سياسة واقتصاد سير وأعلام

وزراء من الأحساء

إن اصطفاء القوي الأمين بما له من خبرة وعلم وتجربة وأهلية، أمر جوهري دارج، يسمو على كثير من الحسابات، ويتجاوز الأوهام التي تعشعش في بعض الأذهان؛ فتفسدها بسوء ظن، أو تفسير مغرب. والحمدلله أن ولاة الأمر ورجال الدولة في المملكة العربية السعودية يولون هذا الأصل أهمية بالغة حين الترشيح والمفاضلة. ثمّ الحمدلله أن المسؤول في بلادنا -على اختلاف المناصب- يخدمها كلها بلا تمييز، وهو على استعداد لأن يكون في أي موضع أو موقع  بلا استثناء؛ كي يؤدي العمل المطلوب منه مخلصًا متقنًا، والشاذ النادر -إن وجد- فهو منبوذ مستضعف لا يكاد يبين، ولا يقاس عليه.

والحمدلله أن بلادنا واحدة من أقصاها إلى أقصاها، وقد جمعت في نسيجها بقاعًا متميزة في ملامح عدة، وكم هو مطلب ملح أن يبادر المختصون في علم الاجتماع لدراسة الشخصية السعودية العامة والخاصة دراسة علمية بما يثري المكتبة، ويلبي الحاجة؛ ذلك أن هذا العمل سيغدو مرجعًا أساسيًا، ويقضي على كثير من التخرصات، ويفسر الطبائع والمواقف لمن ينظر للأمور بعين منصفة، وعقل منهجي.

من محافظات بلادنا “الأحساء” بما لها من تاريخ محفوظ، وموقع حيوي، وبما فيها من أسر عريقة، وبيوت تجارية، ومدارس متنوعة، ومجالس مستمرة، وأوقاف معمرة، وأسماء بارزة في العلم الشرعي واللغة والتاريخ والأدب والقانون وسائر العلوم. وقد ارتبطت الأحساء برباط متين مع “نجد” على وجه الخصوص؛ فهي ساحلها البحري، وتلك عمقها الصحراوي، والعلاقات الأسرية بين مدن نجد والأحساء كثيرة قديمة متشعبة، فمن حب النجديين للأحساء أن أطلقوا على “جلاجل” مسمى الأحساء الصغرى أو أحساء نجد، ومن حب أهل الأحساء لجيرانهم أن أداموا التواصل بينهم، والتصاهر معهم.

ومن لطيف الصدف أني كتبت مرة عن الوزراء من جلاجل على إثر انتشار صورة تجمع وزرائها الأربعة، وتداول تلك الصورة العفوية بين الناس باحتفاء، وأنا اليوم أكتب عن الوزراء من الأحساء النفيسة الأثيرة. عدد الوزراء أعضاء مجلس الوزراء الموقر من الأحساء حتى الآن اثنا عشر وزيرًا، بدأت عضويتهم المجلسية منذ عام (1384=1964م)، وهي مستمرة إلى يومنا مع تقطعات يسيرة. أمضى هؤلاء الوزراء مئة سنة من العضوية وازدادت تسعًا، وهي مدة قابلة للزيادة، وهذه المئة وتسع سنوات هي مجموع سنوات عضويتهم جميعًا إلى لحظتنا هذه. تولى هؤلاء الوزراء الكرام المسؤولية عن اثنتي عشرة وزارة تكررت منها الزراعة والمياه فقط مرتين، بالإضافة لمنصب وزير دولة الذي تكرر خمس مرات اثنتان منها للوزير مع وزارة الدولة مهمة أخرى، وأسأل المولى الرحمن للأموات منهم وممن سيرد اسمه الرحمة والغفران، وللأحياء الحفظ والعافية والتوفيق.

أول وزير من الأحساء هو الشيخ حسن المشاري الحسين (1349-1437=1926-2016م)، الذي يلتقي نسبه مع الأسرة الملكية في جدهم إبراهيم بن موسى المريدي أحد حكام الدرعية. عمل المشاري في أرامكو، ووزارة المالية مع وزيرها الأمير مساعد، وكان عضوًا في مجلس إدارة معهد الإدارة إبان نشأته المبكرة، وربما مارس بعض العمل الإداري فيه. وقد تخصص في المحاسبة ثم الإدارة، وكان الأول على المملكة في المرحلة الابتدائية، ومما يحسب له أنه درب د.عبدالعزيز الخويطر على متطلبات و”بروتوكول” العمل الوزاري؛ وبالتالي فهو أستاذ في هذا الباب لعميد الوزراء. من لطائفه أنه أصبح وزيرًا وهو عزب لما يتزوج بعد، وبعد سنة من التوزير تزوج وأقيمت حفلة زواجه في بيروت، وحضرها جمع من الأمراء والوزراء والوجهاء كما ذكر الأستاذ محمد السيف في مقال واف له بالمجلة العربية عن الشيخ حسن المشاري.

استمرت وزارة المشاري طيلة عهد الملك فيصل، وحظي بقرب من الملك بحكم جديته ودراسته وخبراته المالية والإدارية، وعندما كوّن الملك خالد حكومته الوحيدة خرج منها الشيخ حسن، ودخل إليها معًا ثلاثة وزراء من الأحساء كلهم ممن درس القانون. أول هؤلاء الثلاثة هو وزير الدولة د.محمد بن عبداللطيف آل ملحم، الذي تخصص في القانون، وعمل أستاذًا وعميدًا في الجامعة قبل الوزارة، ومن منجزاته المهمة مشاركته في لجان إعداد الأنظمة الثلاثة الأساسية، وعلى رأسها نظام الحكم. يعدّ الوزير الملحم أطول وزير من الأحساء مكث في منصبه الوزاري إذ غادره بعد عضوية لمدة إحدى وعشرين سنة.

والوزير الثاني من الثلاثة هو د.غازي بن عبدالرحمن القصيبي (1359-1431=1940-2010م)، أحد أشهر وزراء السعودية، وأكثرهم تأليفًا، وهو كاتب وشاعر، تولى خمس وزارات بالأصالة، أربع منها لم يسبقه عليها أحد بمسماها نفسه، أولها وزارة الصناعة والكهرباء، وآخرها العمل، وبينهما الصحة والمياه ثم المياه والكهرباء. وهو ممن جمع بين العمل في الوزارة والسفارة، بل أصبح وزيرًا قبل السفارة وبعدها، وأعفي من العضوية المجلسية ثم رجع إليها. للوزير القصيبي أكثر من سيرة إدارية وشعرية وأسرية، وسبق له العمل في الجامعة أستاذًا وعميدًا، وكان لشعره ورواياته والقرارات المرتبطة به أو الصادرة عنه سجال كبير محليًا ودوليًا.

وثالثهم، وهو الرابع في الترتيب، د.عبدالله بن محمد العمران (1350-1430= 1931-2008م)، الذي درس القانون مع الشريعة، وأجاد اللغة الفرنسية وفتن بالعربية وأدبها، وقد استعفى عقب أربع سنوات من تسميته وزير دولة، مفضلًا التدريس بجامعة الملك سعود ومعهد الإدارة، وممارسة أعمال الاستشارة والمحاماة. عمل العمران قبل الوزارة في هيئة الخبراء أيام كانت شعبة، وله كتاب عن الأوراق المالية نال قبولًا في الأوساط القانونية كما ذكر في تأبينه زميله المحامي صلاح الحجيلان الذي أثنى عليه بصفات منها أنه يبقي للصلح موضعًا ولا يقطع حبال الود، وهي خصلة تدل على حكمة وهدوء، وأكدها زميله في المجلس الوزير الشيخ د.محمد عبده يماني.

أما الوزير الخامس فهو الشيخ محمد بن عبدالعزيز بن زرعة الذي سمي وزير دولة وعضوًا في المجلس مع رئاسته لهيئة الرقابة والتحقيق عام (1407=1987م)، ومما يحفظ له أنه كان أحد المنافحين عن فكرة افتتاح قسم للقانون في جامعة الملك سعود، وهو من الوزراء القانونيين، وهنا نلاحظ كثرة دارسي القانون من الأحساء مما يدل على وعي مبكر. ومن لطيف المرويات أن زوج كريمته وبلديه د.فهد المبارك قد خلفه على عضوية المجلس فيما بعد كما سيأتي.

ثّم أصبح د.عبدالعزيز بن إبراهيم المانع وزير دولة ورئيسًا لمؤسسة الموانئ، وقبلها درس الهندسة في جامعة الملك فهد، وبعدها اختير عضوًا في مجلس الشورى. وجاء بعده الوزير أ.خالد بن محمد القصيبي (1354-1444= 1935-2023م) الذي درس الاقتصاد، وعين وزيرًا للبرق والبريد والهاتف، ثم وزيرًا للاقتصاد والتخطيط، وعمل قبلها نائبًا لمحافظ مؤسسة النقد، ومثل المملكة دوليًا، وصار عضوًا في مجلس الشورى، واجتمع هو وخاله د.غازي في عضوية المجلس في واقعة نادرة. ومما سمعته من أحد الوزراء أن الأستاذ خالد القصيبي زار الوزير المتحدث بعد إعفائه من منصبه لتسليته بعد فقد المنصب -وهو فقد موجع مؤثر بالمناسبة- ومما قاله القصيبي: كلنا نركب الحافلة لخدمة الوطن، وكل واحد منا له يوم سينزل منها ولا بد.

كما اختير د.فهد بن عبدالرحمن بالغنيم وزيرًا للزراعة والمياه بعد سنوات قضاها في أعمال أكاديمية ومناصب جامعية، وبعد العمل وكيلًا لوزارة الزراعة ثم إسناد منصب محافظ المؤسسة العامة لتحلية المياه إليه، وإمضاء مدة قصيرة في عضوية مجلس الشورى. وهو من الوزراء المهندسين، وذو كلف وعناية بالعمل، وله ذوق أدبي رفيع يدل على ثقافة واطلاع واسع. وقد تلاه في العضوية الأستاذ عبدالمحسن بن عبدالعزيز العكاس (1367-1433=1948-2012م)، الذي سمي وزيرًا للشؤون الاجتماعية، وقبل الوزارة عمل في جامعة الملك سعود، وجمعية حقوق الإنسان، والقطاع الخاص، وأرامكو، والغرف التجارية، ومجلس الشورى، علمًا أنه درس في مرحلتي الجامعة تخصصي الاقتصاد والسياسة.

أما آخر ثلاثة وزراء فهم حسب الترتيب د.عبدالرحمن بن عبدالله البراك وزير الخدمة المدنية، وله خبرات تعليمية وإدارية قبل الوزارة وبعدها في جامعة الملك سعود ومجلس الجامعات، وكان عضوًا في مجلس الشورى ومساعدًا لرئيسه قبل تعيينه وزيرًا، وهو شغوف بما يخص تاريخ المملكة وبكتب الرحلات. وبعده د.فهد بن عبدالله المبارك الذي أصبح محافظًا للبنك المركزي مرتين يفصل بينهما عضويته في مجلس الوزراء وزير دولة، وقد عمل عقب ذلك مستشارًا بالديوان الملكي، وله علاقات عمل في مجالس إدارة شركات كبرى، وهو أمين في مجموعة العشرين عن المملكة، ونال عدة شهادات منها ثلاث شهادات ماجستير في تخصصات مختلفة مثل الهندسة والإدارة والمحاسبة؛ وتلك جدية لافتة.

أخيرًا أصبح الأستاذ يوسف بن عبدالله البنيان وزيرًا للتعليم قبل سنوات ولا يزال، وهو الذي درس الاقتصاد والإدارة، وعمل في شركات كبرى قبل الوزارة من أهمها سابك وتداول. ومما يلاحظه القارئ أن سير هؤلاء الوزراء ثرية جدًا بالدراسة، والعمل، ومشبعة بالثقافة والكتابة والأدب، وقد تنوعت تخصصاتهم، وخدموا البلاد والمجتمع في مؤسسات ذات ثقل ضخم في الحكومة والقطاع الخاص سواء أكانت الخدمة قبل الوزارة أم بعدها؛ ولأكثرهم صلة عميقة بالتعليم ومؤسساته. ومن باب الإفادة فأصغرهم سنًا حين التعيين هو الوزير المشاري ثم د.غازي القصيبي بفارق سنة واحدة بينهما، وأكبرهم سنًا هو أ.خالد القصيبي الذي صار وزيرًا قبل بلوغه السبعين بعامين.

إن الأحساء العزيزة جدًا منجم رجال، ومستودع خبرات، ومنبع علم وأدب وشعر، ومصدر درس وفكر، ومجمع خيرات، وسلة غذاء، وبهجة للخاطر والعين، ومتنفس في السياحة والاقتصاد وغيرهما. ومن سعة البال والحال فيها أن صلاة الفجر لاتكاد أن تفوت أحدًا فيها ممن حرص على أدائها جماعة قبل انقضاء وقتها الواسع، وأن الفقه بمذاهبه حاضر في جوانبها وحلقاتها العلمية بوئام تام. ومن سمات تاريخها العريق محبتها الراسخة للبيت السعودي منذ انضمت إليه، وترحيبها المبكر بعودتها تحت جناح الملك المؤسس ورجاله. هذه صورة مجملة مختصرة عن الأحساء بما فيها من بركات ومحاسن ومناقب، وقد كان من مآثرها أن أخلص بنوها في خدمة الوطن وأهله والمقيمين عليه عبر مناصبهم الوزارية فما دونها، وهم يتشاركون في هذه الخصائص النبيلة مع بقية مواطنيهم وأناسهم في جهات البلاد كافة؛ فاللهم تقبل وزد زبارك.

ahmalassaf@

الرياض- ليلة الثلاثاء 06  من المحرم عام 1447

01 من شهر يوليو عام 2025م

Please follow and like us:

5 Comments

  1. جزاك الله خير الجزاء استاذ احمد على هذه السير الضافية والوافية عن شخصيات ورجال من الاحساء لم نسمع عنهم الا كل خير وكل بذل وعطاء. وشكرا لك ايضا عن كلامك الجميل عن منطقة الآحساء العزيزة
    بارك الله فيك وفي عملك وفي اولادك

  2. واحب اضافة بعض الاسماء من ابناء الاحساء لبعض الوزراء واصحاب المعالي :

    – معالي الدكتور عبدالرحمن الجعفري محافظ هيئة تقنية المعلومات والاتصالات ⁠
    – ⁠معالي الدكتور خالد بوبشيت رئيس المؤسسة العامة للمواني
    – ⁠معالي المهندس بدر الدلامي نائب وزير النقل
    – ⁠معالي الاستاذ عبدالرحمن العبدالقادر نائب وزير الخدمة المدنيه
    – ⁠معالي الدكتور احمد الشعيبي مدير عام معهد الادارة العامه
    – ⁠معالي المهندس عبداللطيف العثمان محافظ الهيئة العامة للاستثمار
    – ⁠معالي الدكتور يوسف الجندان مدير جامعة الملك فيصل
    – ⁠معالي الدكتور قيس الشيخ المبارك عضو هيئة كبار العلماء
    – ⁠معالي الدكتور عبدالاله الملا عضو هيئة كبار العلماء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

X (Twitter)