شريعة وقانون عرض كتاب

المؤذن والإمام في الفقه والاجتماع*

للصلاة في الإسلام منزلة عظيمة لا تخفى، فهي الركن الثاني من أركان الإسلام، وتركها يهوي بفاعله -عياذًا بالله- في دركات بين الفسق والكفر؛ ولذا وصفت بأنها عمود الإسلام، والعمود أساس المبنى، وبزواله ينهار. هي عبادة يومية متكررة، فرضها الله عندما أسرى بعبده النبي الأكرم -عليه الصلاة والسلام-، ثم عرج به إلى السماء السابعة، كي يكون التكليف بلا واسطة، وفي هذا إشعار بأهمية هذه العبادة وعظيم مكانتها.

وتبعًا لذلكم الحال، جعلت الصلاة لمواضع الصلاة من مساجد وجوامع محبة في القلوب، وأحكامًا وفضائل حتى سارع الناس لعمارتها معنويًا وماديًا، وتسابق الصالحون إليها بحثًا عن نيل حسنات الخطى، وحطّ السيئات، وأجر المكوث، والترديد مع المؤذن، والانتظار من الصلاة إلى الصلاة وفيه الفوز بمباهاة الرب أمام الملائكة بعباده المنتظرين، واغتنام فرصة التنفل وأداء السنن الرواتب خاصة القبلية منها، والتلاوة والدعاء، وهذا كله قبل إقامة الصلاة أو بعدها، وفيما بين الصلاتين.

كما تفرع عن الصلاة والمساجد وظائف عدة في المجتمع المسلم، مثل المؤذن، والإمام، والخطيب، والمقرئ، والخادم، وغيرهم. وترافق مع أداء الصلاة في المساجد أعمال علمية ودعوية ومجتمعية، تبرز على هيئة حلق علم وحفظ، ودروس مذاكرة وفهم، وكلمات وعظ وإرشاد، إضافة إلى تقارب الناس واجتماعهم للصلاة، وعمارة المساجد والجوامع بأصناف العبادات، وما يلي ذلك من لقاءات، وبرامج مشتركة لجماعة المسجد، وأهل الحي.

وكان من احتفاء المجتمع المسلم بهذه الوظائف أن منح التوقير والتقدير والتقديم لأهلها والقائمين عليها، ولم يكتف أهل مجتمعنا العريق ذلك وإنما خلعوا أسماء هذه الوظائف الدينية على أسر كريمة تعاقبت عليها عشرات أو مئات السنين عن أهلية واستحقاق غالبًا، وحفظت كتب التراجم والبلدان أخبار المساجد ومن ولي أمرها في الأذان والإمامة والخطابة والإقراء والخدمة في بلدان كثيرة، بل إن المؤذن والإمام كانوا في البلدات الصغيرة على وجه الخصوص يحظون بنفوذ كبير يماثل نفوذ القاضي في الحواضر الكبرى، ويظهر ذلك في إصلاح ذات البين، وكتابة الوثائق الخاصة بالوصايا والأوقاف، وإتمام عقود الأنكحة والمبايعات وغيرها.

وعندما يؤرخ مشتغل بالتاريخ أو مؤرخ لبلد أو زمن، فمن المعهود أنه لا مناص من ذكر أسماء مؤذني الجامع الكبير وأئمته وخطبائه ومن يتعاهدهم ويعتني بالجامع ويخدمه، وهذا نهج مشترك في كثير مما يكتب ولو بإشارة عابرة، أو بإفراد موسوعة ضخمة، مثلما صنع معالي الشيخ أ.د.صالح بن عبدالله بن حميد حينما أصدر موسوعتين ضخمتين، الأولى منهما عن أئمة المسجد الحرام والمسجد النبوي خلال تاريخهما الطويل إلى يومنا، والثاني عن مؤذني المسجدين الأقدسين للمدة نفسها.

ليس هذا فقط، فما أكثر الأوقاف والحبوس على المساجد والجوامع ومن يؤذن بها أو يصلي بالناس إمامًا، أو يعلمهم القرآن والعلم، ويخطب بهم في الجمع والمناسبات؛ ولذا كفي أصحاب هذه الوظائف مؤونة العيش، وهموم السعي الشديد خلف الرزق، كي يتفرغوا لعملهم الديني المهم، وهذا فرع عن المنزلة التي حظي بها المؤذنون والأئمة والخطباء عبر تاريخ المسلمين من قبل السلاطين والأثرياء والوجهاء والعامة.

من هذا الباب كذلك ما نهض له العلماء والفقهاء من التأليف والتصنيف عن أحكام الأذان والإمامة والخطابة، إن في العمل ذاته وأحكامه، أو في شروط من تسند إليه هذه الوظائف، هذا غير أحكام النوازل الفقهية، والفضائل المرتبطة بهذه المناصب، وبمن حمل أمانتها. إن المكتبة العربية الإسلامية لتشهد على هذه العناية التي أولاها المؤلفون لمسائل الإمامة والأذان عبر العصور، وباجتهاد دائم، ودراسة لا تتوقف لأي مستجدات أو نوازل.

ولأن هذه الأحكام مهمة للكافة، سواء من شاغلي هذه الوظائف، أو من بقية الناس الذي يؤدون الصلاة تبعًا لهم، أو يجد الواحد منهم نفسه في مواضعهم حين قضاء الفوائت، أو حال السفر، كان من المهم أن توجد كتب مختصرة فيها تعليم لمن لا يعلم، وتذكير لمن غفل أو نسي، وإشاعة ثقافة عامة ترفع من مستوى المعرفة، وتزيد من الإحساس بقيمة هذه الأعمال في وجدان عامة الناس، وتعلي الوعي الذي بوجوده تستقر هذه الوظائف وأصحابها في منازلهم الطبيعية العليّة التي يستحقونها.

من هذه الجهود المطلوبة هذا الكتاب بعنوان “اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين”، تأليف الشيخ عبدالله بن فهد الهويسين، وهو الذي جمع بين الدراسة الشرعية، والتطبيق العملي لهذه الوظائف السنية في المساجد والجوامع. وقد حرص المؤلف على أن تكون مادة الكتاب الذي كسره على عدة أقسام تخص الأذان والإقامة والإمامة مباشرة، وأن يعرضها واضحة، مرتبة، وساقها على هيئة أسئلة وأجوبة، واكتفى بالراجح المعمول به، ولم يشغل نفسه بخلافات فقهية، أو بالعزو الكثيف في الهوامش، بما يشتت القارئ ويثقل الكتاب، ولكنه أحال القارئ في آخر كتابه لمراجعه التي أفاد منها لمن شاء الاستزادة.

ولعل المؤلف الموفق أن ينشط في طبعة قادمة، للحديث عن أحكام القنوت في رمضان والنوازل، وأن يكتب مختصرًا جليًا عما يجب للمؤذنين والأئمة على جماعة المسجد، والعكس، فعمل هؤلاء الكرام لا يقتصر على التأذين والصلاة بالجموع فقط مع فضلها، لكنه يمتد ليشمل المشاركة مع أهل المسجد في الخير والمعروف، وصنع بيئة فيها من التآخي والتآزر والتعاون على الهدى والفضيلة ونشر العلم بالقدر الممكن الذي تنتفع به الأحياء والبلاد وأهلها.

كذلك فمن المسائل التي يمكن إضافتها للكتاب، وهي تزداد أهمية وأثرًا، تلك الشؤون الخاصة بالعلاقة بين المؤذن والإمام من جهة، وبين الأجهزة الرسمية ومن يمثلها من جهة أخرى، فالغاية من هذه العلاقة منحصرة في خدمة المسجد، والمصلين، ومنع أي خلل أو تجاوز للنظام والمصلحة، وقمين بأطراف هذه العلاقة الرسمية مراعاة ذلك المبتغى، وحشد الجهود من أجل تحقيق هذه الغايات الشريفة.

ومهما يكن؛ فإن صنع المؤلف ومبادرته، مما يشكر له، ويثنى به عليه وعلى جهده، ذلك أن الإحساس بوجود الحاجة، ثم العمل الدؤوب المتقن على مقابلتها بما يفي ويكفي، من التوفيق الذي هدي إليه المؤلف، كي يكون مشاركًا في الأجر ونشر العلم، وضاربًا في هذا المضمار بسهم صائب، ولباب رائق، حتى غدا أحد الذين رفدوا المكتبة السعودية والعربية بكتاب موجز عن أحكام تتعلق بالصلاة ومؤذنها وإمامها، والله يكتب أجره، ويرزقه القبول ولسان الصدق في الآخرين.

ahmalassaf@

الرياض- الأحد 16 من شهرِ ذي القعدة عام 1447

03 من شهر  مايو عام 2026م

  • تقديم لكتاب صدر حديثًا وسوف يتوافر في المكتبات ومعارض الكتاب.
Please follow and like us:

2 Comments

  1. ﷺ منذ أسس أول مسجد كان يهدف لأن يكون المنطلق لكل شؤون الحياة ؛ والذي يمر على المساجد المتميزة يجد كلاً منها تميز ببابٍ من أبواب الانطلاقة وهي فتوح وكان ولازال الحمد لله المسجد يقوم ببعض أدواره التي لازال يحافظ عليها …
    والإمام والمؤذن أصالة متى ما اتفقوا على هذا الهدف النبيل أصبح منارة
    كما أنا رواد روضة المسجد هم إضاءات هذه المساجد وباعثوا نجاحه
    تحتاج منارات المساجد هولاء المباركين يبعثوا دوره وينيروا هدفه…
    والحديث ذو شجون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.