عندما أصدر الملك سلمان -حفظه الله- أمره الملكي قبل يومين بإسناد وزارة الصناعة والثروة المعدنية للأمير عبدالعزيز بن سلمان مع استمراره في عمله وزيرًا للطاقة، أعاد القراء نشر مقال كتبته عن الوزراء الذين تولوا مسؤولية وزارتين بالأصالة، وكذلك نشر مقال آخر عمن تولى مع وزارته وزارة أخرى بالتكليف مدة غير قصيرة. هذا الاحتفاء بالمعلومة الموثقة دفعني للكتابة عن مسألة أخرى غير مشتهرة من تاريخ مجلس الوزراء الموقر، وهي الأمراء والوزراء الذين تعاقبوا على وزارة واحدة، وبيان هذا النمط الإداري لانتقال المسؤولية في مجلسنا.
فمن خلال العودة لجداولي التي صنعتها بالرجوع لكتب وسير وحوارات وصحف رسمية ومواقع حكومية، وجدت عشرين حالة تعاقب مباشر بين أمراء ووزراء أسندت إليهم المسؤولية عن الوزارة ذاتها، منها ثماني حالات خلف فيها ستة أمراء ثمانية وزراء، واثنتي عشرة حالة خلف فيها أحد عشر وزيرًا مثل عددهم من الأمراء الوزراء. شملت هذه التعاقبات عشر وزارات باختلاف مسمياتها، ووزارتا دولة للشؤون الخارجية، وقد تكررت وزارات الخارجية والتعليم والشؤون البلدية والمالية أكثر من غيرها.
أول أمير خلف وزيرًا على منصبه هو الملك فيصل حينما أسندت إليه وزارة المالية بعد الشيخ محمد سرور الصبان عام 1378، والثاني هو الملك فيصل أيضًا الذي عاد للخارجية عام 1382 بعد مدة قصيرة تولى الوزارة فيها الشيخ إبراهيم السويل، والثالث هو الأمير سعود الفيصل الذي أصبح عام 1395 وزير دولة للشؤون الخارجية بعد شهور من وفاة السيد عمر السقاف أول من حمل هذا المنصب الوزاري.
ثمّ توقفت هذه الصورة الإدارية إلى عام 1424 حينما صدر أمر ملكي بتكوين وزاري جديد، ألغيت أو دمجت بموجبه وزارات منها وزارة الإسكان والأشغال العامة التي أصبح وزيرها الوحيد الأمير متعب بن عبدالعزيز الوزير السادس للشؤون البلدية والقروية بعد د.محمد الجارالله، علمًا أن الأمير متعب صار فيما مضى وزيرًا لهذه الوزارة بالتكليف مدة ثلاث سنوات بعد استعفاء وزيرها الأول أخيه الأمير ماجد منها عام 1400.
وفي عام 1430 تولى الأمير فيصل بن عبدالله بن محمد وزارة التربية والتعليم بعد د.عبدالله العبيد، وفي مستهل عام 1441 أصبح الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزيرًا للطاقة بدلًا من وزيرها م.خالد الفالح، وفي أواخر شهر صفر من عام 1441 سمي الأمير فيصل بن فرحان وزيرًا للخارجية خلفًا للوزير د.إبراهيم العساف، وبالأمس القريب صدر الأمر الملكي بتعيين الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزيرًا للصناعة والثروة المعدنية بعد وزيرها الأول أ.بندر الخريف.
أما أول وزير يخلف أميرًا على وزارته فكان د.رشاد فرعون الذي أصبح عام 1373 وزيرًا للصحة بعد وزيرها الأول الأمير عبدالله الفيصل، وهذه أول واقعة تعاقب وزاري من هذه القائمة، وتلاه عام 1375 الأمير عبدالعزيز الأحمد السديري ثاني وزير للزراعة بعد وزيرها الأول الأمير سلطان، فالشيخ عبدالعزيز آل الشيخ وزير المعارف الثاني بعد الأمير فهد، والشيخ ناصر المنقور وزير العمل والشؤون الاجتماعية بعد وزيرها الأول الأمير فيصل بن تركي الأول، والشيخ إبراهيم السويل ثاني وزير للخارجية بعد الأمير فيصل، ثمّ الشيخ عبدالله السعد رابع وزير للمواصلات بعد الأمير بدر، وهذه التعاقبات متزامنة أو متتالية، وتقع بين عامي 1380-1381.
عقب ذلك أصدر الملك خالد أمره بتكوين مجلس الوزراء الوحيد في عهده، وبناء عليه أسندت وزارة المالية والاقتصاد الوطني إلى الشيخ محمد أبا الخيل بعد الأمير مساعد بن عبدالرحمن، وحينما غادر الأمير ماجد وزارة الشؤون البلدية والقروية تولاها بالتكليف أخوه الأمير متعب عدة سنوات، ثم أصبح الشيخ إبراهيم العنقري وزيرًا أصيلًا لها بعد ثلاث سنوات من شغور منصبها أصالة.
وفي أول تكوين للمجلس في عهد الملك سلمان عام 1436 أصبح المهندس عبداللطيف آل الشيخ وزيرًا للشؤون البلدية والقروية بعد الأمير د.منصور بن متعب، وسمي د.عزام الدخيل وزيرًا للتعليم التي كان الأمير خالد الفيصل وزيرًا لجزء كبير منها قبل ذلك تحت مسمى وزارة التربية والتعليم. وفيما بعد عين أ.عادل الجبير وزيرًا للخارجية بعد الأمير سعود الفيصل، ثم أصبح الجبير عام 1440 وزير دولة للشؤون الخارجية بعد أن ترك الأمير سعود الفيصل هذا المنصب قبل أربعة عقود، وبذلك غدا الجبير خاتمة الوزراء الذين تولوا الوزارة بعد أحد الأمراء حتى الآن.
مما يمكن ملاحظته تكرار حضور الملك فيصل، والأمير عبدالعزيز بن سلمان، والأستاذ عادل الجبير، مرتين في هذا الجزء من هذه القائمة، وأن الملك والأمير توليا بهذا التعاقب مسؤولية وزارتين بالأصالة، وينفرد الأمير عبدالعزيز من بين جميع وزراء هذه القائمة أنه كان نائبًا لوزير الطاقة قبل أن تسند إليه الوزارة نفسها. وقد حدثت هذه التعاقبات في عهود الملوك سعود وخالد وفهد وعبدالله وسلمان، ومدة بقاء الوزير الجديد تختلف في الطول والقصر، وإن كانت الحالات المتأخرة أطول مدة إجمالًا، كما أن أكثر هذه التعاقبات جاءت مباشرة دون فاصل زمني، مع وجود الفاصل في بعضها.
ويشير هذا التعاقب في صورتيه إلى مرونة إدارية، وتكامل محمود، كما ينبه إلى أهمية جميع الوزارات والمسؤوليات حتى لو صنف بعضها إلى سيادي وبعضها الآخر إلى خدمي. ومن أبرز دلائل هذا التعاقب أن إسناد بعض الوزارات لأمراء في حقبة معينة يراد منه دفع العمل بقوة إضافية في هذه الوزارة، مع التأكيد الدائم على جاهزية الجميع للخدمة العامة، والاستجابة التامة، لأي أمر، في أي زمان، وحال، فكلنا أهل عصبية لبلادنا، وكل مستحق أهل كفاءة للمنصب، ومن الله نستمد العون والتوفيق لعمران حاضرنا، وتأمين مستقبلنا.
إن هذه المعلومات جزء من تاريخنا الإداري، وجزء من التوثيق الذي يفيد الباحثين وذوي الاهتمام، سواء الآن أو فيما بعد، ومن يدري فربما يأتي على هذا المقال زمن يغدو متداولًا بكثرة كما حدث مع المقالين السابقين، فمن الأهمية بمكان توثيق المعلومة وضبطها قدر المستطاع، خاصة أن هذه المادة جزء من مشروع آمل أن يكتمل أكثره حتى يناسب جمعه ونشره في كتاب واحد يحكي جزءًا من سيرة مجلسنا التنفيذي الأهم.
الرياض- الاثنين 28 من شهرِ الله المحرم عام 1448
13 من شهر يوليو عام 2026م