أُعجب الملك عبدالعزيز بكنية أحد عظماء رجاله، وهو الباشا عبداللطيف المنديل البدراني الدوسري من أهل جلاجل، الذي كان وأسرته من قبل وكلاء قدماء لحكام الدولة السعودية في البصرة؛ فقرر الملك المؤسس أن يطلق ذلكم الاسم على أحد أبنائه، وقابل الباشا هذه المجاملة الملكية بتسمية أحد أبنائه باسم سعود. ورد هذا الاسم في أبيات شعرية مدح بها الشاعر العراقي معروف الرصافي الباشا المنديل بقوله:
أبا ماجد إني عهدتك مبصرًا خفايا أمور أعجزت كل مبصر
إذا خفيت يومًا عليك حقيقةٌ نظرت إليها من ذكاءٍ بمجهر
وإن ليلةُ الخطب ادلهمّت كشفتها بأوضاح صبحٍ من فعالك مسفر
فأصبح هذا الاسم الجميل مبناه، الجليل معناه، من نصيب الابن السابع والعشرين للملك عبدالعزيز، وهو الأمير الفخمة ملامحه، العبقة مآثره، الدائمة بسمته، ماجد بن عبدالعزيز آل سعود (1357-1424=1938=2003م)، وبذلك غدا من أوائل من حملوا هذا الاسم في الأسرة الملكية العريقة، وقد سبقه عليه أخ توفي صغيرًا، وأحد أوائل أبناء الملك سعود، ثم تكرر اسم ماجد في الأسرة عدة مرات.

يكاد أن يجمع من عرفوا الأمير ماجد على بروز خصلتين عظيمتين فيه، الأولى: أن التيسير لديه منهج راسخ بعيدًا عن التعقيد، وبلا تجاوز لأحكام شرعية أو أنظمة مرعية، والثاني أنه أينما حلَّ جلب معه البهجة والبسمة بتعليقاته، وكثير منها تكون جوابًا مختصر المحتوى واضح الدلالة مغلفًا بطرفة؛ مثلما حدث في مجلس الوزراء إبان نقاش التقويم الدراسي المتوافق مع رمضان والحج، واختلاف الآراء فيه، فقال الأمير ماجد: لدي مقترح، فصمت المجلس استعدادًا لسماع مقترحه الذي كان سحب رمضان إلى الحج، أو تقديم الحج إلى رمضان، فضحك المجلس، ووصلت رسالة الأمير بأن التقويم الدراسي لا مناص من تداخله مع هذه المواسم، وهو الذي مضى العمل بموجبه.
من مزاياه الإدارية حرصه على تطبيق النظام على الجميع، وحماية الحقوق العامة والخاصة، وقد امتثل هذا النهج إبان عمله أول وزير للشؤون البلدية والقروية فيما يخص الأراضي والمنح حتى طلبه الاستعفاء من هذا المنصب، واستمر على طريقته الواضحة في إمارة مكة التي أمضى فيها عقدين من السنوات، وحرص على تحصين الأوقاف، ورعاية حقوق الملاك، ولو أدى ذلك لإغضاب من يعز عليه إغضابه، أو لتحمل الحكومة دفع مبالغ مالية مجزية من أجل نزع الملكية بسماحة نفس من أصحابها. وفي طريقته الإدارية يتقاسم العمل مع فريقه، ويمكن نوابه ومساعديه، وينسب للجميع الفضل في المنجز.

ومما يروى عن الأمير ماجد أنه يذهب للحرم المكي إبان إمارته لمكة متخففًا من الحراسات الظاهرة قدر المستطاع، وبلا موكب غالبًا. وكذلك يفتح باب المكتب والمنزل لاستقبال الناس والمراجعين، فمن فلسفته في الوظائف محبته لأي عمل فيه علاقة مباشرة مع المستفيد، مما يدل على سعة نفسه لتحمل الناس على اختلافهم، وفرحه بظهور الأثر المباشر على وجوه الآخرين، حتى قال مرة: عندي استعداد لأن أفقد أي شيء إلا علاقتي الحسنة مع الناس.

وقد عرفت من هذا الباب أمثلة جلية، سواء من أصحاب الشأن مباشرة، أو ممن سمع الخبر من أصحابه، فمنها أن رجلًا أراد الحصول على تصريح زواج فعسّر عليه بعض الموظفين إتمام طلبه مع أنه نظامي إلّا أن بعض الخلق ضيقة عينه ونفسه، فلبس صاحب الطلب إحرامه، ودخل على الأمير في مكتبه، وقال له: أنا ذاهب من الإمارة إلى الحرم كي أتعلّق بأستار الكعبة وأشكوكم عند الله! فسأله عن قصته، وما خرج الرجل المحرم من عنده إلا بتصريح الموافقة، ولست أدري أيجوز للمحرم -شرعًا- ذلك الإجراء أم لا!
وحدثني آخر أن الجوازات ألقت القبض على أحد الباعة المتجولين من غير المواطنين، فجاء قريبه إلى مجلس الأمير المنزلي المنعقد مساء كل أربعاء، وعرض عليه الأمر، فوجه أبو مشعل المسؤولين من فوره بمتابعة الأمر، وإطلاق سراح البائع بعد تطبيق الأنظمة عليه التي ليس من ضمنها حجزه؛ لأن الواقعة برمتها يسيرة لا تستأهل ذلك بناء على المتبع. ومن هذا الباب في التعاون والتيسير مبادرته لمنح إقامات رسمية لعدد من الأعلام بمكة، وإنهائها بيسر لتكون الإقامة نظامية مسجلة سارية الأثر.
ومن سيرته العملية محبته الحقيقية للشورى، وسماع الآراء، وإحالة أي موضوع لأهل المعرفة والاختصاص فيه؛ ذلك أنه يقدر مسألة الاختصاص بشأن ولا يتجاوزها. ومنها تقديره للعاملين بإخلاص لأجل البلد، ومن أجل ذلك توجه إلى المطار في يوم إجازة لاستقبال أحد موظفي الدولة بعد نجاته من خطر تعرض له في سفره لأداء مهمة رسمية، مع أن هذا التصرف ليس من صميم عمله. ويحرص الأمير على دعوة ضيوف الحكومة والوزراء إذا حضروا إلى جدة، ويقيم لهم مناسبات غداء أو عشاء.
أما إشاعة البهجة، ونشر المرح، والاستقبال بالبشاشة، فقد شهد بها كل من عرف الأمير، وأشاد بها الوزير د.الخويطر، والوزير د.القصيبي. من ذلك ما ذكره القصيبي في كتابه “الوزير المرافق”، وخلاصته أن رئيس فرنسا “ميتران” قرر زيارة الرياض عقب انتخابه مباشرة، والحكومة آنذاك كانت في الطائف، فتشاوروا فيمن يكون الوزير المرافق، وتشعبت الآراء، حتى حسمها أمير مكة ماجد بقوله: الضيف اسمه ميتران، وعندنا وزير طوله متران، فليكن هو الوزير المرافق معه؛ وبذلك أصبح أبو يارا وزيرًا مرافقًا، علمًا أن هذا المقترح مناسب لشخصية زعيم فرنسا المشهور بثقافته وحبه للأدب والتاريخ.
ومن مواقفه الطريفة أن ضمه مجلس مع آخرين بحضور الوزير القصيبي، فتجرأ أحد الحضور سائلًا القصيبي عن وزنه! هو سؤال في غير محله لا سرًا ولا جهارًا، فتدخل الأمير ماجد وأجاب السائل بقوله: خطوط الكهرباء لدينا نوعان: 110 و 220، ووزن وزير الكهرباء بينهما! ومع لطف هذا الجواب إلّا أنه صعق السائل وأسكته. ويرضى الأمير الذي يقتنص الفرصة لإشاعة الفرح وتلطيف الجواب بالطرفة الملائمة الصادرة من غيره؛ ومن هذا القبيل ابتسامته من الهدية التي أرسلها له الوزير أ.هشام ناظر بعد تعيين ماجد وزيرًا للبلديات، والهدية هي علبة كبيرة فيها “دركتر وشيول”!
كما عرف عن الأمير اهتمامه الثقافي سواء بالتحصيل العلمي داخل المملكة أو خارجها، حتى سهل عليه التحدث بالإنجليزية، وعرف شيئًا من الفرنسية، وعوض الانقطاع عن الدراسة لأسباب خارجة عن الإرادة؛ فقرأ في التاريخ والأدب والفكر، وجالس والده وإخوانه الكبار وقدامى المستشارين ورجال الدولة، وطالع المجلات والصحف مبكرًا، وكوّن آراءه الخاصه في الإدارة، والخدمة العامة، والتعليم، وكثير من شؤون المجتمع والأسرة والتربية، ولم تخف نظراته ومبادؤه هذه على فطنة إخوانه الكبار؛ فاختاره الملك خالد وولي عهده الأمير –الملك- فهد ليكون أول وزير للبلديات، وهي وزارة متداخلة مع الناس والمنافع العامة.

وعلى صعيده العائلي الخاص، اكتفى الأمير ماجد بزوجة واحدة من أسرة المهنا أبا الخيل العريقة، وقد أنجبت له سبعة من الولد، هم ابنان وخمس بنات، والكبرى منهن حصدت لقب أول طبيبة في أسرة آل سعود الحاكمة كما ذكر والدها -في لقائه الصحفي الطويل مع الأستاذ الوعيل- وفيه أعلن سعادته السابغة بتفوق ابنته الكبرى د.مشاعل التي ولدت وعمر أبيها دون العشرين. ليس هذا فقط؛ ففي عائلته مواهب أخرى في الرسم والشعر، مع العناية بالدراسة واللغات. وقد منح الأمير لبيته جزءًا من الوقت في الحضر والسفر والحوار، وتشارك معهم في الهوايات مثل القراءة وممارسة أصناف الرياضات التي جعل لها أبو مشعل وقتًا من يومه، ومكانًا في منزله، ومدربًا خاصًا، وجزءًا من أحاديثه.

كذلك فللأمير ماجد صلات ممتازة وثيقة مع إخوانه منذ بواكير عمره، وعبّر عنها شفهيًا ناقلًا وصية والده بترابط الإخوة، وتطبيقيًا بتوقير الأكبر منه وخدمة الأصغر، فظهرت آثار هذه العلائق المتينة في محياه ومماته، ولذلك حضر جلّ إخوانه جنازته في المسجد الحرام، وشاركوا في تشييعه، واستبان التأثر عليهم دون استثناء، حتى أن الملك سلمان حفظه الله ورعاه -أمير الرياض حينها- صرح للصحفيين عن حزنه البالغ برحيل أخيه وصديقه ماجد، فاللهم يسر عليه كما يسر على الناس، واجعل الحبور والسرور من نصيبه مثلما نشرهما معه في مجالسه وأعماله، واغفر له ولجميع الراحلين المذكورين هنا وغير المذكورين من المسلمين.
الرياض- الاثنين 10 من شهرِ صفر عام 1447
04 من شهر أغسطس عام 2025م