سياسة واقتصاد سير وأعلام

ماذا يصنع الوزراء بعد الوزارة؟

قد ينشغل الناس بالتعيين والتسمية لمنصب الوزير بحكم كونه مشاعًا أكثر من الخبر المقابل له عن الخروج من المنصب، مع أنهما في الأهمية سواء في كثير من الأحيان. وفيما قرأت عن دول كثيرة، لاحظت أن بعض رؤساء الوزارات قد عملوا في مناصب وزاية في حكومات تالية، وكثير من الوزراء انصرف لأعمال خاصة، أو استشارية، أو ثقافية وفكرية، أو دولية، وبالتالي فهي سمة عامة؛ ذلك أن الانكفاء على الذات قد يعجل بالهرم والمتاعب، وللوزير المصري الراحل بطرس غالي نصيحة ذهبية في هذا الباب، خلاصتها أن يتخذ المسؤول السابق مكتبًا يستقبل فيه الناس ولو كان بلا عمل!

وحين كتبت قبل عام ونصف العام، مقالًا بحثيًا عن الكيفية التي بلغ فيها الوزراء خبر تعيينهم أو ترشيحهم النهائي للمنصب، بعد بحث في حوارات ولقاءات وكتب. وقد ترافق معه موضوع آخر لم أفرغ من بحثه كليًا، ولم أكن عليه مستعجلًا، فموضوعه مختص بنهاية العلاقة الوظيفية للوزراء مع مجلس الوزراء، وربما أنشره قريبًا؛ فمادته مهمة في تاريخنا الإداري، وهي ليست سرًا من الأسرار، وجهدي فيها محصور في جمع المتفرق، والتحقق فقط، ولا يتجاوز ذلك.

ثمّ إني خلال مراجعتي لمادة هذا المقال البحثي الموعود قبل عدة ليال، ورد على خاطري سؤال أطار مني النوم حتى دونت فيه بعض رؤوس الأقلام، على أمل إكماله لأن مادته في متناول اليد، وهو عما صنعه الوزراء بعد أن غادروا مقاعدهم الوزارية في مجلس الوزراء. وهذا الحال جزء من حياة غالب الناس، ومن فوائد مناقشته الحثّ على الاستعداد لمرحلة التقاعد وترك ميدان العمل؛ وهو وضع يستوي فيه ذو المنصب مع غيره، ويتقاطعان في صور عديدة، والموفق من استعد لما سيقبل عليه في دنياه وبرزخه وآخرته.

بناء عليه، وجدت من التتبع أن الوزراء الذين انتهت عضويتهم المجلسية بغير الوفاة قد تفرقوا في كيفية قضاء الوقت بعد نهاية عملهم الوزاري، وتنوعت مساراتهم إلى:

  • العمل في جهاز حكومي آخر قائم أو جديد.
  • العمل في منظمات إقليمية أو دولية.
  • العمل في القطاع الخاص.
  • تقديم الاستشارات.
  • العمل التطوعي والمجتمعي.
  • الانصراف للثقافة والتعليم.
  • الانشغال بالحياة الخاصة باختلاف دوائرها.

فمنهم من ارتبط بعمل رسمي، ومنهم من لم يلزم نفسه بعمل منتظم وملزم. والذين عملوا منهم كان عملهم حكوميًّا أو خاصًّا أو استشاريًا أو تطوعيًا أو في منظمات إقليمية أو دولية، وبعضهم مارس عدة أعمال معًا، واختلفت هذه الأعمال في درجة نصبها ومستوى التعب فيها. ومن لم يرتبط منهم بعمل توجه أكثرهم صوب الأسرة، والمجتمع، والثقافة، والسفر. وفيهم عدد قليل جدًا اختار الانزواء والاقتصار على خاصة نفسه وعائلته.

من الموافقات أن ثلاثة أمراء غادروا المجلس وأصبحوا أمراء لمنطقة مكة، وهم الأمراء مشعل، وماجد وخالد الفيصل. كذلك فإن بعض الذين ارتبطوا بعمل حكومي أصبحوا مستشارين في الديوان الملكي، ومنهم من احتفظ بقوته الوظيفية كالشيخ إبراهيم العنقري. وأصبح عدد من الوزراء بعد الخبرة التي قضوها في المجلس الحكومي الأعلى أعضاء في مجلس الشورى أو سفراء لبلادهم، وفيهم أسماء مميزة مثل الشيخ عبدالرحمن أبا الخيل، والبروفيسور شبكشي، والشيخ المنقور، والدكتور القصيبي، وغيرهم.

كذلك فإن بعض الوزراء ذهبوا لأعمال حكومية قائمة أو مستحدثة، ففيهم من عمل نائبًا لوزير مثل الأمير بدر والمهندس الخريجي، وفيهم من ترأس ديوانًا كالأستاذ أسامة فقيه رئيس ديوان المراقبة، ومنهم من عاد لعمله السابق مثل الشيخ أ.د.سليمان أبا الخيل مدير جامعة الإمام، ود.فهد المبارك محافظ البنك المركزي. ونجد أن بعض الوزراء قد أداروا مؤسسات حكومية جديدة أو حديثة التأسيس مثل د.هاشم يماني رئيس مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية و المتجددة، ود.ناصر السلوم الذي سمي أمينًا عامًا لهيئة تطوير مكة المكرمة والمدينة المنورة والمشاعر المقدسة، ود.خالد السبتي رئيس هيئة تقويم التعليم والتدريب. ومن جليل المهام بعد الوزارة استمرار التكليف بإلقاء خطبة عرفة لمدة عشرين عامًا متوالية، وقد ألقاها في الموسم المشهود الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن حسن آل الشيخ عقب مغادرته لمقعده الوزاري.

كما صار عدد من الوزراء ممثلين لبلادهم في منظمات مثل رابطة العالم الإسلامي التي أنيطت أمانتها بخمسة وزراء، أربعة منهم تولوا المسؤولية عقب الوزارة، هم المشايخ المحمدون: الصبان -وهو  الأمين الأول- والحركان ود.العيسى، والشيخ أ.د.عبدالله التركي، ومثل أمانة منظمة المؤتمر الإسلامي التي تولاها وزيران سعوديان متتاليان هما: الأستاذ إياد مدني الذي لم يطل مقامه فيها، ود.يوسف العثيمين، وكذلك البنك الإسلامي الذي عين لإدارته الوزيران د.بندر حجار، ود.محمد الجاسر، ومثل أمانة مجلس دول التعاون الخليجي التي عمل فيها الشيخ جميل الحجيلان، ومثل د.عبدالوهاب عطار المندوب والممثل الدائم للمملكة لدى الأمم المتحدة في جنيف، ود.حسين الجزائري المدير الإقليمي لمكتب منظمة الصحة العالمية الإقليمي لشرق البحر المتوسط، ود.سليمان السليم عضو الهيئة الاستشارية للمجلس الأعلى لمجلس التعاون الخليجي.

أما الذين ذهبوا إلى القطاع الخاص ففيهم من قصر نفسه على العمل في مجموعة شركات أسرته كالمهندس الزامل والشيخ القريشي بعد أن عمل بعد الوزارة في مؤسسة النقد، أو صرفوا جهودهم في تجارة أسسوها بأنفسهم أو مع أولادهم داخل المملكة أو خارجها. وفيهم من عمل مستشارًا في شركات ومصارف مثل د.السليم، أو عملوا في شركات قائمة لأقاربهم كالشيخ د.يماني الذي عمل في مجموعة الشيخ صالح كامل، ومنهم في افتتح مكتبًا للاستشارات مثل الشيخ عبدالله الطريقي، وخلفه الشيخ أحمد زكي يماني.

وقد أحسن بعض الوزراء الذين تفرغوا أو صرفوا قسمًا نفيسًا من أوقاتهم بعد الوزارة للعمل التطوعي والخيري كالشيخ الحصين، أو لأعمال ثقافية وتأليفية والتدريس في الجامعة ومنهم أ.د. مدني علاقي و أ.د. علي النملة، وفتح المجالس الدورية مثل الشيخ محمد المرشد الزغيبي، وبعض هذه الأعمال سبق الكتابة عنها، ومنها ما هو حقيق بالبحث والبيان إذا يسر الله وأعان. ومما يحسن الختام به أن عددًا من الوزراء أمضى وقته بعد المنصب مع عائلته، أو بين المزرعة وإسطبل الخيل، وفي متعة السفر، والمجاورة بالحرمين، والعكوف في المكتبة، ولذة الكتابة، وممارسة الرياضة والبستنة، والانشغال بخير متاع في الحياة الدنيا، وغير ذلك من أعمال مبهجة للنفس والخاطر، استطاع الوزراء بها وبغيرها تحقيق انتقال سلس من صخب المنصب إلى سكون الحياة وهدوء العمر.

إنه من اللافت جدًا أن الوزراء الذين نجحوا في مرحلة ما بعد الوزارة هم غالبًا الذين كانت لهم حياة منتجة منفتحة قبل الوزارة وخلالها؛ فمن اعتاد على القراءة عاد إليها، ومن ألف التعليم رجع إليه، ومن عرف التجارة استأنفها، ومن أحب الناس والمجتمع بقي قريبًا منهم، ومن ذاق نعيم التطوع لم يحرم نفسه منه، أما الذي جعل المنصب هويته الوحيدة، وغاية نفسه ومنتهى أمله؛ فقد تكون مغادرته أشد عليه، وحياته عقب الفراغ أشق وأصعب.

ولأن الإعفاء من المنصب أو نهاية التوزير بصدور تكوين وزاري جديد لا يقدح في الوزير السابق، ولأن الحكومة جادة في استثمار الكفاءات بما يناسب، فقد دعي عدد منهم بعد ترك الوزارة للعمل سفيرًا، أو مديرًا لجامعة، أو عضوًا في مجلس الشورى، أو قائدًا لمؤسسة أو هيئة، فآثر بعضهم التماس العذر الذي قبل منهم، وهذا الخبر مبثوث فيما كتبوه عن سيرهم أو تحدثوا به، ولا مجال فيه للدعوى البتة، والله المسؤول أن يعين الكافة على حمل الأمانة أيًّا كان موقعها، وأن يوفقهم للإحسان في العمل، والإحسان في تسليم الراية، ورواية التجربة لمن بعدهم بجميل أحدوثة وحكاية، لحشد أكبر قدر من الخبرة المتداولة، والمعرفة المتاحة لقادة المستقبل؛ فالمنصب عارية، وحسن ردّ العارية من كمال الأمانة!

ahmalassaf@

الرياض- ليلة الجمعة 03 من شهرِ صفر عام 1448

17 من شهر يوليو عام 2026م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.