سير وأعلام عرض كتاب

محمد بن عبدالعزيز الراجحي وذلكم الجبل!

يتصدر كل مجتمع فئة من أصحاب السلطة، والجاه، والثراء، وفي المجتمعات الحية الراقية يتشارك معهم أهل العلم والفكر وأرباب المهن الأساسية، وفي بعض المجتمعات تطفو فئات على السطح لها بريق لكن دورة الزمن تثبت أنه وميض مؤقت أو خادع؛ فقلما يبقى، وما أسرع ما يزول؛ لأنه بني على شفا جرف هار فانهار به. بناء على ذلك تشرئب الأعناق لمعرفة أي شيء عن سيرة ومسيرة القسم الأول المتصدر في كل مجتمع، وقد سعدت بالمشاركة في هذا الباب بأكثر من صفة: كاتبًا، ومحررًا، ومراجعًا، ومقيمًا، ومستشارًا، وقارئًا قد يكتب عن بعضها أحيانًا.

وبين يدي كتاب كنت ثالث مستشاريه مع العزيزين د.إبراهيم التركي، ود.فهد العليان، عنوانه: محمد بن عبدالعزيز الراجحي: كان معنا… ولم يزل 1353-1433/1934-2012م. صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عن شركة الدار العربية للعلوم للنشر عام (1447=2025م)، ويتكون من (295) صفحة، تشتمل على التقديم والمقدمة، ويأتي بعدهما اثنا عشر عنوانًا يليها حاشية أخيرة فالمصادر والمراجع، وعلى الغلاف الأمامي صورة وقورة لصاحب السيرة، واقتبست فقرات من التقديم لتكون على الغلاف الخلفي. هذه السيرة غيرية رويت عن شهود ومعاصرين لصاحبها، وهي تقدم قصة حياة المترجم بأسلوب يمزج بين السرد والمعنى، وفيهما المغنى.

لذلك ارتكزت سيرة الشيخ محمد بن عبدالعزيز الراجحي -رحمه الله- (1353-1433=1934-2012م) على إبراز الفكرة ذات المعنى السامي، وهو إبراز تزاور عن الجفاف بلغة سردية جذابة. هذه الغاية التي استهدفت ترسيخ المبادئ القيمة، وتثبيت المعاني الشريفة، كفيلة بإحالة أي رواية محكية في السيرة من سياقها الشخصي والتبجيلي كي لا تكون منحصرة فيه، ويتسع مداها ليشمل البيئة والمجتمع بتكويناته، وليحافظ على هدفه الأسمى بإعلاء قدر الفكرة الطيبة، وإبقاء القدوة الحسنة فينا.

فمن معاني هذه السيرة الغيرية المهمة أن الإنسان لا يقف عاجزًا أمام الواقع مهما بدا كالحًا كئيبًا، بل يسعى من أجل إحداث ثقب فيه يرى منه النور، ويخرج عن طريقه المرء من حال إلى حال، حتى لو استوجب ذلك طول النفس، وتجرع مرارة الصبر؛ فعند الصباح يحمد القوم السرى. وكان من لوازم هذا السعي أن يغير الإنسان جميع أو بعض طرق عمله، أو مكانه، أو شركائه، أو مجاله، حتى تنفتح أمامه نوافذ عدة، بتهوية جديدة، تنعش النفس وتنشط الجسد، فالهواء الجديد الطلق المختال يطرد الساكن الفاسد، ويزيد في الانتعاش والحيوية.

ومع الجدية الصارمة، والنشاط الذي لا يكل، يبرز لنا في تلك المسيرة أهمية ارتياد الجديد، والجرأة على التجربة المحتملة للربح، وتحمل مخاطرها؛ فمن يراوح مكانه ويركن للجمود سيغدو مثل مركز الدائرة لا يبرح موضعه بينما الأقطار تطول، والمحيط يزداد، والفرص تبتعد عنه وقد يظن أنها حوله تحوم، ولو تحرك لأجبر الكافة على الحراك معه، وربما صنع غير دائرة ناجحة، تمامًا مثلما صنع الشيخ الجبل مع إخوته، رحم الله الراحلين: الشيخ صالح، والشيخ عبدالله، والشيخ محمد، وأحسن للشيخ سليمان في حاله ومآله، فقد شيدوا لنا نموذجًا سعوديًا نفاخر به، ونستغني بنماذجه عن شواهد من الغرب أو الشرق؛ ذلك أن ثراء آل الراجحي كان ثراءً منتجًا متجاوزًا المال إلى غيره.

 

كما يتضح لنا من مجريات السيرة أن التجارة فيها من الربح والكسب الكثير الكثير، دون أن يخوض المتاجر في حرام، أو يغشى المستثمر سبلًا تخالف النظام، وكم جعل الله في الحلال والمأذون به من كل شيء غنية عن الحرام والمخالفة، وهي قاعدة يؤمن بها كل مسلم -أو هكذا ينبغي-، ولكن غلبة الهوى، والاستعجال، ورفقة السوء، وضغط الواقع، والبعد عن أحكام الفقه، والخلل في فهم المقاصد والسياسة الشرعية، توقع كثيرًا من الناس في وحل كان لهم عنه مندوحة وسعة، والله خير حافظًا.

وفي سيرة الشيخ محمد نرى بلا مواربة الحضور السامي لمعنى العائلة والأسرة، نراه في علاقة شيخنا الراحل مع والديه على قوة شخصية والده وصلابته، ونراه مع أشقائه في مشوارهم التجاري الطويل الذي لم يستطع المال ولا من فسدت طويته اختراقه البتة؛ فعاشوا في صفاء، وتشاركوا بوضوح، ثمّ تخارجوا برضا وسماحة، ومن عجب أن نقاشهم الاستثماري يكون بأصوات مرتفعة حتى يظن أبناؤهم أن هذا آخر لقاء لآبائهم الأربعة، بيد أنهم يخرجون من مجلسهم، ويمضون لمكان مفتوح للجلوس مع الأبناء، وقد تشابكت أيدي الأخوة، وهم يتضاحكون قد نسوا أو تناسوا حوارًا ساخنًا بينهم أغلقوه قبل دقائق! وهذه المعاني العائلية نجدها لدى الشيخ مع أزواجه وأبنائه وبناته، أدام الله عليهم التوفيق، وأعاذهم من خوارم العراقة.

كذلك نجد في مسيرة محمد بن عبدالعزيز الراجحي توقيرًا كبيرًا لبلاده، وولاة الأمر، وحكومته، ومجتمعه، وأناسه، وهذا التوقير ظاهر من المحبة التي يتمثلها في سلوكه وعطائه بما يدل على مكنونه، ويصدّق هذا الرأي فيه، حتى لو لم ينبس ببنت شفة؛ فلسنا بحاجة لمهذار فصيح والأعمال لا تصدقه، والمواقف تفضحه ولا تؤيده! ويستبين هذا الملمح الطيب من أوقافه، وأعماله الخيرية، ومشروعاته التجارية التي ساعدت على التوظيف، وحل مشكلات متكررة في المجتمعات مثل ندرة الفنادق والمساكن وغيرها. ألا ما أسعد البقاع بأثرياء أسخياء لا يقتصرون على الإنفاق الخيري مع جلالته، وإنما يوجدون من المشروعات ما فيه منافع شتى حتى بالمنافسة مع الآخرين.

ومما في هذه السيرة الراجحية أنها مدرسة في الاستثمار المصرفي، والعقاري، والزراعي، والصناعي، والسياحي. وهي مدرسة في استثمار الدنيا للآخرة، وفي بناء العلاقات واستدامتها. هي مدرسة في الثبات على المبادئ التي تحمد الله وتشكره على نعمه وآلائه، وتنسب له الفضل وترجع إليه الخير، وتحرص أشدّ الحرص ألّا تبطر ولا تطغى، فالنعم حقها الحراسة والحياطة، وهما عملان لا يعجز عنهما من سأل مولاه العون والسداد، وعلم علم اليقين الثابت أن الله على كل شيء قدير.

وربما أن القارئ سيقف منبهرًا أمام طريقة الشيخ محمد في الحياة، وهو الذي لا يتوانى في صرف الملايين على الأعمال المجتمعية، ويملك أضعافها، لكنه لا يسرف حتى في كوب الشاي، ولا يباهي، ولا يكسر قلوب الفقراء ومن لا يجدون مثل ما يجد. وربما أن القارئ سوف يستلطف مهارة الشيخ في قيادة السيارة، وفي التطبيب، وسيلتقط العبرة والدرس من أحداث حصلت له مع شركاء، وخصوم، وغيرهم. لقد كان الشيخ الراحل جبلًا باسقًا، وصنع لنا من سيرته جبلًا شامخًا، وحري برواد الأعمال الاطلاع والإفادة، فما أعسر هذه الصناعة، وما أصعب المرتقى، وما أيسر الهبوط إلّا على من ربط الأحزمة، واستمسك بوثيق العرى، سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلًا.

ahmalassaf@

الرياض- الأحد 14 من شهرِ ذي الحجة عام 1447

31 من شهر  مايو عام 2026م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.