حرصت على تتبع موضوع العراقة في عدة تكوينات مجتمعية بشرية وغير بشرية، رسمية وشعبية، حديثة وقديمة، وكتبت في هذا الباب عدة مقالات بحثية مختصرة. بعد أول مقال نشرته في شهر ربيع الآخر عام 1440 = ديسمبر عام 2018م، وصلتني رسائل تطالب بالمزيد والتوسع، لذلك شرعت في النشر تباعًا، مع مواصلة البحث والحوار، ولا يزال في هذا المشروع بقية تحول دون اكتماله وجمعه معًا. ولم أغفل عن التقصي حول موضوع العراقة في الكتب والأبحاث والمحاضرات، حتى وقعت على هذا الكتاب اللطيف.
عنوانه: المناهل الرقراقة في مسألة العراقة، تأليف: فهد بن تركي بن مبارك العصيمي، صدرت الطبعة الأولى منه عام (شعبان 1441= أبريل 2020م)، ويقع في (151) صفحة مقسمة على عناوين. الكتاب عبارة عن فوائد التقطها المؤلف وهو يقرأ في كتب التراث، ومثل هذه القراءة الواعية المتبوعة بتقييد ولو لم تكن المقيدات هي أساس البحث أو المطلب من وراء القراءة، سيكون لها ثمار نافعة والأمثلة كثيرة، وهي حسنة تشكر لمن صنعها مثل مؤلفنا الذي كتب في موضوع خصب ومؤثر، والكتابة العربية فيه -حسب اطلاعي- نادرة، والمنحى الذي سلكه مبتكر فيما يبدو، ولله الفضل والمنة، وللمؤلف الثناء والعذر على ما قد يفوت؛ فالاستقصاء مستحيل وليس عسيرًا فقط.

بعد الحديث المختصر عن مفهوم العراقة المرتبط بالأصالة والقدم والتوارث، ابتدأ المؤلف كتابه -ونعم الابتداء- بأعرق الناس نسبًا، وهو الجناب الكريم -صلى الله عليه وسلم-، ثمّ أعرق الأنبياء وهو يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم -عليهم الصلاة والسلام-، ولهذه العراقة النسبية أدلة ثابتة من السنة الشريفة. وأعرق النساء نسبًا وزوجًا وولدًا هي فاطمة بنت النبي -عليه السلام-، فخديجة أمها، وزوجها علي، وولداها الحسن والحسين -رضوان الله عليهم جميعًا-. وربما فات بأن أختها أسماء لها خصيصة فريدة، فهي وأبواها -إن صح إسلام أمها-، وزوجها، وأخوها وأختها، وابنها وابن أخيها، وأم زوجها وزوج أبيها، كلهم من الصحابة رضي الله عنهم.
ثمّ تحدث عن العراقة في الصحبة، وروى وجود أربعة في نسق نسب واحد لهم صحبة، وهي من المسائل المختلف فيها، بيد أن المتفق هو أن أبابكر، وأبوه، وابنه عبدالرحمن، وحفيده محمد -رضوان الله عليهم- كلهم لهم صحبة، وقد جمع ابن حجر في الإصابة عشرة أمثلة تشابههم. ومن اللطائف الموفقة التي يضيفها المؤلف تحت كل عنوان أن تسعة إخوة من بني الحارث بن قيس السهمي أسلموا وهاجروا وصحبوا واستشهد منهم سبعة، وأن سبعة من بني حارثة بن سعيد الأسلمي شهدوا بيعة الرضوان بالحديبية ولهم صحبة، وشارك سبعة أبناء لعفراء بنت عبيد الأنصارية في معركة بدر مع الرسول-عليه السلام-، وهذه خصيصة لها، رضي الله عن الجميع.
ومن العراقة في العلم أورد خبر بيت آل حماد بن زيد، الذين توارثوا حمل العلم بحقّ وأهلية من لدن جدهم الإمام حماد بن زيد، وأصبحوا من أجلّ بيوت العلم في العراق لثلاثة قرون. ومثلهم بنو مندة الذين بقيت فيهم الرواية أربعة قرون تقريبًا وأفرد لهم الذهبي تأليفًا، و بنو الألوسي في العراق، وبيت الفاسي أيضًا. ومن المعاصرين الذين يمكن إضافتهم بيت آل الشيخ في السعودية خلال أربعة قرون، وبيت الرافعي في مصر وفيهم أربعون قاضيًا. وأورد المؤلف عدة أسماء روت العلم أو صنفت فيه أو شاركوا في الإقراء والحديث، ولهم في ذلك نسق متصل بآباء وأجداد يتجاوز العشرة أحيانًا، ولبعضهم هذه المزية الجليلة لكن مع إخوته وليس مع آبائه. من النماذج المعاصرة صدّيق بن محمود بن صدّيق المنشاوي، وكلهم مقرؤون معروفون من مصر المشهورة بأصوات قرآنية تعانق السماء.
كما حصر المؤلف من لهم عراقة متوارثة في التفسير ورواية الحديث والعدالة فيه، ولم يغب عنه التنبيه إلى توارث الضعف والرمي بالكذب -عياذًا بالله- حتى قيل عن بعضهم: كذاب ابن كذاب! ليس لهم حديث مستقيم! كلهم ضعفاء! أهل بيت يتوارثون الضعف قرنًا بعد قرن! متروك هو وأبوه وجده! وفلان وأبناؤه وأحفاده كلهم ضعفاء! كلهم ليس حديثهم بشيء! وهو وأبوه وجده مجاهيل! ومن هذه البابة أني سمعت مرة متحدثًا فصيحًا يذكر أحد المعاصرين بإحدى البلاد فقال: يروي الخيانة بسند صحيح متصل عن أبيه عن جده!
وفي الأسانيد عراقة لاجتماع بعض الصحابة فيها، أو الأئمة، أو المؤذنين، أو الإخوة، أو علماء اللغة، أو الشعراء، أو الخلفاء،، ونصّ المؤلف على حديث “من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار”؛ إذ رواه ثمانية وتسعون صحابيًا عن النبي -عليه السلام- منهم العشرة المبشرون بالجنة -رضي الله عن الجميع-، ولا يُعرف ذلك لغيره. ولبعض المؤلفين كتاب حصر فيه من روى هو وأبوه وجده، أو من روى هو وولده وولد ولده، أو من روى عن أبيه عن جده.
كذلك في العلوم عراقة لم تغب عن هذا الكتاب اللطيف، مثل العراقة في الفقه والرأي والنسب كابن السائب وآله، والنحو مثل القفطي فهو وأباؤه من كبار النحاة. وفي البلاغة والخطابة بلاغة حتى أصبح بنو صوحان كلهم خطباء. ولم تختف العراقة من عالم الشعر؛ فحسان بن ثابت- رضي الله عنه- وابنه وجملة من أحفاده وأحفاد ابنه شعراء. وكان الكميت شاعرًا ابن شاعرين، وله أخ وابن عرفا بالشعر. وقال ابن رشيق القيرواني: أكثر بيت أبي حفصة شعراء رجالًا ونساءً.
من لطائف هذا الباب أن أعرق النساء في الشعر من جهة الأمهات هي الشاعرة نازك الملائكة، وأمها الشاعرة سليمة الملائكة، وجدتها الشاعرة هداية كبة. وأضيف بالقياس أن أعرق النساء في الكتابة هي الكاتبة د.فوزية أبو خالد، وابنتها الكاتبة طفول العقبي، ووالدتها الكاتبة الشريفة نور الهاشمي. والشيء بالشيء يذكر؛ إذ نقل المؤلف عن محمد بن سلام -ولا ينبئك مثل خبير- حكاية امرأة شبب بها شاعر، وبأمها وبجدتها شاعر آخر، ومما أذكره في سيرة رجل معاصر راحل، أنه تعشّق امرأة ولم يتزوجها، ثمّ عشق ابنه ابنتها، وهام جملة من أحفاده بحفيداتها!
ومن لافت ما نقله المؤلف عن ابن رشيق قوله: ليس من بني عبدالمطلب -رجالًا ونساءً- من لم يقل الشعر حاشا النبي صلى الله عليه وسلم. ومن النوادر أن عشرة من بني أُبي بن مقبل كلهم شعراء، ومثلهم عشرة من بني مرة القردي من هذيل، كلهم شعراء، ونسبوا لأمهم واشتهروا ببني لبنى. ومن أعرق الناس بالرجز عقبة بن رؤبة بن العجاج التميمي، وقيل بأن والد العجاج راجز أيضًا واسمه رؤبة. للعجاج وابنه رؤبة ديوان رجز، وشعرهما مستشهد به في تفسير القرآن العظيم.
وللكتابة عراقة وأي عراقة، لارتباطها ببلاط الحكم خاصة في القديم، ولا زال الوزير في بعض أقطار المغرب العربي يوصف بالكاتب. مما جاء في الكتاب أن الحسن بن وهب وأجداده كلهم كتبة في الدولتين الأموية والعباسية، وابن الأنباري كاتب هو وأبوه وجده. وقال ابن الأبّار عن ابن المُرخي: هو وأبوه وجده في الطبقة العالية من الكتابة. ومن دقيق ما جمعه المؤلف العراقة في تحشية الكتب، فللحُضيكي وأبيه وجده حاشية -لكل واحد منهم- على صحيح البخاري، ونعما اختاروا. وللمعلم أحمد التستري حاشية على مغني اللبيب لابن هشام، ولأبيه وجده وجده الأعلى حاشية على الكتاب ذاته. وفي حفظ سير الآباء وتراجمهم عراقة، منها أن ألّف ظافر بن جمال الدين بن محمد سعيد القاسمي كتابًا في سيرة والده جمال الذي كتب عن الجد محمد وهو الذي سبقهم بالكتابة عن أبيه قاسم، ومن العجيب أن ظافرًا لم يشاهد والده لوفاته المبكرة جدًا. يوجد حول هذا الموضوع العبق بالوفاء والبر عدة كتب رصدت من بر أباه بالتأليف، ومن كتب في سيرة أبيه، واتحاف النبيه وهو للمؤلف البحاثة.
أما العراقة في الخلافة والملك فذكر منها المؤلف ستة خلفاء في نسق واحد بدولة بني العباس وبني أمية في الأندلس، والشيء الذي أعرفه أن الخليفة العباسي الثاني المنصور، والثامن المعتصم، كل واحد منهم أب أو جدٌّ لمن جاء بعده من بقية خلفاء بني العباس السبعة والثلاثين. ومن اللطائف أن يزيد الناقص هو أعرق الناس في الخلافة والملك من طرفيه كما قال الثعالبي، فهو نجل الوليد بن عبدالملك بن مروان، وأمه حفيدة يزدجر، وجدته حفيدة كسرى، وأم جده ابن اكسرى بنت خاقان ملك الترك، وأم هذه الجدة بنت قيصر الروم.
وولي ثمانية إخوة من بني الملك الناصر محمد بن المنصور سلطنة دولة المماليك البحرية في مصر والشام خلال ثلاثة عشر عامًا. وتولى خمسة من أبناء المتوكل الخلافة، وفي عصرنا بويع بالملك على المملكة العربية السعودية ستة من أبناء الملك عبدالعزيز هم الملوك سعود وفيصل وخالد وفهد وعبدالله وسلمان، وللدولة السعودية وأسرتها الحاكمة جملة وافرة من صنوف العراقة سبق إفرادها في مقال خاص. وقد حاز عدة أبناء وأحفاد للقائد العظيم قتيبة بن مسلم الباهلي الإمارة من بعده، وهو الذي أسندت إليه الإمارة بعد والده، فهي عراقة متسلسلة. وفي إمارة مكة عراقة خاصة إذ تولاها بضعة عشر أميرًا في نسق واحد، وتكررت هذه المزية أكثر من مرة، ومثلها في المدينة النبوية، وأي نعمة يصيبها المرء المحسن حينما يقوم بأمانة هاتين البقعتين الطاهرتين خير قيام!
وفي الوزارة عراقة جعلت البعض وزيرًا ابن وزير ابن وزير، وفي مجلس الوزراء السعودي وزراء أبناء وزراء وربما يدرك بعضهم جيل ثالث في المستقبل -هذا غير الأمراء الوزراء-. وللرئاسة عراقة إن في الجاهلية أو الإسلام، فقد تداول الرئاسة في قريش أربعة على نسق واحد هم عبدالمطلب بن هاشم بن عبدمناف بن قصي. وعند القضاة عراقة بالتعاقب داخل نسق واحد، أو القضاء لعدة خلفاء وملوك مثل شريح والبلقيني والدامغاني. وقد فات على المؤلف -ولا يلام- سبعة من أسرة آل الشيخ كلهم قاض ابن قاض، وربما تجاوز بعضهم هذا العدد. وللإمامة والأذان في المسجد الحرام والنبوي عراقة نبه إليها المؤلف وقد يوجد أمثلة حديثة، وكذلك في الإفتاء ومشيخة الجوامع كالأزهر، وفي التصوف، وتعبير الرؤى، والطب، والهندسة، والموسيقى فرياض السنباطي من عائلة ذات تاريخ في الغناء والإنشاد والتلحين والموسيقى.
ومن اللطائف أن محمد بن محمد بن محمد العيدي البخاري ولد هو وأبو وجده يوم العيد فنسبوا إليه، ومات ثلاثة من بني المغيرة بن أبي الليث في يوم واحد، ولا يعرف في العرب أربعة من صلب واحد بلغوا مئة وعشرين عامًا إلّا حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام وآباؤه. وتكررت بعض الأسماء عدة مرات في النسب مثل محمد والحسن وعبدالرحمن والحارث وغيرها، ومن أشهرهم حجة الإسلام الغزالي الذي تكرر فيه اسم محمد ثلاث مرات. ولعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ثلاثة أبناء كلهم اسمه عبدالرحمن، ولربيعة بن نزار خمسة عشر ابنًا ثمانية منهم حملوا أسماء سباع! وقد تكرر اللقب نفسه لرجال في نسق واحد مثل عماد الدين، وشاع العمى في بني عوف إذا أسنّ الرجل منهم، وكان مري بن قطري بن الفجاءة أبرص ابن أبرص وأخوال أبيه كذلك، وهو داء تكرر بأربعة إخوة من بني البكير الليثي.
كذلك حكم بحد الافتراء على رجل وأبيه وجده هم هاشم بن المسور بن مخرمة، وقتل ستة في نسق وكل واحد منهم قتل وهو مقبل غير مدبر، وهم عمارة بن حمزة بن عبدالله بن الزبير بن العوام بن خويلد، وفي مقاتل الطالبيين خمسة في نسق واحد، وقتل بدير الجماجم عبدالرحمن بن أبي ليلى مع عشرة بنين له، وشابهه الأقرع بن حابس يوم اليرموك مع عشرة أبناء له. وغدر خمسة في نسق واحد بعهودهم ونكثوها ابتداء من عبدالرحمن بن محمد الأشعث فصاعدًا. واتهم رجل وابناه وأحفاده بالزندقة، وبئست التهمة!
هذه إطلالة على كتاب ماتع غاص مؤلفه المسدد في مئة وواحد وأربعين كتابًا من كتب التراث على ضخم بعضها، وهذا الصنيع من هلا يستغرب. وقد خرج لنا بفوائد جمة في العراقة كسرها على أربعة وستين نوعًا، وأتصور أن مثل هذا العمل الجليل من القراء الكتّاب يعين على تقريب المعلومة، وشيوعها، وتحبيب الناشئة في الكتب وما تركه الأوائل لنا. هو عمل رفيع بالمناسبة، ومن أعمال العراقة في الأفراد، والمجتمعات، تلك العراقة التي تستحق منا البحث والتدوين، وعسى ولعل!
الرياض- الثلاثاء 26 من شهرِ شوال عام 1447
14 من شهر أبريل عام 2026م