لا زلت أذكر هذه المناسبات التي شهدتها وأنا فتى في المرحلة المتوسطة. المناسبة الأولى دعانا إليها ذات نهار جار وقور، واللافت أنها غداء لزواج ابنتيه، وقد كانت حفلة مباركة خالية من الكلفة السائدة في مناسبات الزواج. أما المناسبة الأخرى فأقامها أحد الأقارب لزواج نجله، وكانت سفرة الطعام مقتصدة لا مباهاة فيها، ويأخذ كل مدعو ما يكفيه من الأصناف المحدودة بلا سرف. ولست بناسٍ ثناء الناس على الطريقتين، وعلى جرأة الرجلين، لكن دون أن يجرؤ جلّ من ابتهج وشكر على تكرار التجربة!
أقول ذلك، ونحن نعاصر ونعاين استفحال مظاهر عديدة في حفلات الزواج، فيها من استنزاف الأوقات والجهود والأموال ما يحزن ذوي الألباب، وينهك الشباب والأسر وأولياء الأمور، ويعرقل زواج شباب وشابات، وأكثر مردّ هذه المظاهر المستحدثة إلى التقليد والمحاكاة التي زادت وسائل التواصل الاجتماعي من سعارها، وإلى مراعاة ما سيقوله الناس الذين يستحيل من الأساس نيل رضاهم، وكذلك طلب السلامة من ألسنة حداد جاهزة للقول الفاحش المسيء، وأهل هذه الخلة القبيحة لن يصمتوا سواء أكانت حفلة الزواج في قصر منيف أم في زاوية قصية، وإهمالهم أنجع علاج لهم.
هذه الصورة مع أخوات لها سابقات ولاحقات، تعدّ من أهم أسباب العنوسة والعزوبة، ونتيجتها ضارة بالأمن القومي؛ ولأجل ذلك أدركت كثير من دول العالم مخاطرها، وسعت بعضها جاهدة للقضاء على أسبابها، أو معالجة آثارها، وأيًا كان فإن الحكمة تقتضي قطع الطريق على نتائج غير مرغوبة صادفها كل من سلك هذا المسلك، بغية الحفاظ على مستوى مقبول من عدد المواليد السنوي، بما يضمن للمجتمع قوته وحيويته، وهذا هو المرتكز الذي استند عليه وزير الثقافة والإعلام الأسبق د.عبدالعزيز الخضيري عندما كتب قبل أسابيع مقالًا ذائع الصيت واسع الانتشار عنوانه: رسالة من المستقبل: حين يشيخ الوطن بصمت!
بناء على ذلك، ولأن حركة المجتمع تبدأ من فكرة ناجمة عن حاجة ملحة، قبل أن تصبح تطبيقًا عمليًا مشهودًا، فإنه لا مناص من تداول الرأي بخصوص حفلات الزواج المرهقة من جوانب عدة، حتى لو كان هذا التداول لا يرضي المنتفعين ماديًا أو معنويًا من البذخ البالغ، ولا يطرب له من يهيمون حبًا بالمظاهر والتفنن بالتميز والإتيان بما لم يسبق إليه أحد. ويجب ألّا تفتر همة المصلحين عن تحقيق هذا المطلوب السامي، حتى مع اليقين بأن تغيير الصورة كاملة ضرب من المستحيل، لأن تعديل السواد الأعظم ممكن، خاصة مع وجود رغبة صادقة بكسر هذه القيود والأغلال، والتحرر من تلك الأثقال، وذلكم الإصر، عند جمع من الآباء وبعض الأمهات ما فتئوا يتهامسون أو يعلنون عن رغبتهم في الاقتصاد والتعقل.

من الأفكار التي يمكن نشرها نظريًا وعمليًا:
- حصر دعوات الزواج في ذوي العروسين فقط من أقارب وأصدقاء لصيقين.
- الاعتماد على الإشهار بالوليمة المختصرة، والإعلان المجاني عن الاقتران.
- إقامة المناسبات في البيوت والساحات العامة، والتشارك فيها، وجعلها نهارية.
- اتفاق كبار الأسر والقبائل على نهج رشيد تسير عليه هذه المناسبات، تحقق المقصود الشرعي والاجتماعي، وتوجد الفرح والسرور للعروسين ووالديهما؛ بتخفيف الأحمال عنهم، وتركيز الجهود على الفرح الحقيقي بالمعنى دون الانهماك باستعراض أو محاولة استرضاء.
- السعي الحثيث لمنع أي إجراء يحدث منكرًا، أو يستوجب إنفاقاً غير مسوغ لأموالٍ حقُّها الحفظ والصرف فيما هو أولى، كي لا تغدو ليلة العمر ليلة العبء!
ومن الأفكار المهمة المؤثرة الصعبة، أن يتشجع الوجهاء والأثرياء والأسر العريقة لقيادة المجتمع في هذا الباب؛ ذلك أن العامة ومحدودي الدخل، ينقادون لما يقصم ظهورهم بسبب ما ينتشر ويتسامع به الناس عن حفلات ذوي المقدرة المالية والمنزلة المجتمعية، فيدخلون في نفق التقليد الموحش الطويل وهم ليسوا له أهل لأكثر من سبب. وإذا لم توفق هذه الطبقات إلى حفلات معقولة، فلا أقل من أن يكفوا عن المجتمع شرور التصوير والبث العلني لمجريات مناسباتهم، وهم بذلك محسنون لأنفسهم ولغيرهم؛ فإن “أعظم النكاح بركة أيسره مؤونة” كما صح بذلك الخبر.
إن التقاليد المجتمعية لا يمكن أن تفرض مباشرة في الغالب، بيد أنها قابلة للتهذيب عبر منصات التوجيه بشتى أصنافها، ومن خلال بعض التنظيمات والأنظمة، وقبل ذلك كله يمكن ترشيدها بالرجوع إلى أصل محكم كنصوص الشريعة وقواعدها ومقاصدها، ومراعاة المصالح والمفاسد جلبًا للأولى ودرءًا للأخرى. ومن شبه المؤكد أنها ستجري على سنن قويم ومنهج سديد حينما يصبح الرجال رجالًا، والنساء نساء، ولا يغادر أحد منهم مكانه لموضع ليس له، أو يقتحم ساحة غيره؛ في مسعى نبيل للتكامل والتعاون على حمل المسؤولية المجتمعية، والقيادة الآمنة للعائلة والأسرة التي تمثل اللبنة الأولى والأهم، والدرع الواقية المحصنة للمجتمع والمستقبل!
الرياض- السبت 26 من شهرِ الله المحرم عام 1448
11 من شهر يوليو عام 2026م
4 Comments
بارك الله فيك
مقال رائع وفي وقته في بداية موسم الزواجات
كتب الله أجرك واصلح شباب وشابات المسلمين والهم أولياء الأمور اتباع السنة في الزواج ولوازمه .
بارك الله لكم أبا عبدالكريم، والله يصلح أحوالنا كافة.
مرحبًا يا أستاذ أحمد.
هذه تدوينة مهمة، الاسراف في المناسبات، وفي الأفراح. يورث الديون، ويورث المشاكل بين الزوجين، ولا يؤدي لنفع.
ما أحوجنا لأفراح بسيطة، وغير مكلفة، تدوم بها المودة، وتحل بها البركة بإذن الله.
أهلا بكم يا معاذ: صدقت وبررت، والله يردنا للصواب الأنفع والأرشد.