت والتقاليد الصحيحة، بل حتى العوائد القابلة للتغير تعاملت معها برفق حتى تغلّبت عليها. ويتجلّى للناظر أن الأميرة الخيّرة كانت شغوفة بتراثها الوطني أينما حلّت؛ ولأجل ذلك صرفت قسمًا غير يسير من منجزاتها للحرف والموروث الشعبي، حتى أسست في القصيم كيانًا خاصًا بالحرف، هو جمعية حرفة التي اعترفت بها اليونسكو عام 2012م، ثمّ غدت المؤسسة التي انتقلت مع الأميرة للعاصمة مستشارًا لدى اليونسكو في التراث غير المادي عام 2024م، ومن براعة هذه الجمعية أن منتجاتها من أهم الهدايا المقدمة لضيوف إمارة مهمة وكبرى مثل إمارة مكة، وتلتحف الأميرة بمعطف يحمل شعار الجمعية في مجلسها، وهذا باب من العراقة يحتفى به.

ومما لا يغيب عن ملاحِظ التوازي في عمل الأميرة بين بناء الإنسان، وتأسيس الكيان، وشمولية أنشطتها التطوعية لجوانب عدة اقتصادية، واجتماعية، وتأهيلية، وثقافية، والتبرع بمكتبة تضم آلاف الكتب، مع إقامة برامج تدريبية مؤثرة وليست استعراضية، وملتقيات خيرية تخصصية، والمشاركة الفاعلة فيها بالحضور والإلقاء والتعليق، حتى أن بيتها غدا مقرًا لسكنى ضيفات المنطقة وخدمتهن، ومزارًا لذوات الحاجة، ومنتدى للفكر والثقافة، تطرح فيه الأفكار، وتناقش الموضوعات، وتبرز جهود المباركات من النساء في أي حقل يخدم الناس والمجتمع، كما صنعت في تأبين أستاذة اللغة أ.د.وسمية المنصور -رحمها الله-.

كذلك فإن للأميرة خصال في عملها التنموي، منها حرصها الصادق على مراعاة الثوابت والأعراف الصحيحة، وسعيها لأن تشاركها القادرات من نساء المنطقة وغيرهن، والتفاتها الحانية للجوانب الشخصية والنفسية سواء مع من حولها، أو حتى عند نساء فقيرات، أو لديهن أطفال  ذوي حاجات خاصة، أو لتلميذات مدارس هالهن أعمال إجرامية وقعت بالقرب من مدارسهن، ومن ذلك ما روي لي من تشجيعها للفتيات الخاتمات في حفلات جمعية مكنون لتحفيظ القرآن الكريم بالرياض بكلمات يسيرة بيد أنها تحمل دلالات طيبة محفزة، وغير ذلك من تفاصيل صغيرة لا يتنبه لها إلّا الموفق الفطن الذي يراعي الحال الظاهر، والحال الباطن.

هذا التاريخ التنموي الحافل لم يمنعها من أن تكون زوجًا ناجحة، وأمًا مربية، وحرصها على زوجها وبيتها وذريتها يعرفه كل من اقترب منها، بل إنها تصدق غيرها الرأي والنصيحة بأن البيت والأمومة لهما التقدمة على كل شيء؛ فمن يصنع الأجيال يشارك في كل ذرة من الوطن في حاضره ومستقبله، وتلك نظرة ناضجة قد يستعظمها من لم يجرب، أو من ابتلي بعجلة، أو سيطرة إطار فكري ضيق عليه، بينما تصنف الأميرة الأم والزوجة بأنها صاحبة مشاركة كبيرة في المسؤولية وخدمة المجتمع والتنمية الشاملة ولا تقدر بثمن!

وقد صنعت “نورة” من مسيرتها نموذجًا يتجاوز الصعاب الإدارية والمالية والمجتمعية بهدوء حصيف، وتدبير متقن، يبني عملًا مؤسسًيا لا يرتبط بأحد، ويترك مآثر حميدة قابلة للاقتداء، ويمهد الطريق لمزيد من الارتقاء. وقد عاشت أميرتنا ومضت ولها بصمات ثابتة على الأرض التي عبرت منها، وبصمات وبصمات في النفوس والعقول والقلوب التي تعاملت معها، وخلّفت آثارًا عملية مجتمعية قابلة للدراسة المثمرة بما ينفع الناس ويمكث في الأرض، وهذا كله لم ينتج من جهد سريع، أو عمل خاطف، أو بدعوى خالية من البرهان، بل أتى من سهر ومتابعة حثيثة، ومن تفكير ومشاورة واستعانة، ومن أعمال شاهدة شامخة، ومن حرص على الوطن ومواطنيه، ومن تقدير وتوقير للإنسان والمكان وثقافتهما.

ahmalassaf@

الرياض- ليلة السبت 13 من شهرِ ذي الحجة عام 1447

30 من شهر  مايو عام 2026م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.