سير وأعلام مواسم ومجتمع

دلائل على العراقة الأسرية

موضوع العراقة من الموضوعات المهمة؛ لأنه يشارك في حفظ الماضي، وتوجيه الحاضر، وصناعة المستقبل. هو مهم لارتباطه الوثيق بمجالات شتى علمية واجتماعية وتربوية واقتصادية وسياسية ودينية وغيرها. وهو مهم لتداخله مع مكونات ثقافة الأمة بما فيها من دين ولغة وتاريخ وآداب وتقاليد. وهو مهم لأن تغازر العراقة في المجتمع كفيلة برفع حس المسؤولية فيه، وهذا الارتفاع قمين بزيادة الأمن والسعة، والتكافل والتراحم، والجنوح للسلم والصلح.

وتخصيص حديثي عن العراقة الأسرية في ثلوثية الشيخ عبدالعزيز الحمدان يوم الثلاثاء 26 من شهر شوال عام 1447 له بواعثه الوجيهة؛ لأن ما يجري على الأسرة -وهي المؤسسة المجتمعية الأهم- يلقي بظلاله على جميع المكونات المحيطة بها؛ فعراقة الأسرة تؤدي لانتشار العراقة بين الأفراد بالاقتداء، ولإحياء العراقة في المجتمع بمؤسساته ولو من باب المنافسة، ولتوافر العراقة داخل كيانات الحكومة والأعمال الخاصة التي تقوم على أكتاف أناس من هذا المجتمع ومن فيه.

أما العراقة ذاتها فهي صفة رشاد، ونهج كمال، وطريقة حسنة متبعة. هي قديمة متوارثة، أو جديدة مكتسبة، تصبغ من التصق بها بعبقها حتى تحجزه عن المآثم وما لا يحسن من مثله فعله، وتحثه على المكارم وما به يليق. أحيانًا يعبر عن العراقة بكلمات أخرى مثل الأصالة، التليد، النبل، المجد.

تنبسط دلائل العراقة الأسرية على مدى واسع من علاقة الأسرة بالإنسان، والزمان، والمكان، والثقافة، وهو ما سنحاول الإشارة إليه الآن؛ علمًا أن الأمثلة للبيان وليست للحصر، وهي متوافرة في طول الكرة الأرضية وعرضها، وفي جلّ الأسر العريقة، فمن ذلك:

أولًا: عراقة الأسرة المتصلة بالإنسان:

يتمثل ذلك بمجموعة من الأعمال:

وجود مؤسسة الأسرة: تأخذ عدة أشكال، فربما أنها وقف، أو مؤسسة مانحة، أو صندوق عائلة، وفي هذه الكيانات قسم خاص للأسرة، أو قد تكون مؤسسة قائمة بذاتها لخدمة الأسرة وأفرادها وتطويرهم مثل كفاءات الماجد، واستثمار الأجيال عند أسرة الحمدان، ولبعض الأسر مؤسسات ثقافية عامة مثل مؤسسة عبدالرحمن السديري. وبعض الأسر جعلت من تجربتها المميزة وقفًا فاستضافت الآخرين ونقلت لهم خبراتها الباهرة مثل صندوق أسرة الزامل من عنيزة، وصندوق أسرة التويجري من بريدة. ولأسر الحمادى من الشقة في القصيم المتفرعة إلى خمس وعشرين أسرة منتشرة أعمال ابتكارية، وبعض ما سلف حقيق بأن يفرد له مقال خاص.

الحضور الدائم في مناسبات الأسرة خاصة من قبل ذوي المكانة والوجاهة؛ وقد عرف عن الشيخ صالح اللحيدان، والبروفيسور علي النملة، حرصهما على حضور المناسبات المرتبطة بأسرتيهما ومن اتصل بها.

الأقربون دائمًا أولى بالمعروف في الهدايا والهبات والصدقات والزكوات وتفريج الكربات، وفي البرامج التطويرية وحملات الحج والعمرة، واستخدام القاعات وإمكانات الأسرة وغيرها.

الاستمرار في الاجتماعات الدورية، سواء في الأعياد والمناسبات المعتادة، أو المجدولة للكافة أو لفئات من الأسرة مثل النساء أو الشباب أو الأطفال.

بناء مقر يحتضن لقاءات الأسرة وأنشطتها ومعايداتها، وهي كثيرة مثل مقر آل ملحم في الأحساء، ومقر أسرة العمران في الرياض، ومقر أسرة المشعل على طريق حريملاء، ومقر أسر الفراهيد، وأسر الدوشان “الثريا” في الزلفي، ومقر أسرة الحمدان في بنبان “الديوان”. ويوجد في الكويت دواوين ضخمة جدًا لعدد من الأسر مثل البابطين والغنام وغيرهما.

تنفيذ شجرة الأسرة وتطبيقها، والتفنن في ذلك تبعًا للتطورات التقنية وتوافر أدوات الذكاء الاصطناعي. من الأمثلة التي تحضرني تطبيق أسرة العيسى من شقراء، والشجرة الإلكترونية لأسرة التواجر في القصيم والمجمعة، وغيرهما. هذه الأعمال أتاحت لكل فرد إضافة ما يشاء من معلومات عنه، ومعرفة أفراد أسرته، وأنسابها، ومعلومات إحصائية كثيرة.

كتابة ميثاق للأسرة يضبط أمورها، والميثاق مهم للأسر التي تمتلك أصولًا مالية ضخمة، أو التي لها وجاهة ومكانة متوارثة على وجه الخصوص، وهو باب من العلم الذي تخصصت فيه شركات وخبراء. ومن أهم مواد الميثاق مسائل التخارج، وإدارة الخلاف، وغيرها.

تفعيل عميد الأسرة: عمادة الأسر ظاهرة جدًا لدى عدد كبير من الأسر في الحجاز والأحساء والشام ومصر وغيرها، وبدأت تزداد في عدة مناطق، ومن المهم أن تكون العمادة ذات قيمة وتأثير كي لا تغدو شكلًا جماليًا فقط.

ثقافة الكثرة: درجت عدة أسر منتشرة في بلدان خليجية وعربية على الاجتماع، مثل أسر آل بوعينين والخاطر، والصالح، والوزان، والجطيلي، والعجلان، والبسام، وغيرهم. كما حرصت أسر على التفاف فروعها تحت مظلة واحدة، مثل أسر آل مسند، وآل عطية، وغيرهما. من هذا الباب سعي عقلاء الأسر على انضواء الفروع كافة تحت اسم الأسرة الجامع لها، حتى أن مسؤولًا كبيرًا راحلًا سعى بدأب عند الأحوال المدنية كي يعيد بعض فروع أسرته إلى الاسم الأصلي لها، ونجح في مسعاه الحميد.

وسمعت من بعض الباحثين  معلومات عن الأسر التي تحمل اسمًا واحدًا وهي كبيرة العدد، فسألت أفرادًا منها لهم عناية من أجل التوثق؛ فأخبرني الأول أن تعداد أسرتهم تجاوز عشرين ألف إنسان حي، وأخبرني الآخر أنهم زادوا في آخر شجرة عن نصف هذا العدد، فاللهم احفظ وزد وبارك، واجعلهم نفعًا للبلاد وأهلها. والشيء بالشيء يذكر، فقد ولد لأسرة آل سعود العريقة، في سنوات متقاربة، أولاد من ثلاثة أجيال هم -حسب العمر- صغار ذرية الإمام عبدالرحمن الفيصل، وأواسط ذرية الملك عبدالعزيز، وأكبر ثلاثة من أحفاده.

توقير ذوي التجلة: في كل أسرة أسماء بارزة، والأسرة العريقة تكذب المقولة الشائعة بأن زامر الحي لا يطرب، أو أن أزهد الناس بعالم أهله. وقد حظيت أسماء لامعة بالتبجيل والتوقير من أسرها مثل: الشيخ العلامة ابن باز، والشيخ الفقيه ابن عثيمين، وخادم القرآن الشيخ الفريان، ورجل الدولة د.نصيف، والوزير الحصيف السيد السقاف، والشيخ الأديب ابن إدريس، والوزير القانوني د.النفيسة، والطبيب الرائد د.السويلم، والقاضي الفقيه المهنا، والسفير الرمز الشبيلي. ومما سمعته أن وفدًا من أسرة السليم والزامل جاء من عنيزة للسلام على ولاة الأمر قبل سنوات، وفيهم وزراء سابقون ورجال أعمال ورموز مجتمعية؛ بيد أنهم أصروا على تقديم المحافظ قبلهم؛ ليكون أمامهم في الدخول والسلام، ولم يوافق المحافظ على ذلك الإجراء إلّا بصعوبة تقديرًا لأكابر أسرته.

إبراز النابهين: من ذلك إقامة حفلات تكريم للمتفوقين والحفاظ وذوي المواهب، وإتاحة الفرصة لكل ذي منجز كي يعرف به. وما أكثر الجوائز فمنها جائزة خالد السديري في الغاط، وجائزة السلطان في تمير، وجائزة الجميح في شقراء، وجائزة بو خمسين في الأحساء، وجوائز المهيدب في عدة مناطق. وعند أسرة الحقيل من المجمعة مجلة فريدة تعيد نشر أبحاث أبنائها وبناتها التي نشرت في مجلات علمية محكمة.

ومما سمعته أن رجلًا رشح لمنصب فقال لمن تواصل معه: هذا المنصب يحتاج لمتخصص، وأقترح عليكم قريبي فلان ودونكم سيرته؛ فكان مثلما اقترح. إبراز النابهين في الأسر العريقة -وما أكثرهم- يقابله الحرص على خمول التافهين الذين قد تبتلى بهم العراقة.

الحرص على التعاقب: وهذا اكثر ما يكون في المهن والتجارة والحكم، ومن أشهر المهن والتجارات التي تتعاقب عليها الأسر الطوافة، والذهب، والعقار، حتى أن الأسماء تتشابه. وعندما أراد الشيخ عبدالله العثيم ترك تجارة أبيه في بيع الأرزاق والمواد الغذائية اتصل به ناصح من أصدقاء والده قائلًا: مهنة أبوك لا يغلبوك! وحين ساعد الوجيه أحمد السويلم ابنه عبدالعزيز على فتح متجر خاص له في الزبير نصحه قائلًا: اعمل في الأصناف نفسها، وتوارثت أسرة العبيد في جلاجل كتابة الوثائق منذ أربعة قرون.

ومن التعاقب العناية بالإمامة والآذان والخطابة وطلب العلم والقضاء، حتى انتشر في أسر مثل أسرة الخطيب مع مسجد الجبري في الأحساء وهم أئمته منذ ستمئة عام وأزيد، وأسرة المشعان وابن ماجد في الرياض الذين تعاقبوا مئة عام على الإمامة والأذان، وآل الرافعي قضاة مصر وفيهم أربعون قاضيًا، وآل الألوسي في العراق، وآل القاسمي والبيطار في الشام، وآل الشيخ في السعودية الذين استمر العلم والقضاء فيهم لأربعة قرون، ومنهم قضاة عشرة في نسق واحد، ويضاف لذلك عدد من أئمة الحرمين ومؤذنيه عبر تاريخهما الذي حفظه الشيخ ابن حميد في موسوعتين، علمًا أن التعاقب الديني جلي في الأسر الشيعية في العراق مثل آل كاشف الغطاء والحكيم والصدر وغيرهم.

البحث عن أحسن النسب: وهذه قديمة لابتغاء نجابة الولد، أو لمصالح اقتصادية، أو سياسية. مما يحفظه تاريخنا المحلي زواج الأمير جلوي بن تركي من مزنة المطرودي ثم بعد وفاتها من أختها رقيه، وإنجاب نجليه سعود وعبدالله منهما، والذي دعاه لهذه المصاهرة ما عرفه عن شجاعتهما وشجاعة أبيهما منصور المطرودي. من لطيف ما سمعته عن أحد أبناء الأسر الثرية أنه اشترط على أهله أن يبحثوا له عن زوجة متفوقة دراسيًا حتى لا يتعذب أولاده بالدراسة كما تعذب هو! والحمدلله أن نال ما أراد وأتمنى أن أولاده قد تجاوزوا عقبته الكؤؤد. من جليل الإشارة هنا التنبيه إلى تكرار المصاهرة بين آل سعود وأسر كبيرة من الحواضر والقبائل، حتى أن ثلاثة أجيال من الأسرة الملكية تعادلوا بالزواج من بنات رجل واحد هو الأمير أحمد “الثاني” السديري، وهم عبدالرحمن الفيصل، وابناه محمد وعبدالعزيز، وأربعة من أبناء الملك عبدالعزيز.

مصاحبة الأبناء والأجيال ومعايشتهم: مثل تدريبهم على رأس العمل في الشركات وغيرها، وابتعاثهم بالنيابة عن الكبير مثلما كان يصنع الملك عبدالعزيز مع أبنائه في الوفود والمفاوضات وأعمال السلم والحرب، ومنها إشراكهم المبكر في الاستقبالات والزيارات والعمل المجتمعي والرسمي وهي سمة مشهودة للملك سلمان -حفظه الله- مع أنجاله.

تعويد الأجيال على الرسوم والعادات: مثل توقير الكبراء أمامهم كي يقتدوا، ورأيت هذا بنفسي لدى أسر كثيرة، ومنه الالتزام بلبس المشلح في بعض المناسبات، وبزي لائق في بعضها الآخر، وتوكيل الأبناء بدعوة الضيوف واستقبالهم وتقريب الموائد إليهم.

الالتزام بمجالس الأسرة وديوانياتها حتى لو تعددت، وهذا ما تفعله أسرة الجبر بمجالسها في الأحساء والدمام، وهي عادة متوارثة من أوائلهم الذين يتعاهدون المجالس حتى لو سافروا، ويفوضون الحاضرين بإدارتها خلال غيابهم، ويتوجهون إليها مباشرة فور عودتهم إلى البلاد.

ثانيًا: عراقة الأسرة المتصلة مع الزمان:

حفظ التاريخ: بالترجمة لرموز من الأسرة كما  كتب د.عثمان العسكر عن الأمير عبدالله والموثق عقيل، وأيضًا كتاب أ.د.محمد التركي عن تاريخ عائلته، وكتاب الشاب عبدالرحمن العساكر عن جده الشيخ محمد. ومثل كتب صدرت أو سوف تصدر عن أسر الهويريني وآل شطا والسديس والباتلي والشاوي والبكري وغيرها. ومن هذا الباب مواقع للأسر مثل آل عبدالقادر من الأحساء، وموقع أسرة الكيالي في فلسطين وسورية، وموقع أسرة المعمر في العيينة وسدوس. ولبعض الأسر مجلات تضاهي المجلات العلمية في الانتظام والجودة مثل مجلة الصلة لأسرة آل تركي من حرمة.

صيانة الوثائق وإتاحتها للاطلاع والدراسة: وقد سارع كرام لنشر وثائقهم مثل د.عماد العتيقي من الكويت، وآل نصيف من جدة، وأ.إبراهيم اليحي من بريدة، ود.محمد التركي من حرمة، وغيرهم.

المبادرة للتسجيل الصوتي والمرئي: من أجل إبقاء الذكرى، وتعريف القادمين بمن سبق، مع أهمية التحرز، ومراعاة الضوابط الشرعية، والأعراف المرعية.

ثالثًا: عراقة الأسرة المتصلة مع المكان:

خدمة الوطن كله: بالخدمة العامة، أو عبر القطاع الخاص أو الأهلي، وهي خدمات مدنية وعسكرية، والمثلة على ذلك تعز على الحصر، وما أكثر توالي الأجيال العريقة في هذا الحقل. من الأمثلة التي تحضرني: أسر المتحمي وأبو ملحة في أبها، وأسرة المويشير والسهيان في الجوف، وأسرة الحكمي في جازان، وأسرة الخضيري في القصيم وسدير، وأسرة البراك في الأحساء، وأسرة الوردة في القريات، وأسرة العنقري في ثرمداء، وأسرة العلي والعرادي في الوجه، وأسرة أبو ساق في نجران، وأسرة مدني في المدينة، وأسرة نصيف بجدة، وأسرة نصر الله في القطيف، وأسرة الزعير بالدرعية، وأسرة السليم ببريدة، وأسرة القاضي من عنيزة، وأسرة آل سايح من عيون الجواء، وأسرة المارك من حائل، والأمثلة لا تحصى.

نفع موئل الأسرة ومسقط الرأس ومكان الكسب: وهذا ظاهرة في الأوقاف والوصايا التي تخصص قسمًا لبلدة الواقف والموصي، أو مسقط رأسه، أو مكان اكتسابه. من الأمثلة على ذلك المنافع التي قدمها الوزير ابن عدوان ورجل الأعمال ابن سلطان لبلدتهما حريملاء، ومآثر رجل الأعمال عبدالحميد شومان في الأردن، ومبادرات سعيد لوتاه في الإمارات، وأعمال الشيخ عبدالعزيز التويجري في المجمعة، وآل الجميح في شقراء، والمجدوعي في الباحة والشرقية، وإبداعات تجار الأسكندرية، وحرص العلماء اليهود على قضاء سنة في جامعات فلسطين المحتلَّة -إسرائيل- حتى تصدر أبحاثهم من تلك الجامعات فيرتفع تصنيفها.

تحاشي الإساءة للمكان سواء بعمل قبيح ينسب لأهل تلكم المحلة، أو بتضخيم أخطاء الشوارع والأحياء التي تقع -ولا بد- من قبل رعاع أو جهلة أو زمرة فساد.

دراسة المكان علميًا: وإشاعة علومه التاريخية والبلدانية والاقتصادية والياحية وغيرها، مثل تبني أسرة الخضير مؤلفات عن رياض الخبراء، وإصدار معالي أ.عبدالرحمن أبو حيميد عن عودة سدير، والكتاب الذي ألفه معالي أ.عبدالله الرشيد عن عيون الجواء، ولأبي قيس كتاب عن البير، وآخر عن نجد في الشعر العربي، وحصر الأديب الدبلوماسي خالد الخنين مفاتن نجد في الشعر العربي القديم، والأمثلة في هذا متوافرة. وقد حضرت قبل سنوات اجتماعًا لعدة أسر من إقليم المحمل، وغايتهم التي التأم شملهم لأجلها هي خدمة الإقليم وأناسه من كل جهة.

حماية الآثار ومنازل الأجداد، ومن النماذج البارزة المدن التراثية المعاد ترميمها وصيانتها ثم حمايتها في أشيقر ورجال ألمع وبلجرشي والعلا وعيون الجواء وحرمة وغيرها.

تشييد المعالم والمباني، مثل جوامع الراجحي في عدة مدن، وجامع المهيني شمال الرياض، والمراكز التأهيلية التي شيدها الفريق عبدالله البصيلي، والمراكز الصحية التي بناها آل المنقور في سدير، والأقسام الطبية دقيقة التخصص التي أنفق على إقامتها آل البابطين في عدة مناطق، ومثله مركز سعود البابطين للتراث بالرياض، ومركز الدبوس للقلب في الكويت، ومؤسسات ذوي الاحتياجات الخاصة على طراز عالمي في عنيزة، وكليات طلال أبو غزالة في الأردن، وغيرها.

رابعًا: عراقة الأسرة المتصلة مع الثقافة:

التعليم: والارتباط وثيق بين التعليم والعراقة من نواح عدّة، منها حضّ الأجيال حضًا على التعليم، وافتتاح المدارس والكليات والجامعات، وتقديم المنح للابتعاث، وتأسيس الجوائز للمتفوقين، ورعاية البرامج التدريبية المرموقة، وقلما توجد أسرة عريقة دون واحد على الأقل مما سلف.

التدريب على الخطابة والحديث العام: والخطابة واحد من علوم المناطقة، وفي إجادته قدرة على المواجهة، وبناء الحجة، وزيادة الفصاحة، وتعزيز الثقة، ولذا يوكل لهم إلقاء الكلمات، ويؤذن لحديثهم في المجالس، ويحفزون على المشاركة.

صيانة المجال العام أثناء الظهور العلني، أو في الحفلات، وإقامة المشروعات؛ فليس حسنًا أن يتمايل الرجال من أبناء الأسر العريقة بما يشبه رقص النساء، والإثم في مجاهرة العريق بالمآثم أعظم، ووقعه أنكى. ومن صيانة المجال العام محاصرة سبل افسراف والمباهاة، ويتأكد ذلك مع وجود وسائل التواصل التي تنقل الحدث مباشرة.

حفظ المكتبات الخاصة: يتأكد هذا مع كثرة “تخلّص” الورثة من كتب من رحل من مثقفيهم، مع أن وضعها في مقر الأسرة وإتاحتها أنسب وأنفع وأبقى للأجر والذكر، وأبعد من معرة “التملص بالتخلص”.

المرأة أصل وركن وأساس: فهي أصل أصيل من أصول الحفاظ على الثقافة -بمعناها الواسع- وعراقتها، وركن ركين في حياطة العراقة وثقافة الأسرة والمجتمع، فالحرة تأبى ان تكون سلعة يتاجر بها، أو جسرًا يعبر منها إلى باطل، أو ذريعة لنشر الشرور. إن المرأة أساس متين في كل ما مضى، وفي هذه العراقة الثقافية بوجه أخص.

أخيرًا:

لكل مجتمع عراقة، ومن أهم سمات عراقة المجتمعات وجود أسر عريقة، فحيثما جالت العيون في عالمنا العربي من الموصل إلى تطوان، ومن الأحواز إلى مكة، سوف نجد الأسر العريقة الشامخة. هي أسر لها آثار حميدة في تماسك المجتمعات، وقيادتها، وضمان التعاقب الرشيد، ومحاصرة المؤثرات السيئة، وإبقاء الرمزية والقدوة، ونماء رأسمال المجتمع من المبادئ الشريفة، ولهذا كله فمن الحصافة البالغة، والتوفيق الأكيد، أن يُعتنى بالعراقة وأسبابها وأركانها، ويفرح بأي عامل أو سبب يزيدها أو يقويها أو يحافظ عليها على الأقل.

ahmalassaf@

الرياض- الثلاثاء 26  من شهرِ شوال عام 1447

14 من شهر أبريل عام 2026م

 هذا نص محرر لما ألقيته في الثلوثية أثناء نزول الغيث المبارك الغزير.

Please follow and like us:

8 Comments

  1. قراءة ثرية ..
    تُعيد تعريف العراقة ..
    بوصفها سلوكًا ممتدًا ..
    لا مجرد ماضٍ يُروى ..
    بل ما يُبعث حيًّا في السلوك .

    طرحكم أضاء هذا المعنى بعمق ..
    وربط بين الأسرة ..
    والزمن والمكان والثقافة ..
    ربطًا يُشعر بأن العراقة ..
    قيمة تُورَّث وتُصان .

    طرحٌ يوقظ المعنى ..
    قبل أن يشرح الفكرة ..

    ويُشعر القارئ ..
    بأن العراقة ..
    مسؤولية تُعاش ..
    لا لقب يُحمل .

    نفع الله بكم ..
    وكتب لمثل هذه المعاني ..
    البقاء والامتداد .

  2. لقد لامس حديثكم جوهر المسؤولية الملقاة على عاتق الأسر العريقة، باعتبارها الحصن الحاضن للإرث؛ فالعراقة أصالةٌ تتجذر في الماضي لتورق فخراً ونهجاً نبيلاً يتجلى في شمائل الأبناء عبر الأجيال المتعاقبة.

    سلمت..
    بارك الله فيك؛ ونفع بعلمك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)