أرسلني والدي لرجل من جيله -رحمهما الله- كي أعطيه شيئًا نسيت ماهو الآن. كنت حينها في بداية المرحلة المتوسطة، والذهاب من مكتب الوالد الى متجر الرجل يستلزم قطع شارع تزدحم السيارات بمساريه ذهابًا وجيئة، لكن الوالد يثق بأولاده، ويحملهم المسؤولية مبكرًا، حتى أن بعض الناس استغرب من إنابته لبنيه في الحضور عنه، وفي تركهم ينهون معاملاته المالية وهو بعيد عنهم، وهم عن عينه بعيدون، لكنه ما فتئ يعلن أن ثقته بذريته عالية جدًا، وقد فتحت هذه الثقة أذهاننا على حكم لم نعي بعضها إلّا بعد حين!
المهم أني ذهبت ودخلت لمتجر الرجل في اللحظة نفسها التي خرج فيها من عنده رجل يماثله بالعمر. قال لي صاحب المتجر: هل تعرف لماذا جاء الذي خرج للتو وقابلك؟! تعجبت من السؤال لكني أجبته بالنفي، ويبدو أنه لم يكن ينتظر جوابي؛ إذ أكمل حديثه قائلًا: أتى معتذرًا لأنه نسي دعوتي لعرس أو مناسبة عنده! ثمّ أضاف: أنا -يا وليدي- من لا يدعوني أحبُّ إليّ ممن يدعوني! فتعجبت مرة أخرى من إخباره لي بالحكاية وهي لا تهمني، ولا يحق لي الاستفسار عنها، فضلًا عن صغر سني، واستغربت أكثر من الرأي الذي صرح لي به، خاصة أن بعض الناس يتقاطعون أحيانًا، ويتغاضبون إذا نسي الأول دعوة الثاني أو تجاهله، وكم سمعت آنذاك قصصَا من هذا القبيل المحزن.
أما الآن فإني مع سيل الدعوات وتواليها، أستذكر قول أبي محمد والقصة كاملة كأنها وقعت لي بالأمس القريب، وأترحم على والدي وعليه؛ ذلك أن كثرة الدعوات إلى مناسبات الزواج والدوريات والديوانيات والمجالس وحفلات العشاء والغداء وربما الفطور لا تكاد أن تنقطع، هذا غير الرغبة المتكررة في عقد جلسة قهوة أو شاي. طبعًا الدعوات الاجتماعية والثقافية في أصلها جميلة ومطلوبة، وظاهرة صحية حسنة، لكن المشكلة في كثرتها خاصة مع اختناق الطرق، وندرة المواقف، وتزاحم الأعمال، وصفوف الانتظار للسلام في المناسبات الكبيرة، وفي بعضها تمييز مؤذٍ لبعض الناس وإن كان -أحيانًا- مفهومًا من باب إنزال الناس منازلهم.
من باب الصراحة أن أقول بأن سوء تنظيم الوقت سبب في الضيق من هذه الدعوات أو من كثرتها -مع الفرح بأصل المناسبة السعيدة من حيث المبدأ-، إضافة إلى الحرج الشرعي الذي يلحق المرء إذا لم يستجب لها دون عذر، وغضب الداعي من الاعتذار عنها لأي سبب، وبعضهم -قد- يحمّل الاعتذار أكثر مما يحتمل، وما أعظم السماحة وآثارها، وما أرقى من يعتذر بأدب، وما أجلّ من يتقبل العذر دون استقصاء. بالمقابل لا أنكر أن الله فتح بالبركة والتوفيق على آخرين؛ فيحضرون في اليوم الواحد عدة مناسبات، وربما تراهم في حفلة فرح في طرف من المدينة، وفي اليوم نفسه يشاهدهم غيرك في سرادق عزاء في ناحية أخرى بعيدة منها!
ومما يلاحظ خاصة في مناسبات الزواج الكبرى، أن عددًا غير قليل من المدعوين يسلمون ولا يجلسون، بل يعودون أدراجهم من فورهم، وتكون المدة التي قضاها الواحد منهم في قاعة المناسبة دقائق معدودة، بينما أغلب الوقت ذهب في الطريق، أو بحثًا عن موقف، أو انتظارًا في صف. ويقود ذلك التصرف الواضح إلى فراغ موحش في قاعات الطعام، حتى أن الكراسي تكاد أن تجأر بالشكوى من الهجران، والله وحده العالم بمصير تلك الأطباق المتنوعة والشهية!
هذا الواقع المجتمعي اللافت قمين بأن يجعلنا نعيد النظر في كيفية إقامة هذه المناسبات، وفي جدوى الاستكثار من عدد المدعوين. وهو واقع يثير التساؤل عن مدى تسويغ الاستفهام من كل مدعو إن كان سيشارك في العشاء أم لا؟ وسوف ينبني على تحديد هذه المعلومة المهمة تقدير العدد الذي سيحضر فعليًا، وحساب التكاليف بميزان غير مرهق، مع نفي الحرج عن الداعي فيما لو نقص عدد الحاضرين عن المتوقع أو زاد، وهذا الجانب التنظيمي برعت فيه النساء جدًا، وهو عند الرجال في أدنى مستوياته!
فهل سيعيد المجتمع النظر إلى مناسباته، ويجعلها في إطار يصنع البهجة، ويوجد المحبة، ويحقق الإعلان عن النكاح خاصة، ويخرجها من دائرة ضياع المال والجهد والوقت؟ وهل نستطيع إعادة إحياء عادات قديمة مثل الزواج الجماعي، وعقد المناسبات في البيوت وأمثالها، وابتداء تلك الحفلات من العصر أو إنهائها قبيل منتصف الليل؟ وهل يمكن تنظيم مقدار الضيافة ونوعيتها لبلوغ السلامة المنجية من السرف المغضب للرب المنعم سبحانه؟ وهل سنصل لمرحلة من النضج نتفطن معها للفروق بين المجتمع قبل عقود وبينه الآن، وهي فوارق لها تبعات اجتماعية واقتصادية ومهنية وصحية جديرة بأن تعتبر وتراعى في هذه الملتقيات وأمثالها؟
هي أسئلة كثيرة، ويوجد غيرها من جنسها، ولا جواب حاسم عنها إلّا بالوقوف عند منزلة من النضج وتقبل الأفكار الجديدة من المجتمع بشقيه من الرجال والنساء، وشهود الحال والمستقبل المتوقع ببصيرة واستشراف؛ كي تغدو مناسباتنا سعيدة غير مكلفة، تعين على الصلة والتعارف، وتحفز على الحضور والمشاركة، فتغدو جامعة لا مفرقة؛ لأن عددها المعقول أدعى للاستجابة والتفاعل، ثمّ تصبح منتظرة وليست محرجة، فكل منتظر محبب، و لا يأتي الحرج بخير، ولذا كان رفعه من حسنات شريعتنا الغراء!
الرياض- ليلة الأبعاء 17 من شهر ذي الحجة عام 1447
03 من شهر يونيو عام 2026م