عنوان هذا الكتاب: الدور السياسي والحضاري لعقيلات القصيم داخل الجزيرة العربية وخارجها (1200-1267/1786-1948م)، تأليف: د.محمد بن عبدالرحمن السلامة، وهو ضمن سلسلة إصدارات مركز الملك سلمان لدراسات تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها (25)، ويقع في جزءين. صدرت طبعته الأولى عام (1442=2021م)، والكتاب في أصله رسالة دكتوراة أشرف عليها المؤرخ البروفيسور محمد بن عبدالله السلمان، وفاز هذا الكتاب بالمركز الأول في جائزة الملك سلمان للدراسات العليا في تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها في دورتها الثانية لعام (1440=2019م). إن المركز والجائزة ليعبران أوضح تعبير عن عناية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -حفظه الله ورعاه- الفائقة بتاريخ بلادنا وأهلها.

يتكون الكتاب من كلمة للمشرف على مركز الملك سلمان الأمير البروفيسور نايف بن ثنيان بن محمد آل سعود وصف بها العقيلات بأنهم “حملة مشعل التواصل والتفاعل الحضاري والثقافي والوجداني مع الشعوب”، ثم المقدمة فتمهيد يعقبه سبعة فصول فالخاتمة ثم الملاحق بما فيها من خرائط ووثائق وصور بلغت واحدًا وستين ملحقًا، وأخيرًا المصادر والمراجع التي وصلت إلى ألف وثلاثمئة ما بين وثائق عربية وأجنبية محفوظة في عدة مراكز محلية وإقليمية وعالمية ولدى الأسر، إضافة للمخطوطات والرسائل العلمية، والكتب العربية والمعربة، والمرويات الشفهية، والمجلات والصحف والدوريات.

يضم الجزء الأول أربعة فصول هي: التعريف بعقيلات القصيم، والأدوار الاقتصادية لعقيلات القصيم، ثم الأدوار السياسية لعقيلات القصيم داخل الجزيرة العربية في عهد الدولتين الأولى والثانية، ويتكرر هذا العنوان في الفصل الرابع بيد أنه خاص في عهد الدولة السعودية الثالثة. وفي الجزء الثاني ثلاثة فصول ابتداء من الخامس الذي يحمل عنوان: الأدوار السياسية والعسكرية لعقيلات القصيم خارج الجزيرة العربية، ثم دور عقيلات القصيم في التمثيل الدبلوماسي، وأخيرُا الأدوار الدينية والعلمية والاجتماعية لعقيلات القصيم.

يتبين للناظر في هذا الكاتب أن قوافل العقيلات لم تكن للتجارة فقط، أو هروبًا من القحط والفقر؛ إذ كانت لهم مشاركات أصيلة في الاقتصاد بفروعه التجارية والزراعية والصناعية، وبفضلهم عرفت البلدان المجاورة ديارهم ومنتجاتها، والعكس، فصاروا أشبه بمعرض متنقل بين الجانبين. ولأن من يؤثر في الاقتصاد فلا مناص له من التقاطع مع السياسة في محيطه الذي يتحرك داخله إن في بلاده أو في خارجها من البلدان التي يتعاملون معها، حضر العقيلات في هذا المجال الخطر بما وهبوا من عقول وحنكة، وعرفوا لدى الحكومات العربية أو الأجنبية المحتلة. ومن جليل مواقفهم مبادراتهم الشجاعة الجريئة الوفية لإنقاذ أو تهريب بعض رموز الفكر أو المقاومة في تلك البلدان، الذين كانوا مطلوبين -ظلمًا وعدوانًا- للمحتل الغاشم، وهو الذي لم يقبل التعامل مع بعضهم خشية من أنفتهم وصلابة ثباتهم.
ولم تقف مشاركات العقيلات عند هذا الحد؛ فقد دفعوا بأنفسهم إلى ميادين عسكرية مخوفة؛ ولا غرو فهم الفوارس الشجعان الذين لا يهابون الموت في سبيل الحق الذي يعتقدونه. ثمّ أصبحوا من خيرة من يمثل بلادهم ويسهل أمورها وأمور رعاياها، ويعين الراغبين في الحج والزيارة، وغدو حلقة وصل موثوقة لبلادهم ومليكهم مع الحكومات الأخرى. ولأنهم من منابت أصيلة، لم ينسوا حمل أصولهم العقدية معه، ونشرها بأكثر من وسيلة، وأخيرًا فلهم مصاهرات وأعمال إصلاح وغوث ونقل للتقاليد، وهي مكرمات حفظتها لهم المجتمعات التي سعدت بهم.
كما يستبين لقارئ الكتاب أن العقيلات لم يكونوا سواء في رؤيتهم للأحداث والمصالح خاصة السياسية منها، وهذا أمر طبيعي مفهوم، بيد أن هذا الافتراق في الموقف لم يتوسع إلى شقاق بين القلوب، أو تناحر عقيلي على الأرض؛ حتى لكأنهم يجيدون مهارة التكامل، ويحسنون فقه الوفاق والتعاذر. ومما يتضح في الكتاب -ويحمد للمؤلف والمشرف والجامعة والمركز- أن موضوع الدراسة، وهو موضوع جديد في هذا الباب، قد تطرق لمناطق يتحسس منها البعض، ولا بد من بحثها، والتصالح معها، وتفسيرها بناء على السائد في ذلكم الزمن، وهذه صنعة راشدة تحول دون افتئات الآخرين والمغرضين على تاريخنا.
كذلك يجد المطلع على الكتاب أن العقيلات مع انشغالهم بالتجارة، وخوضهم في السياسة، وانغماس بعضهم في مساعدة الجيوش وأهالي البلدان ضد الغزاة والمحتلين والظلمة حتى بالقتال وجلب السلاح، لم يغفلوا عن العلم والأدب، ولهم في هذا الباب مؤلفات وصحف، وكتب تطبع أو تشترى أو تنسخ، ومخطوطات تحمى وتحفظ،، ثمّ توزع المطبوعات أو ترسل إلى ديارهم للعلماء أو لمكتبات كونوها وأوقفوا الكتب عليها. ولهم أشعار خالدة صارت من مصادر توثيق المآثر وتدوين الأحداث. لقد كان العقيلات مجتمعًا متكاملًا لم يتلهى بالتجارة- وهي الملهية المشغلة-، ولم يغفل عن إثبات نفسه أينما حل.
ولن يعدم القارئ النبيه دليلًا تلو الآخر على الكياسة التي تعامل بها الملك عبدالعزيز مع هذا التكوين المجتمعي المهم من أهل بلاده، الذين شاهدوا الدول وتنظيماتها، فاستثمر عددًا منهم في تمثيله خارجيًا، وفتح المفوضيات والقنصليات والسفارات في عدة بلدان عربية، ومنهم أسماء شهيرة مثل الشيخ فوزان السابق، والشيخ عبدالعزيز الصقير، وغيرهما من رجال الدولة. ولم يقف الملك عند هذا الحدّ، بل استقطب عددًا منهم لأعمال عسكرية أو إدارية داخل المملكة الناشئة حديثًا بعد أن وحدها، وبادر إلى الزواج منهم، وطوى الملك المؤسس صفحات من اصطفاف بعض العقيلات مع خصومه، وتلكم الخلة قبس من بصيرته النافذة، وعراقته المتجذرة في الحكم ومعالجة الناس -رحم الله الجميع-.
إن هذا الكتاب لا يقدّم سردًا لوقائع مضت فحسب، وإنما يصنع في عقل القارئ سؤالًا عميقًا مفاده: كيف تصنع جماعة غير رسمية، بلا مؤسسات صلبة ولا حدود سياسية، أثرًا يتجاوز الخرائط، ويصمد لقرنين تقريبًا، ويخوض بنجاح في مناح حياتية كثيرة حتى غدت رحلاتهم مشروعًا ثقيلًا ينتج عنه حتى بعد مرور عشرات السنين على توقفه دراسات جادة وجديدة، والباب مفتوح لمن رام التخصص أو التعمق أو التجديد فيه، فهذه الظاهرة الاجتماعية مركبة لا يمكن قصرها على شيء واحد فقط! لقد صنع الكتاب لنا مرآة لتاريخ مجتمع كامل وهو يتحرّك، ويتفاعل، ويصوغ نفسه خارج الحدود دون أن يفقد جذوره؛ فأصبحت هذه الرحلات لا تُروى… بل تُدرَس.
إن العقيلات، ورحلاتهم، ومآثرهم، وتاريخهم، وتشبثهم بمبادئهم، ورعايتهم لمصالح وطنهم، لمن مفاخر بلادنا، وجميل مآثرها القديمة الممتدة، فقد كانوا جسرًا رابطًا مستعليًا على القوى المكشرة أنيابها في بلاد العرب والمسلمين، وهذه الدراسة المستقصية المحكمة تؤكد على هذه المعاني بالتتبع الذي يقود إلى هذه النتيجة. لقد كان العقيلات جزءًا من نسيج البلاد، لم ينفصل عنه، ولم يتناساه البتة، بل ظل يحمل الحب لمنابته ومرابعه، ويلتزم بالإخلاص لوطنه ومصالحه، ويوالي الخدمة لمجتمعه وأناسه، ويدين بالولاء لقادته وزعمائه. إن رحلات العقيلات المتوالية لجديرة بمثل هذ الدرس التاريخي والاجتماعي.
الرياض- ليلة الأربعاء 18 من شهرِ رجب عام 1447
07 من شهر يناير عام 2026م