لا غرابة أن تغدو مسيرة إصدار الأنظمة والتقنين مسألة لافتة في تاريخ المملكة العربية السعودية؛ ذلك أن هذا البلد العظيم، حديث النشأة بصورته الأخيرة قياسًا لغيره، ولم يتعرض لتأثيرات أجنبية في جلّ أنحائه، وقد تكونت الدولة الحديثة في مجتمع يغلب عليه طابع متوارث راسخ، مع البعد عن التعقيد في الحياة اليومية الرسمي منها والشعبي، إضافة إلى وجود المقدسات الإسلامية، وتجذر تدريس الفقه الإسلامي، وتطبيقات القضاء الشرعي، وبعض العوائد والتقاليد القبلية.
لذلك جاء السؤال عن إصدار الأنظمة في الدولة السعودية الثالثة، والبحث عن تاريخ هذا العمل التنظيمي “التشريعي”، وأبرز تطوراته، مع محاولة استجلاء أبرز خصائصه، واستشراف مستقبله، وكل ذلك دون توسع. وقد صادفت جدلًا راقيًا، وحجاجًا علميًا، في مصطلحات “النظام”، “القانون”، و”التشريع”، ومناط الإشكال ينحصر في حكم استعمالها، إذ اختلفت الآراء بين رافض لاستخدامها من منطلقات شرعية، وبين مفرق بين استخدامها ابتداء أو بناء، وبين المجيز لاستخدامها بإطلاق.
لست أهلًا للفتوى بلا تواضع، لكني أحب الانصراف عن الجدال والمراء، خاصة إذا تباعد عن رحابة العلم إلى ضيق المغالبة والتحدي. سيظلّ التشريع الابتدائي حقًّا لله خالصًا، أما التشريع بناء على نصٍّ شرعي أو مصلحة معتبرة أو نظام مرعي، فهو عمل بشري صرف. والقانون كلمة مستعملة ولا بأس منها، وأظن أن تجاوز إطالة الخوض في هذا الأمر، مع الاكتفاء بتوضيح المعاني أجدى؛ حتى لا تستنزف الجهود، ولا يتخذ شيء منها للمناكفة، خاصة أن ملامح العمل التنظيمي ومرجعيته في بلادنا واضحة مثلما سيتبين. هذا لا يمنع من شكر الباحثين الذين درسوا هذه المسائل، واجتهدوا فيها وفي تبيانها بإحسان مع أجر أو أجرين من المولى الكريم.
بناء على ذلك، يمكن تقسيم إصدار الأنظمة في المملكة العربية السعودية إلى مراحل زمنية كالتالي:
المرحلة الأولى: بعد دخول الرياض وقبل ضم الحجاز (1319-1343=1902-1924م):
يثور تساؤل عن طبيعة الأنظمة السائدة في البلاد بعد أن تمكن الملك المؤسس عبدالعزيز -رحمه الله- من استرداد الرياض عام (1319=1902م) إلى أن استطاع ضم الحجاز بداية من عام (1343=1924م). والإجابة المختصرة عن هذا السؤال الذي يحتاج جوابه لمزيد استقصاء لا يستوعبه المقال، هو أن المناطق التي استعاد عبدالعزيز السيطرة عليها جنوب العاصمة وشمالها وشرقها، قد جرى العرف السائد فيها على تحكيم الشريعة الإسلامية في أكثر شؤونها، وبالتالي ينصب ولي الأمر أميرًا لكل منطقة، ومعه قاض شرعي وإمام ومعلم، ومسؤول عن المال، وآخر لضبط الأمن. هكذا سارت الأمور في هذه المناطق التي لم تعهد وجود أنظمة مقننة؛ لانقطاع اتصالها بالعالم الخارجي أو ضعفه، واكتفائها بالمرجعيات الفقهية خاصة الفقه الحنبلي باستثناء الأحساء ذات التنوع الفقهي الواسع، ولبعضها عوائد قبلية وتقاليد محتفظ بها.
ثمّ اقتضت الضرورات السياسية أن يعقد الملك عبدالعزيز مع حكومة بريطانيا معاهدتين قبل ضم الحجاز، المعاهدة الأولى: معاهدة دارين عام (1334=1915م)، والمعاهدة الثانية: معاهدة العقير عام (1341=1922م)، وشاركت في هذه المعاهدة الكويت والعراق. ومع أن المعاهدتين لهما شأن سياسي خالص؛ إلّا أن لهما مساسًا بالقانون، ولا يُحفظ أن الملك عبدالعزيز استعان بمتخصص في القانون إبان إبرامه هاتين المعاهدتين، ولكن ضمت الوفود المشاركة معه أسماء بارزة من مستشاريه السعوديين والعرب، منهم الباشا عبداللطيف المنديل، والدكتور عبدالله الدملوجي، والأستاذ أمين الريحاني، هذا غير البصيرة التي وهبها الله للملك في بعد النظر، ومعرفة خبايا الأمور.
ومن خلال استقراء التاريخ السياسي والإداري المعروف لهذه المرحلة، نجد أن ملامح النظام والقانون والعمل التنظيمي “التشريعي” لم تكن ظاهرة خلال تلك الحقبة في الدولة التي بدأ الملك عبدالعزيز في تأسيسها منذ دخوله الرياض، إلى ما قبل ضم الحجاز. كانت الإدارة اليومية حسبما يرى ولي الأمر، أو باجتهاد رجاله في البلدات الصغيرة والكبيرة، مع بقاء المرجعية للقضاء الشرعي في الموضوعات ذات العلاقة.
المرحلة الثانية: الأنظمة بعد ضم الحجاز حتى تكوين مجلس الوزراء (1343-1373=1924-1954م):
عندما ضم الملك عبدالعزيز الحجاز واستعادة السيطرة عليه بداية من أواسط عام (1343=1924م)، وجد أن البيئة الحجازية أكثر تطورًا من الناحية التنظيمية، سواء في مجال الأنظمة والقوانين، أو في الإدارة والتراتيب الإدارية. وليس بغريب أن يقتنص الملك هذه الفرصة المواتية لللانطلاق منها، والبناء عليها، مع تصحيح ما يلزم، وهو الذي صار بفضل الله وتوفيق، ثم بحكمة التدرج التي اتخذها الملك منهاجًا له.
يعود هذا الفرق الكبير بين الحجاز ومناطق نجد والأحساء إلى عوامل من أهمها:
- وقوع الحجاز تحت سيطرة فعلية للدولة العثمانية التي كان لها مجلة أحكام شرعية، وإصلاحات تنظيمية بعضها منقول عن فرنسا وبعض دول أوروبا.
- ارتفاع مستوى التعليم والوعي القانوني في الحجاز، وهو الأمر الذي لم يفوت الملك اغتنامه لصالح بلاده وشعبه.
- كثرة الوافدين على الحجاز للحج والعمرة، وهذا الاحتكاك نجم عنه معرفة أوسع، وحاجة أشد لهذه الترتيبات في التعامل التجاري مع الوفود.
- وجود سفارات وقنصليات أجنبية في الحجاز قبل دخول الملك عبدالعزيز إليها، وعددها تسع تمثل دولًا أوربية أبرزها بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وهولندا وروسيا.
يمكن قسمة هذه المرحلة إلى قسمين:
الأول: إصدار الأنظمة بعد دخول الحجاز وقبل توحيد المملكة بين عامي (1343-1351=1924-1932م):
صدر أول بلاغ صدر عن الملك عبدالعزيز بمجرد دخوله إلى مكة، ونشر بعد أيام من إعلانه في العدد الأول من صحيفة أم القرى بتاريخ 12 من شهر جمادى الأولى عام 1343= 09 من شهر ديسمبر عام 1924م، وورد فيه النص صراحة على أن “مصدر التشريعات والأحكام لا يكون إلّا من الكتاب والسنة والفقه”. وفي شهر جمادى الآخرة من عام 1344، أمر الملك بتكوين هيئة تأسيسية لوضع تنظيم للحكم، وبعد سبعة أشهر من ذلك الأمر، صدرت التعليمات الأساسية للمملكة الحجازية، ووافق عليها الملك بتاريخ 21 من شهر صفر سنة 1345= 30 من شهر أغسطس عام 1926م.
ثم أعلن الملك عبدالعزيز عام 1346= 1926م عن رغبته في وضع مجلة للأحكام الشرعية مستنبطة من كتب المذاهب الأربعة، ونشرت هذه الرغبة الملكية في العدد (141) من صحيفة أم القرى. في هذا الإعلان إشارة لافتة إلى أن المذاهب الفقهية الأربعة كلها معتبرة في بناء الأنظمة السعودية، حتى لو كانت المرجعية القضائية السائدة للفقه الحنبلي، وعلى هذا العمل حتى الآن، مما يدل على أفق واسع، وقبول للجميع.
كما تكوّن بعد ضم الحجاز مباشرة أكثر من مجلس للشورى، بمختلف أسمائه وأنظمته وطرق تحديد أعضائه وعددهم. واللافت في نظام مجلس الشورى الصادر عام 1346 ورود نص واضح على أن سنَّ القوانين والأنظمة من أعمال المجلس ومهامه. عقب ذلك وافق الملك في 19 من شهر شعبان عام 1350= أواخر أغسطس عام 1931م على نظام مجلس الوكلاء، وهو مجلس تنفيذي يشبه مجلس الوزراء، أسس بتاريخ 28 من شهر جمادى الآخرة عام 1350 = 09 من شهر نوفمبر 1931م. ويحق لهذا المجلس أن يصدر التشريعات إذا حضر معهم نائب رئيس مجلس الشورى وأعضاء المجلس، وفي حال غيابهم يكتفي مجلس الوكلاء بالمهام التنفيذية فقط.
الثاني: إصدار الأنظمة بعد توحيد المملكة وقبل تكوين مجلس الوزراء بين عامي (1351-1373=1932-1954م):
في 17 من شهر جمادى الأولى عام 1351= 18 من شهر سبتمبر عام 1932م صدر أمر ملكي تاريخي بتوحيد البلاد تحت اسم “المملكة العربية السعودية” بناء على مقترحات عديدة من رجال دولة وفكر فيهم عدد من علماء الشريعة وخبراء القانون، وقد نص الأمر ذاته على أن يضع مجلس الوكلاء نظامًا أساسيًا للمملكة، ولتوارث العرش، وهو ما تم فعلًا حسب خبر وارد في العدد (610) من صحيفة أم القرى نشر في 26 من شهر جمادى الأولى 1355= 14 من شهر أغسطس عام 1936م؛ لكن الأحداث الدولية المتوالية، والضائقة الاقتصادية بعد الحرب العالمية الثانية، لم تساعد على تفعيله.
أما القرار التنفيذي الأهم في هذه المرحلة، وبه اكتملت مؤسسات الدولة الكبرى، ويمثل تطويرًا لمجلس الوكلاء، فهو ما أُعلن عنه في مستهل شهر صفر من عام (1373=1953م)؛ إذ أصدر الملك عبدالعزيز أمره التاريخي بتكوين مجلس الوزراء، وأسند إليه الأعمال التنظيمية دون استقلال بها، لكن هذا المجلس لم يجتمع، ولم يسر نظامه المختصر إلّا بعد وفاة الملك -رحمه الله-، وما تبعه من تحديث لنظام المجلس.
وحسب الإحصاءات المتوافرة، صدر خلال هذه المرحلة مئتان وتسعة وعشرون نظامًا بين عامي (1343-1373=1924-1954م)، على اختلاف بينها في الأهمية والطول والاستمداد، فبعضها أفاد مما كان موجودًا قبل الحكم السعودي، وأبرز مثال على ذلك نظام المحكمة التجارية الصادر عام (1350) المستقى من عدة قوانين عثمانية. علمًا أن عدد الأنظمة الصادرة بين عامي (1343-1351=1924-1932م) يصل إلى أربعة وتسعين نظامًا، والبقية صدرت بين عامي (13551-1373=1932-1954م).
هذه الأنظمة التي تناهز المئة، صدرت وأعلنت ونفذت قبل توحيد المملكة، وترافق معها تطوير قضائي مؤسسي، وكان لتطبيقها أثر لافت؛ إذ ساهمت في تقبل باقي أجزاء البلاد للعمل التنظيمي، وأوجدت الاعتياد التدريجي عليه؛ خاصة بعد التداخل الإداري والشعبي بين الحجاز والمناطق الأخرى، وتيسر سبل التواصل التي قطعت في أواخر أيام الشريف، وبالتالي أصبحت أجزاء البلاد كافة في وضع ملائم لاستقبال ما سن من أنظمة جديدة، وفي حال استعداد وتهيئة للمزيد، وهو ما حدث فعلًا.
مما لا يفوت التنبيه إليه وسياقه متصل، أن الحكومة سارعت إلى تلبية حاجة الدولة لأصحاب الاختصاصات المختلفة، وذلك بإرسال البعثات التعليمية إلى مصر منذ مبايعة الملك عبدالعزيز في الحجاز، وأمره بإنشاء المعاهد والتحضير للبعثات التي توالت، وبعض الدارسين في مصر ثمّ لبنان والعراق هم من طلائع القانونين السعوديين سواء كانوا من المبتعثين على حساب الحكومة، أو من الأسر السعودية التي عاشت في الخارج، ولها صلات مع حكومة بلادها وقادتها؛ ونتج عن ذلك حضور قانوني كثيف ولافت في مجلس الوزراء، وفي أجهزة الدولة المختلفة حتى يومنا، وهو في ازدياد، مع تتابع افتتاح كليات وأقسام للشريعة والحقوق والقانون والأنظمة.
كذلك يحسن الإشارة إلى أن الملك عبدالعزيز استعان برجال عدة ممن درسوا الحقوق والأنظمة، مثل السيد عبدالوهاب نائب الحرم الذي درس الحقوق بتركيا، والشيخ محمد مغيربي فتيح الذي نال شهادته من لوزان، وهما من أهل الحجاز، ويضاف لهما الأستاذ موفق الألوسي، والشيخ يوسف ياسين، والأستاذ فؤاد حمزة الذي استقطبه الملك، ووضعه على رأس لجنة وضع الأنظمة بمجرد وصوله للمملكة عام (1345=1926م)، وشارك معه في هذه اللجنة الشيخ مغيربي وآخرون. ونستطيع القول بناء على ما مضى، أن السنوات الواقعة بين عامي (1343-1373=1924-1954م) حفلت بالنشاط فيما يخص إصدار الأنظمة، وأنها مهدت للمرحلة التالية التي شهدت توسعًا كبيرًا في مجالات الأنظمة، وفي توسيع سبلها، وإحكام العمل عليها.
المرحلة الثالثة: إصدار الأنظمة بعد تكوين مجلس الوزراء حتى الوقت الحالي (1373-1446=1954-2025م):
مرت عملية إصدار الأنظمة بعد تكوين مجلس الوزراء بأكثر من صورة وتطور، ولكل واحدة ما يميزها من ناحية طريقة الإصدار، وصلاحيته. وقد شهدت هذه الحقبة صدور عدد كبير من الأنظمة، منها أنظمة أساسية، وأخرى قضائية لتنظيم العمل القضائي في المحاكم، ولتيسير سبل التعاقد مع الشركات الأجنبية، أو بين الشركات المحلية. وتحفظ عدة مواقع على الشبكة العنكبوتية نصوص هذه الأنظمة واللوائح وما جرى عليها من تعديلات بمتابعة دقيقة، وأكثر هذه المواقع خدمة للباحث هو موقع هيئة الخبراء التابعة لمجلس الوزراء، ومواقع أخرى مثل: موقع نظام، والمركز الوطني للوثائق والمحفوظات، والبوابة القضائية، وموقع محامو المملكة، وغيرها. ويمكن قسمة هذه المرحلة إلى قسمين:
الأول: إصدار الأنظمة منذ تكوين مجلس الوزراء عام (1373=1954م) إلى ما قبل إعادة تكوين مجلس الشورى عام (1414=1993م):
استمرت الأنظمة في الصدور منذ تكوين مجلس الوزراء عام (1373=1954م) بالتشارك مع مجلس الشورى، ثمّ استقل مجلس الوزراء بإصدارها فعليًا، وانفرد بامتلاك هذه الصلاحية صراحة بصدور نظام المجلس الجديد عام (1377=1957م)، ولم يعد لمجلس الشورى أي مشاركة في العمل التنظيمي “التشريعي”. وكان لمجلس الوزراء ذراع ناهض في هذا الباب هو شعبة الخبراء التي أصبحت هيئة للخبراء تتبع المجلس، إضافة إلى منح الصلاحية للوزراء بالاقتراح فيما يخص الأنظمة، وأوضح نظام المجلس كيفية الاقتراح، والإعداد، والنقاش، والاعتماد، والإصدار.
ومهما يكن للأنظمة العادية الصادرة من أهمية وتداخل مع شؤون المجتمع والناس، وهي أنظمة كثيرة جديدة أو محدّثة؛ يبقى أن أبرز أعمال نظامية تاريخية في هذا القسم تظهر في قرارين مهمين، أولهما: إصدار النظام الأساسي للحكم، والأنظمة الثلاثة الأساسية، حيث ترافق معه في اليوم ذاته نظامان (نظام مجلس الشورى، ونظام المناطق)، وتبعه نظام واحد بعد عامين (نظام مجلس الوزراء)، والثاني: إعادة تكوين مجلس الشورى.
ففي السابع والعشرين من شهر شعبان عام 1412= الأول من شهر مارس عام 1992م، أصدر الملك فهد -رحمه الله- أوامر ملكية باعتماد النظام الأساسي للحكم، وهو أعلى وثيقة دستورية سعودية، لكنه محكوم بالقرآن والسنة كما نص النظام على ذلك صراحة. وقد تزامن مع صدور هذا النظام صدور نظام مجلس الشورى، ونظام المناطق، وبعده بعامين صدر النظام الجديد لمجلس الوزراء عام (1414=1993م). وهذه الأنظمة الأربعة مستثناة من سلطة مجلس الوزراء التنظيمية، ولا يجري عليها أي شيء إلّا من الطريق الذي صدرت به، وبالأداة ذاتها.
لقد عملت على كتابة النظام الأساسي للحكم، ونظامي الشورى والمناطق، عدة لجان رأسها الأمير نايف -رحمه الله- وشارك فيها رجال دولة كبار من وزراء ومشايخ وقانونيين، وتواصل عملهم الدؤوب خلال أزيد من عشر سنوات، وقبلها عملت لجان أخرى للغاية نفسها دون أن يصدر عنها عمل مكتمل. هذا الموضوع حقل خصب للكتابة التاريخية والنظامية، خاصة أن النظام الأساسي احتوى على ثمانية وعشرين مجالًا لا بد من العمل بها وفق نظام يصدر لها، واتضحت فيه خصوصية البلاد وهويتها ومرجعيتها، وكتب بلغة متينة، ومبادئ عظيمة، ومعان عميقة.
الثاني: إصدار الأنظمة منذ إعادة تكوين مجلس الشورى عام (1414=1993م) إلى اليوم:
أعيد تكوين مجلس الشورى من جديد في عام (1414=1993م)، وأعطيت له صلاحية مراجعة الأنظمة المعدة من قبل مجلس الوزراء وهيئة الخبراء، ثم منح في تحديث لنظام المجلس حق اقتراح الأنظمة، وصلاحية تفسيرها، علمًا أن النص على هذه الصلاحية التفسيرية لم ترد صراحة لصالح جهاز آخر غير مجلس الشورى، مع أن العرف المعمول به يقتضي بأن المصدر هو الأولى بالتفسير؛ وعلى هذا العمل.
وقد أصدر الملك عبدالله -رحمه الله- من مكة في السادس والعشرين من شهر رمضان عام 1427= 19 من شهر أكتوبر عام 2006م، نظام هيئة البيعة، وهذه الأنظمة الخمسة ( النظام الأساسي، نظام مجلس الشورى، نظام المناطق، نظام مجلس الوزراء، نظام هيئة البيعة) صدرت بأمر ملكي خلافًا للمعتاد في صدور الأنظمة بأداة أخرى هي المرسوم، مما يشير إلى علوها في الهرم التشريعي على جميع المعاهدات الدولية والأنظمة العادية واللوائح، علمًا أن الأنظمة الأربعة محكومة بالنظام الأساسي للحكم، والنظام الأساسي متقيد بما يوافق الكتاب والسنة كما جاء النص صريحًا في المادة الأولى والسابعة ومواد أخرى كثيرة، والحمدلله.
ثمّ بناء على التطورات المحلية، صدر تباعًا في عهد الملك عبدالله، وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -حفظه الله وأمتع به- نظام القضاء الجديد، ونظام الإجراءات الجزائية، ونظام المرافعات، ونظام التحكيم، ونظام التنفيذ، وذلك ابتداء من عام (1428=2007م) فما بعده من سنوات إلى يومنا، وشهد هذا القسم حراكًا لافتًا في هذه الأنظمة المرتبطة بالتحقيق، والترافع، والقضاء، والتحكيم، والتنفيذ.
تلا ذلك وثبة تنظيمية تاريخية بصدور الأنظمة الأربعة: الأحوال الشخصية، والإثبات، والمعاملات المدنية، والعقوبات التعزيرية (لا يزال هذا النظام تحت المراجعة)، ابتداء من عام (1442=2021م). وقد صدرت هذه الأنظمة بعد إعدادها من قبل لجنة تشريعية عليا اسمها لجنة إعداد التشريعات القضائية، ويشرف عليها ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء، مما يؤكد على أهميتها، وعلى عناية الحكومة الفائقة بالشأن التنظيمي “التشريعي”.
ولمواكبة هذه التطورات، صدر دليل لإعداد التشريعات وصياغتها من قبل المركز الوطني للتنافسية بناء على قرار لمجلس الوزراء صدر عام (1438) وتضمن تعليمات إرشادية في هذ الباب، وقد صدر هذا الدليل الإرشادي عام (1444=2022م)، وهو من أمتن الأدلة العربية، وأكثرها إحكامًا حسب إطلاعي دون غمط للموجود من أدلة مصرية وفلسطينية وإماراتية وغيرها. كما صدر عن المركز الوطني للتنافسية عدة أدلة مصغرة لإعداد الأنظمة، ومراجعتها، وكتابة التعليقات عليها، والتقاضي بموجبها، وهذه الأدلة العملية تشير إلى أن التطور ليس في العمل التنظيمي فقط، وإنما في الطريق إليه، ومعه، وبعده.
بعد هذا الاستعراض الموجز لتاريخ إصدار الأنظمة في المملكة العربية السعودية، يتضح أن الموضوع بحاجة إلى دراسة مستفيضة تجمع شتاته، ويشتمل على تاريخ العمل التنظيمي “التشريعي” في المملكة، والأجهزة واللجان والهيئات والمجالس التي تولت مسؤولية هذا العمل المركزي والمرهق أو شاركت فيه، وأبرز رجالاته، إضافة إلى استقراء أبرز خصائصه وفرائده المرتبطة بالمنهج الشرعي القويم، وتتبع تطوراته، واستشراف مستقبله المتوقع بناء على المتغيرات المحلية، وعلى رأسها رؤية المملكة (2030)، إضافة للحراك العالمي في هذا المجال، وما قد يحدثه الذكاء الاصطناعي من تغيير وتطوير.
الرياض- الاثنين 25 من شهرِ شعبان عام 1446
24 من شهر فبراير عام 2025م
- من أجل إعداد هذه المادة رجعت إلى:
- د.إبراهيم بن عويض العتيبي، “تنظيمات الدولة في عهد الملك عبد العزيز 1343-1373/1924-1953م”، أصدرته جامعة الملك سعود بمناسبة المئوية، الطبعة الأولى 1419=1998م.
- أحمد بن عبدالمحسن العساف، مدونة أحمد العساف. https://ahmalassaf.com
- بكر بن عبداللطيف الهبوب: “رفع الحرج المظنون عن استعمال لفظ “القانون”، مجلة العدل، السعودية، العدد (42) ربيع الآخر 1430.
- د.بندر بن عبدالرحمن بن معمر، “صورتان ترويان قصة 100 عام من التطور القانوني وبناء القادة في الدولة السعودية”، جريدة الشرق الأوسط، 22 سبتمبر عام 2022م = 25 صفر 1444.
- د.تهاني بنت جميل الحربي، “القنصليات الأجنبية في جدة (1252-1344/ 1836-1925م) دراسة تاريخية وثائقية”، إصدار مركز الملك سلمان لدراسات تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها (22) الطبعة الأولى 1440=2019م.
- خير الدين الزركلي، “الوجيز في سيرة الملك عبدالعزيز”، دار العلم للملايين، الطبعة الخامسة 1988.
- د.سعد بن مطر العتيبي: “مصطلح (التشريع) ومشتقاته في الاستعمال الحقوقي”، مجلة الأصول والنوازل، السعودية، العدد (12)، 1435=2014م.
- أ.د.عبدالله بن إبراهيم الطريقي، “النظام السياسي للسعودية”، غيناء للنشر، الطبعة الأولى 1429=2008م.
- محمد بن إبراهيم بن جبير. موقع اليوتيوب. https://www.youtube.com/watch?v=Yscve3CuhQQ
- أ.د.محمد بن سعود البشر و د. منصور بن عبدالرحمن الحيدري، “النظام العدلي في السعودية: خصائص فلسفية وتجارب عملية، ونقاشات دولية”، مركز الفكر العالمي عن السعودية، الطبعة الأولى 1436=2015م
- د.محمد عبدالجواد محمد، “التطور التشريعي في المملكة البعربية السعودية”، ، منشأة المعارف، الطبعة الأولى 1977م.
- د.محمد بن عبداللطيف آل ملحم. https://malmulhim.net
- د.محمد بن عبدالله المرزوقي، “السلطة التنظيمية في المملكة العربية السعودية”، جمعية قضاء (33)، الطبعة الرابعة 1444.
- د.محمد بن عبدالله المرزوقي، “معالم العمل التنظيمي في المملكة العربية السعودية”، جمعية قضاء (42)، الطبعة الأولى 1445.
One Comment
مقال متين
وسرد تاريخي موفق
ماشاء الله تبارك الله