مواسم ومجتمع

كيف ينفع المرء بلاده ومجتمعه؟

أردتها أن تكون أحاديث غير تقليدية؛ لأن موضوعها مطروق بنمط متشابه في الغالب، وآمل أني قد حققت ذلك، ولم يدرك الملل السامع الأول ولا القارئ الثاني. كان هذا حين تواصل معي من لا يرد له طلب، عارضًا أن ألقي محاضرة في الجامعة السعودية الإلكترونية، فوافقت وحددت عنوانها. وعندما أعلن عن موعد المحاضرة قبله بأسبوع تقريبًا وردني خبرها من زملاء كثر؛ فقررت كتابة نص المحاضرة أو أكثره، على أن أعود لتحريره وإكماله فيما بعد، وهو العمل الذي شرعت به الآن.

في تاريخنا المحلي أمثلة عديدة لأناس عظماء تساموا في خدمة بلادهم وولاتهم ومجتمعهم بما فيه مكونات وقواسم مشتركة عميقة وعديدة. الأمثلة على هؤلاء كثيرة لدرجة أنها تملأ صفحات وكتب، ولعل الإلماح لبعضها يكفي عن تتبع غيرها، ومن المؤكد أن الذاكرة التاريخية الشفهية والمكتوبة تحتوي على المزيد منها. إن تداول هذه المرويات وإحياء نشرها من جديد، يزيد في ترسيخ آثارها، وبث الحياة في دوافعها النبيلة. إنها ميراث من الأجداد، وحقيق بنا حفظ الميراث الجميل، والاحتفاء به، ونقله لمن بعدنا.

نجد في تاريخنا أن الرياض بمشايخها وأعيانها وتجارها ومزارعيها كانوا ينتظرون “عبدالعزيز” وعودته المرتقبة بعد المحاولة الأولى لاستعادة الحكم في الرياض عام (1318=1901)؛ ولذلك سارعوا إلى مبايعته والابتهاج بنصره الذي استرجع به العاصمة. ونقرأ في سيرة الباشا عبداللطيف المنديل أنه عرّض حياته وتجارة أسرته ومنصبه للخطر بالمواقف الصريحة التي اتخذها لنصرة “ابن سعود” في وقت لم تكن حكومة العراق تستسيغ ذلك منه، وهو المقيم المتاجر فيها؛ بل وتولى منصبًا رفيعًا في مجلس وزرائها، ومن هذا الباب ما صنعه أبناء رميح لبلادهم وولاتها في الشام والعراق ومصر. إن خدمة العقيلات وأهل الزبير لدولتهم ومجتمعهم لأمر جدير بالملاحظة والدراسة.

كما نرى ذلكم الولاء الكبير للدولة وزعيمها من آل سْليم أمراء عنيزة، ومن آل سِليم علماء بريدة، ومن الأمراء التاريخيين لبلدات القصيم مثل ابن عساف في عيون الجواء، والعقيلي في المذنب، وغيرهم، فقد رفض هؤلاء رفضًا مطلقًا أي مغريات تدعوهم للانحراف يمنة أو يسرة عن الرياض وحاكمها. والشيء ذاته صنعه كبار أهل الأحساء والقطيف، إذ اجتمعوا في بيت عبداللطيف الملا “بيت البيعة” من أجل استقبال الفارس المنتصر ومبايعته، وقبل ذلك وبعده لم ينقطع التراسل والتواصل والتأييد من رجال كبار مثل الشيخ حسن الجبر، والشيخ محمد بن عبدالعزيز العجاجي، والسيد إبراهيم بن محمد آل هاشم الذي شارك في معركة كنزان، والشيخ علي بن حسن الخنيزي، والوجيه عبدالله بن نصرالله، الذين تآزروا مطالبين الحاكم التركي بالخروج، وسعوا لتقريب وجهات النظر بين الملك عبدالعزيز والأهالي، مع وأد مبكر لأي سبيل محتمل للخلاف بحكمة.

وهذه التصرفات الباهرة بدوافع صادقة مقبلة نحو الوحدة والأمن والرغد نلاحظها عند الأمير سعيد بن مشيط، والشيخ عبدالوهاب أبو ملحة، في تعاملهم مع جيوش الملك عبدالعزيز، والأوضاع القائمة آنذاك. والشيء ذاته يقال في حقِّ الشيخ جزاع المجلاد، والشيخ نوري الشعلان، وقبائلهما، اللذين جاهروا بمناصرة الحكومة السعودية، مع أنهم في جوار من تخشى سطوته الغاضبة. وهو الدافع نفسه الذي جعل الشيخ محمد عبدالقادر مغيربي عرضة للنقمة من الشريف والسلطة العثمانية عليه وعلى عائلته بسبب إعلانه تأييد الرياض وسلطانها.

ولا يفوت هنا الإشارة إلى أعمال جليلة صدرت عن أبناء هذه البلاد؛ فمالية الأحساء التي كانت في بدايات نشأة الدولة الحديثة أحد أهم الموارد وقف على رأسها الشيخ زيد بن علي القريشي بأمانة وإخلاص، وبيت آل نصيف في الحجاز غدا مقرًا للملك المؤسس في جدة، ولم يتأخر الشيخ محمد بن هندي بن حميد عن تأييد الملك عبدالعزيز بنفسه مقاتلًا، وبرأيه الحكيم في ساعات حرجة. ولا يمكن نسيان مواقف المرأة العربية المسلمة، مثل غالية البقمية التي قاومت عدوان الجيوش ببسالة، وموضي البسام التي آوت بقايا الجيوش، وفعلت الخير ما استطاعت إليه سبيلًا، حتى وجدت التقدير من المؤسس، وأي كلمة أكثر تعبيرًا من قوله: “إذا جاك ولد سمه موضي”!

لماذا الحديث عن هذا الموضوع؟

يأتي هذا الحديث في سياق ثقافي وطني دون شك في إنسان، أو تهمة لأحد، وإنما من باب قول الله سبحانه:
“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ…”، وكما أجاب إبراهيم الخليل -عليه السلام- ربه -سبحانه وتعالى-: “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي…”.

بين الواقع والمثالية:

من المناسب الإشارة قبل البداية إلى أن سياق الحديث يبدو مثاليًا، والجواب عن هذا الإشكال يسير، فمع مثالية بعض ما سيرد إلّا أنه قابل للتطبيق دون استحالة أو عسر. يضاف لذلك أن طلب الكمال من الأشياء والسلوك أمر معتاد، مع قبول احتمالية حدوث القصور البشري في التطبيق؛ فالتمام كله غير مقدور عليه. ومن هذا الباب ينبغي التنبيه إلى أن بعض المقترحات تبدو مما لا يؤبه له؛ لكنها مهمة في تأثيرها، وسوف نرى.

لماذا يجب على المواطن نفع بلاده ومجتمعه؟

  • واجب ديني.
  • واجب قانوني فلك حقوق وعليك واجبات.
  • واجب معيشي ومنطقي فهو وطنك ومكان عيشك ورزقك وسكنك وتحقيق أهدافك.
  • واجب من أجل الماضي وفاء للآباء والأجداد.
  • واجب مستقبلي فهو الذي سنورثه للأبناء والأحفاد.

وفيما يخص المملكة العربية السعودية يمكن إضافة أسباب تتفرد بها أو لا تشاركها فيها بلاد كثيرة، منها:

  • أن هذا الوطن لم يتكون بحكم الجغرافيا، أو بصناعة من قوى أخرى، وإنما بعملية تأسيس واستعادة وتوحيد استمرت عدة قرون، وشاركت فيها مع أسرة الحكم البلدات والقبائل والأسر في تمازج فريد في إخلاصه وثباته.
  • قداسة البلاد بوجود الحرمين ومهبط الوحي ومأرز الإيمان، إضافة إلى تاريخها العربي الأصيل، وكثرة الحضارات التي استوطنتها، وعظم الفرص المتاحة لها لحشد مزيد من القوة المعنوية والمادية.

تساؤلات أولية:

هل يستثنى من أداء هذا الواجب أحد؟

كلا! فكل مستطيع عليه قدر وسعه من الواجب، ومن أحسن النظر فلن يعدم الحيلة للنفع والدفع.

هل يرتبط هذا النفع بأخذ الحقوق كلها؟

 طبعًا لا؛ فالمسألة ليست معاوضة، كما أن تقدير المرء لهذا الموضوع قد لا يكون دقيقًا، أو منصفًا، سواء باعتقاد أن له حقًا في شيء وهو ليس كذلك، أو بتقليل مقدار ما أخذه من حق، وفي النهاية هي ليست مسألة معاوضة أو بيع وشراء.

هل يتناقض نفع الوطن والمجتمع مع غيره؟

لا! بل الأصل أن يكمل بعضه بعضًا، ويتداخل نفع الذات ونفع الأسرة والقبيلة والمدينة مع نفع الوطن. كما أن نفع المجتمع جزء من نفع الوطن؛ لأن المجتمع والحكومة يكونان معًا الدولة التي تعني الوطن والمظلة الجامعة للشؤون كافة. المهم -يارعاك الله- ألّا تمنح لأحد حقًا ليس له، وألّا تحجب الحق عن مستحقه تقديمًا لمن لا يستحقه.

ماهي أنواع النفع المتاحة؟

  • حسب الزمان: نفع في الحال والمستقبل.
  • حسب المكان: نفع داخل البلاد وخارجها.
  • حسب الطريقة: نفع مباشر وغير مباشر.
  • حسب العدد: نفع فردي أو جماعي.
  • حسب الوسيلة: نفع بالمال والنفس والفكر. ونفع بالقول والفعل، وبالعمل والترك.
  • حسب المجال: نفع اجتماعي، علمي، اقتصادي، رياضي، خيري، تقني، إعلامي، أمني، ثقافي، دعوي،….

سمات هذه الأعمال:

  • دين ودنيا.
  • يسيرة.
  • لها مدى واسع في التطبيق.
  • مقدور عليها.
  • ليس بالضرورة كلها. لو واحد.

هل يمكن أن تتباين الحماسة والنشاط للنفع بين وقت وآخر؟

هذا وارد طبيعي في جبلّة البشر حتى في العبادة، وأهم شيء ألّا ينقطع الإنسان مرة واحدة، وألّا ينقلب المرء على عقبيه، وخير العمل أدومه وإن قل، وخير العمل أبعده أثرًا، وأكثره نفعًا للناس، وأطوله عمرًا.

كيف ينفع المرء بلاده ومجتمعه؟

هذا هو لب المحاضرة -أي هذا المقال- وعمودها، ومن المهم التأكيد على أن الترتيب غير مقصود، وأن الأمثلة للتوضيح بلا حصر.  

التشبث بالأركان:

أركان أي مجتمع هي: الدين، واللغة، والتاريخ، والتقاليد، ونظام الحكم. وقد سمعت مرة الأمير سلطان يروي أن زعيم الهند “نهرو” قال له أغبطكم على شيئين! فظن الأمير بأن النفط أحدهما؛ لكن “نهرو” قال: هما الكعبة وفيصل! إن وجود الأركان في أي مجتمع لنعمة تستحق التشبثت بها، وعراقة إلى مثلها يأرز الناس.

الحفاظ على العراقة والفخر بها:

العراقة كلمة فخمة، ومعنى أفخم. تحضر في الأفراد والأسر والمؤسسات والمجتمعات والشعارات والدول. الحفاظ عليها، ورعايتها واجب حتم لا محيد عنه. من العراقة الالتزام بالزي، والتقاليد، والعوائد الحسنة، ومنها تثبيت دعائم الأسر، وتمكين سبل قوتها واجتماعها.

إن صوت فناجيل القهوة أجمل من أي نغمة، ويعبر عن عراقة الضيافة والاعتزاز بالموروث، لباس الحرس يشير لثقافتنا حتى لو عجب منه الزوار، العرضة وميرة الجمال تصنع الهيبة، وتملأ العين جمالًا، بل حتى رمال الصحراء، وشمس النهار، ونجوم الليل، ونخيلنا، تفعل بالأجانب الأفاعيل.

وعندما تجول بعض السياح في أنحاء المملكة، وزاروا عدة معالم، سألهم مسؤول كبير عن أكثر شيء لفت انتباههم في هذه الرحلة السياحية؛ فقالوا: زيارة جامع الراجحي التي نظمتها لنا مؤسسة هدية عالم! إن إبراز العراقة جزء من شرح الثقافة والحضارة المحلية التي يبحث عنها الغريب، وهي دليل على الثقة والفخر، وحقًا فإن عزتنا وعزنا وصلاح أمرنا لا تكون بحال استمدادًا من غريب أو بعيد.

حفظ الذاكرة الوطنية والمجتمعية:

إن حفظ الذاكرة الوطنية الشفهية والمكتوبة عمل جليل يبقي على امآثر والدروس، وقد أحسنت دارة الملك عبدالعزيز، ومكتبة الملك فهد، في نهج علمي لتحقيق هذه الغاية، ومثلهما أقسام التاريخ في الجامعات. ومن الأفراد أجاد غير واحد من المؤرخين، والبلدانيين، والنسابة، وكتّاب السير، في تتبع تاريخنا، وسير الإنسان، والمكان، والكيان، والقبائل، والأسر، وشقوا طريقًا لغيرهم في هذا الميدان الفسيح، وقطعوا على الدخلاء أو الأباعد سبل النفاذ لشؤوننا بسدّ الثغرات، وبحث جلّ الموضوعات.

الإسهام في تحقيق الرؤية والأهداف:

لكل بلد أهداف وخطط وتدابير وسياسات صائبة، وإن المشاركة في تحقيقها وإتباعها لمن أنفع ما يقدمه الواحد لبلاده وأناسه، وبه تبرأ الذمة. من الأمثلة التي تحضرني نقل وزارة الخارجية والسفارات من جدة إلى الرياض، وتفاعل المعنيين بذلك مع أن بعضهم يفضل البقاء في جدة. ومنها مشاركة بعض رموز التعليم في إدارة جامعة الملك سعود خاصة بعد وفاة مديرها الأول؛ مع أنهم كانوا يرون أن إنشاء الجامعة قرار مبكر.

حسن التهيئة والاستعداد:

هي على المستوى الشخصي مثلما نراه في سير أوائل المبتعثين لمصر ولبنان ثم دول الغرب، وجلهم أصبح ذا شأن مذكور في بلادنا. أو على مستويات أبعد، فكم من مسؤول صُنع على عين الوزير الأول ابن سليمان؟ وكم من وزير تخرج في مدرسة الأمير مساعد بن عبدالرحمن؟ وأي بركة يبقيها المسؤول الذي يعبر من مدرسته قادة ورواد!

بل إن الأمر يتجاوز ذلك إلى ملحظ دقيق؛ فعندما لمح الأمير سلطان براعة في أحد الضباط، اقترح عليه تغيير اسمه الأول إلى اسم آخر؛ لأن الضابط سيصبح في منصب قيادي يمثل المملكة، ومع جمال اسمه إلّا أنه عرضة لنطق خاطئ محيل للمعنى، فبادر الأمير بمقترحة خدمة لسمعة بلاده، وقد صدقت فراسته وتسنّم الرجل موقعًا عسكريًا عاليًا.

امتلاك العلم والمهارة:

أي طريق يسلكه المواطن لتحصيل علم، أو إتقان مهارة، فهو يصب في صالح بلاده؛ مثل غيمة خراجها سيأتي أينما هطلت. ومثله المشاركة في الأبحاث العلمية، أو ترجمة المتميز منها. ولقد تعاظمت بركات علماء المملكة في الشريعة، والقانون، والصيدلة، والطب، واللغة، والبلدان، والتقنية، والعلوم، والهندسة، وغيرها حتى جعلوا من بلادهم منارة علمية شامخة لها قدرها وقيمتها.

كما برع بعض المصورين في التقاط صور لمكة والمدينة خاصة في المواسم. هذه الصور الصامتة تعطي لمن يطالعها تصورًا عن الخدمات المقدمة، والعدد الكثيف الموافي للمواسم، وتلجم أفواه الشانئين الناقمين أو المحرفين للحقائق، وتحفز العاملين للتحسين وابتكار المزيد. ومثلهم الفرسان على ظهور الخيل، والسباحون، والعدائون، وسواهم.

الجاهزية للخدمة:

لا يهم إن كنت في المقدمة أو في المؤخرة، أو في مكان غيره أحب إليك، فأنت في النهاية عضو من كيان، ولبنة في بنيان. سأل صحفي الأمير خالد الفيصل عما وجده من فرق بين عمله وزيرًا للتربية والتعليم وعمله أميرًا لمنطقة؛ فقال له: نحن نخدم الدولة في أي مكان. وقبله كان الأمير مشعل بن عبدالعزيز-أمير مكة آنذاك- ينزل للطرقات في موسم الحج مشاركًا في تنظيم عبور السيارات والمارة. وبعد مغادرة عدد من الوزراء لمجلس الوزراء، وافقوا بأريحية على العمل في مناصب أخرى. وكم من مرة ومرة شارك الناس بأنفسهم في تنظيم طريق انطفأت إشاراته المرورية، أو غمرته أمواه السيول، أو غير ذلك.

الامتثال والالتزام:

تعني اتباع الأنظمة المرعيّة، والأعراف المقبولة في المجتمع، والتوجهات العامة، فهي لم توضع عبثًا. ومن الطّبيعي أن تختلف قوّة التزام الأفراد، ومدى قناعتهم، لكنّ الشّيء المهم أن يجتمعوا على إطار عام لسمت المجتمع وتراتيبه تُرعى حرمته، وتُحمى حدوده؛ لأنّ الانفلات بلاء، والحريّة لا تعني الفوضى، فالفوضى لا تأتي بخير. هذا الامتثال يشمل كل شيء حتى الوقوف عند إشارة المرور.

روي لي أن فريق العمل بوزارة الخارجية اتفق مع الأمير سعود الفيصل على انتهاج سياسة ما نحو حدث معين؛ لكن الأمير الوزير صرّح لوسائل الإعلام تصريحًا مختلفًا عمّا اتفقوا عليه، وحين سأله زملاؤه بالوزارة أخبرهم أن التوجيه جاء بخلاف ما اتفق عليه مع مستشاريه، ولا مناص له من التنفيذ.

كمال التمثيل وصنع صورة ذهنية حسنة:

حينما تمثل بلادك ومجتمعك سواء بصفة رسمية أو شخصية؛ فدع الآخرين يرون عظمة بلادك ومجتمعك فيك. هكذا فعل السعوديون الذين عملوا في منظمات دولية أو إقليمية. ومثلهم الثمار التي تجنيها البلاد من رحلات الشيخ محمد العبودي في أصقاع العالم، أو من استضافة الوجيه نصيف لمن يقصد مكة من وجهاء المسلمين وعلمائهم، أو من الحوارات التي أجراها الأديب محمد رضا نصر الله مع أصناف المثقفين والكتّاب، أو في السيرة العطرة التي تركها السفير أبو سليمان الشبيلي أينما عمل، ولن ينسَ تاريخ الابتعاث الملحق التعليمي بأمريكا الشيخ عبدالعزيز المنقور. ومن المعاصرين يمكن الإشارة إلى نماذج عدة مثل المعلم منصور المنصور، وأستاذة الكيمياء غير العضوية والنانو أ.د.نجلاء الردادي.

براعة الإنجاز وقوة التأسيس:

من أسند إليه عمل غير مسبوق؛ فالمسؤولية عليه مضاعفة، من أجل جعل النتيجة أكمل وأحكم. وسيظل التاريخ وسجلاته شاهدة على من أسس، أو جدّد، ولمن أبدع وأجاد. انظر لأي عمل خدم الناس والبلاد، وابحث عن أوائله والأسماء المؤثرة فيه، واذكرهم بالثناء والدعاء. من الأمثلة التي تحضرني أ. فهد الدغيثر و د.محمد الطويل مع معهد الإدارة، وم.عبدالعزيز الزامل مع سابك، وأ.د.عبدالله التركي مع جامعة الإمام محمد بن سعود، وأ.د.عبدالرحمن السديس مع رئاسة الشؤون الدينية للحرمين، ولا أغمط الفرق العاملة معهم حقوقهم وجهودهم.

الاتقان:

لغالبنا أعمال، ومهن، ووظائف، وإذا حرص الفرد على أن يبلغ أعلى درجة من الاتقان؛ فسيحوز فائدة شخصيّة، ويؤول اتقانه لصالح بلاده وتنميتها، وبحضور الاتقان تتلاشى أخطاء كثيرة، وحين نتقن في أصل المهمّات، تتاح الفرصة للإبداع فيما سواها. من الاتقان الكبير جهود رموز التعليم الأولى في نشره وتعميمه مثل الشيخ محمد طاهر الدباغ، والشيخ محمد بن مانع.

من الاتقان أن الملك فيصل لم يمنعه شيء من دراسة الاقتصاد على يد العالم أنور علي حتى ضبط أصوله وطريقة الإدارة الدولية والمحلية للمال والنقد. كذلك يظهر الإتقان جليًا في المجال الصحي فكيف كنا وأين أصبحنا، وفي الحكومة الرقمية والإلكترونية، وخدمات الاتصال، وفي مستوى الأمان بالعملة السعودية، والهوية الوطنية.

دعم الأمن والنّماء:

أيّ إجراء يجلب مصلحة لبلادك ومجتمعك في الأمن، والنّماء، أو يدافع مفسدة، فهو خير جدير بأن يصار إليه، وعكسه سوء لا بد أن يقاوم، والسعيد من صان نفسه عن أن تغدو ثغرة أو معبرًا أو جسرًا أو ثلمة. وإن هذا الباب واسع يشمل حفظ المقاصد الكبرى: الدين، والنفس، والعرض، والعقل، والمال، وبحفظها تقوى البلاد والمجتمعات.

حفظ الطّاقة والموارد:

هي حريّة بحسن الاستخدام، والاستثمار فيما يعود بالمنافع على البلد وأهله، ولذلك فالمشي صحة، وحفظ للموارد، وفتح النّوافذ، والجلوس في الهواء الطّلق؛ يعطينا الأكسجين، ويحافظ على الطّاقة، وإتباع السّنة في الطّهارة من ترشيد استهلاك المياه، وضبط الموائد يحول دون الهدر وإغضاب المنعم، وعلى ذلك قس.

الصدق عند التجاوب مع السؤال والإحصاء:

المشاركة الصادقة في الإجابة عن أي استبيان أو إحصاء عام أو خاص، سواء في التعداد السكاني، أو من مركز استطلاع الآراء، أو إجابة لسؤال من مسؤول، أو حتى كتابة أو تعليقًا على موقع أو خريطة، فإبداء الرأي الصادق المتزن المؤدب، يشجع المحسن، ويعلم المخطئ، ويردع المسئ إن وجد. وقد كان من شأن الملك عبدالعزيز مع حافظ وهبه أنه فرح بالتزام الأخير بذكر الجواب الصحيح الذي يعتقده بغض النظر عن أي اعتبار آخر.

الدّفاع عن المبادئ والرموز:

ولذلك رفض الشيخ إبراهيم بن معمر تنكيس العلم السعودي لأنه يحمل كلمة التوحيد، واجتمعت كلمة الناس على توقير أهل الولاية والعلم والنفع العام بالجملة، والغضب من أي إساءة توجه إليهم.

التوطين:

اجتهد الملك عبدالعزيز في نشر التعليم ،وابتعاث مواطنيه، وحثهم على تعلّم اللغات الأجنبية، ولم يلتفت لتحذيرات الأجانب التي سيقت في إهاب النصيحة وهي غش خالص. وفي سيرة الشيخ عبدالله الطريقي نرى حرصه على توطين صناعة النفط، بابتعاث السعوديين، وافتتاح كلية متخصصة، ومنح الجنسية لعلماء عرب في هذا المجال؛ ولا غرو فقد كان هو ثمرة لحرص الملك المؤسس على امتلاك هذا العلم، وهو ما سانده عليه وزير ماليته ابن سليمان.

تقديم المصالح العامة والعليا أولًا:

لم يقدم الشيخ فوزان السابق مصلحته الخاصة على مصلحة وطنه؛ ولذلك طلب من المهندس الأمريكي المفتون بالخيل، أن يجعل المقابل على الخيل المهداة له من الشيخ فوزان إرسال فرق بحث عن المياه في طرق الحجاج، ويالها من نية مباركة جلبت معه االخير.

تحبيب الناس بالمجتمع والحكومة:

يكون هذا من عامة الناس بذكر المحاسن الحقيقية للمجتمع والحكومة، والإشادة بالمنجزات، وتجنب المشاركة في نقل الإشاعات والطرف الباردة. أما من المسؤول فيكون بحمل الأمانة، واستقبال الناس، والسماع لهم، وقد كان من خصائص الشيخ حسن آل الشيخ التي شكرها له معاصروه أنه يحبب الناس بالحكومة، وهذا يومئ لإخلاص كبير، ونفس سمحة طيبة.

التجار والتجارة:

تجار العقيلات وأهل الزبير أحد برز الأمثلة على ما تفعله التجارة للبلاد وأهلها؛ فقد كانوا نعم الوكلاء، والموردين، والداعمين، والمنفقين، ولا يضيع العرف بين الله والناس، ولا يزال بعض الأثرياء فينا أئمة في السخاء والجود والعطاء بالإنفاق، والوقف.

تقليل المظاهر التي لا تحمد:

منها الإسراف في المناسبات العامة، والتباهي الممجوج، والتعصب المقيت لأي شيء، وهدر النعم على اختلافها. إن تضييق نطاق ظهور الطبقية الذي تفاحش مع وسائل التواصل الاجتماعي لواجب ديني وطني مصلحي، وما أجدر عقلاء قومي بالالتفات إليه.

تقليل الأعداء وسل السخائم:

يكون بالعدل والإحسان والحكمة. عرف عن السفير السعودي في بريطانيا د.غازي القصيبي أنه يتعاهد العرب في بريطانيا بماء زمزم وكميات من التمر حتى لو كانت مواقفهم غير ناعمة مع المملكة، وفي صنيعه استلال للسخائم. وأثر عن مدير جامعة الملك سعود د.منصور التركي غضبه من امتناع إحدى الإدارات عن دفع رسوم شحن كتب طلاب المنح مما سبب حنقهم؛ حتى قال المدير مستنكرًا: نصرف على الطالب مبالغ طائلة ونعجز عن شحن كتبه إذا غادرنا متخرجًا!

لا للفئوية:

البلاد كلها واحدة من أقصاها إلى أدناها، والحق واحد كما الواجب، مع التفاوت الذي يقتضيه التخصص والمهام وغيرها. إن هذه النظرة المتساوية المتوازنة تحول دون أي شعور بالإقصاء والتمييز، وهو مقتضى الإنصاف والعدل قبل أن يكون مطالبة دولية بإتفاقية أو غيرها.

لا للتبرقش:

إياك أن تسيئ لبلادك ومجتمعك من حيث أردت الدفاع عنهم أو نفعهم. بعضهم يدافع عن البلاد بمبالغات شديدة، أو بمقارانات لا موجب لها، أو بالتنبيش لدى الآخرين، وهذه المسالك لا تفيد ولا تجدي؛ فبعض الكلام المعسول لفظه مغسول معناه. وقد اجتمعت كلمة كبار المملكة على ذم المداحين والمجاملين بغلو، وسبق أن قرأت عن الأمراء فواز، وماجد، وعبدالمجيد، ما يدل على بغضهم للمدّاح، ورفضهم لما يفوه به، وهم عينة تمثل البقية.

التيقظ:

يكون بالنأي بالنفس من أن تكون أداة بيد الغير. وتزداد أهمية التيقظ لدى موظفي أجهزة الرقابة والضبط في الحدود، وداخل البلاد، الذين وفقهم الله لصد كثير من المكر والبلاء.

الحرص على المال العام مقاومة الفساد بأنواعه:

إن النزاهة والأمانة هما الأصل المتوقع في أي مسؤول من أبناء البلاد المخلصين. ومما اشتهر في هذا الباب موقف المهندس محمود طيبة من رفض “الرشوة” من شركة أجنبية، وسعي الأستاذ فهد الدغيثر لضبط عقد بناء مقر معهد الإدارة دون تكاليف زائدة. إن الحرص على هذا الأمر ظاهر للعيان في عصر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -أمتع الله به-.

التركيز على التنمية والغاية المرجوة:

مشروعات التنمية تحتاج إلى حسن إدارة وضبط وقوة تدبير، ومن ذلك التركيز على المشروع وليس على حواش لا تتعلّق به مهما كانت رائجة السوق قائمة الحظ، والتأكد من دراساته وجدواه بعد تحليلها والاستيثاق من صوابها وعدالتها.

الأسرة هي الدرع الحصين:

 الفرد والأسرة كلاهما نتاج للآخر، وغن العناية بالسرة لمن أسس صلابة المجتمعات والدول وقوتها. يكون ذلك بكمال التربية، وتيسير الزواج، وتكثير النسل، وتواصل الأسر في شبكات مجتمعية يعضد بعضها بعضًا.

أوقف شيئًا:

الوقف ليس قصرًا على المال مع أهميته وتأثيره البالغ. علمك قابل لأن تصيره وقفًا، وكذلك مهاراتك. بل حتى المواقف المشرفة تغدو برايتها مثل الوقف التربوي العملي السيار، ومن حظ المرء أن يكون في الخير إمامًا.

ساند وتطوع:

تطوع بوقتك أو فكرك أو جهدك أو مالك، وساند تلك الأعمال المجتمعية الراشدة، التي تبين عن نضج المجتمع، وتكافله، وجميل تعاونه مع حكومته. لم تمنع المهمات الأسرية د.فاطمة نصيف، أو أ.فاطمة التركي من التعمق في التطوع، ولم تقف خيرات الكرام من أهل البلاد عند حدٍّ بل شملت الأقربين فمن وراءهم.

احرص على البيئة:

البيئة المحيطة بالإنسان في البر والبحر والجو أمانة في عنقه، سواء أكان مستمتعًا بها، أم مستفيدًا منها، أو غير ذلك، وهي جزء مهم من رؤية المملكة 2030. لقد أحسن أساتذة البيئة في دراسة موضوعاتها المختلفة، ووفق منتدى الأمير عبدالرحمن السديري في تخصيص أحد دوراته للمحميات الطبيعية، فالبيئة باب حقيق بالحرص والعناية.

أعمال متنوعة:

  1. قل نعم للخير وأهله وسبله، ولا للشر ودهاليزه وأربابه.
  2. انشر كلمات الحمد والشكر والثناء على الرب سبحانه ثم على المحسن المخلص من عباده، وإياك من غشاعة التذمر والتضجر.
  3. اصنع شبكات مترابطة للخير تجمعها الأسرة أو المهند أو الدراسة أو العمل أو الاهتمام، وتعاونوا على البر والتقوى.
  4. امتنع قدر وسعك عن أي عمل ضار، وقاطع دروب الفتنة والشر في نفسك فما فوقها.
  5. ادم الدعاء لنفسك وبلادك وأهلها ورموزها وجنودها، فللدعاء تأثير أكيد، والله خير حافظًا ومستودعًا.
  6. الطاعة بالمعروف في جميع الأحوال واجب شرعي لا يستثنى منه أحد قادر عليه.
  7. كن رصيدًا، لا عبئًا، ثمرة، لا شوكة إلّا على الأعداء، وكن نافعًا غير ضار، صادقًا واضحًا مباركًا اينما حللت تضيء وتضيف.

أخيرًا إن حقيقة المواطنة:

ليست كلامًا منمقًا، ولا أقوالًا مجردة من العمل أو الفعل، هي ليست شعارًا يستخدم لأغراض خاصة، أو أداة تشهر في وجوه من نختلف معهم، بل هي حقائق كامنة ثابتة، تصدقها الأعمال والآراء والتصرفات قبل الأقوال. هي ثوابت لا تقبل التحوّل، رواسخ ليست عرضة للزوال أو المساومة. وفق الله الكافة لخدمة بلادهم، ومجتمعهم، وأناسهم، فهذا من أجلّ أنواع العمل، ومن أصدق دلائل الوفاء.

ahmalassaf@

الرياض- الأحد 29 من شهرِ ربيع الأول عام 1447

21 من شهر سبتمبر عام 2025م

Please follow and like us:

8 Comments

  1. ماشاء الله تبارك الله ابوعبدالمحسن.، ابدعت كالعادة
    مدونة شاملة وسرد تاريخي تسلسلي متضمناً شواهد واحداث
    ومعلومات عرفتها من خلال هالمدونة.،

  2. كاتبنا الأنيق حرفًا وشخصًا ونصّا، تعتريني كل مشاعر الفخر والاعتزاز كلما قرأت مقالة وطنية وتاريخية لأناس عظماء تساموا في خدمة بلادهم ووطنهم؛ مقالة بديعة ورائعه وتتبع تأريخي نفيس بإسلوب سردي يبقيك مشدوداً لآخر سطر.. بل من جماله قرأته تكرارا ومرارا ، سلمت وسلم نبض قلمك أخضرا يؤرق وفاء لهذا الوطن العظيم 🤲

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)