هل سبق أن سمعت عن إنسان يتنفس مع الأكسجين المكان الذي ينتمي إليه؟ هل نمى إلى علمك خبر عن شخص وصف بأنه روح مدينته؟ إن كان الجواب بنعم؛ فسيكون صاحبك -على الأغلب- هو الشيخ الوجيه عبدالله بن عبدالرحمن بن عبدالعزيز بن زامل السليم (1346-1447=1927-2026م) -رحمه الله- الذي وافاه الأجل المحتوم يوم الثلاثاء الموافق للثامن والعشرين من شهر رمضان المنصرم، وصلي عليه عصر يوم الأربعاء في جامع الشيخ ابن عثيمين، فتوافدت للصلاة عليه جموع غفيرة على رأسهم أمير القصيم الأمير د.فيصل بن مشعل بن سعود، وفي حضوره ومشاركة هذا الجمع الحاشد في الصلاة على الراحل ثلاث مرات، دليل على المنزلة الباسقة التي تبوأها هذا الراحل العزيز الذي نال سلطة اجتماعية، ونفوذًا عميقًا، ووجاهة مدنية، بلا منصب ولا أبهة دنيوية، ويتأكد ذلك إذا علمنا أن الأميرالدكتور فيصل لم يكتف بصلاة الجنازة عصرًا، وإنما حضر للعزاء بعد صلاة التراويح يوم الأربعاء، وتكفل بالعشاء للعدد الضخم من المعزين، وقال لمن حضر ما معناه: إن مجلس أبي نجم يشهد على عمق علاقتي معه، وزياراتي المتكررة له.

ينتمي أبو نجم إلى أسرة عريقة تولت الحكم في عنيزة منذ قرنين تقريبًا، وهو حفيد للأمير زامل بن سليم الذي قتل في معركة المليدا الشهيرة. ومع أن الشيخ الوجيه يمتلك هذه المقومات وهذه الرابطة الوثيقة، وهي تؤهله للمزاحمة على مواقع ووظائف عليا، إلّا أنه اختار مسارًا مجتمعيًا لخدمة عنيزة وأهلها بعيدًا عن المناصب الرسمية، ولوازمها، وما يترتب عليها. لقد كان في خياره الحصيف هذا يبرهن على أن من رام النفع والإفادة؛ فالطرق لذلك مفتوحة سالكة، والموفق من هداه الله وأعانه، ثم صبر وصابر ورابط، ولم تلن له قناة، أو تفتر منه عزيمة، حتى صار علمًا في الوساطة الاجتماعية، وفاعلًا أهليًا يوازي الفاعلين رسميًا وربما فاق بعضهم أحيانًا، وفي كل خيرات وبركات.


لأجل ذلك أوقف أبو نجم عمره وجهوده وفكره وبسمته المشرقة وروحه الطيبة، وصيرها رهن إشارة الصالح العام لمدينته وأهلها وما ينفع الأجيال والمكان، وطوع أمرها، ولم يستكثر شيئًا من تلك الجهود حتى لو كانت في عين المنصف كثيرة لافتة. وكان يقارنها بتضحيات أسلافه الصيد العظام فلا يكاد أن يراها شيئًا مذكورًا، ومن نظر لعمله بهذا المنظار؛ فقمين به ألّا يصاب بداء العجب، وإنه لداء عضال يقعد بالهمة، ويبخس المقدرة، ويئد الموهبة، وبئس القعيد الذي لا يرتجى منه أي خير. ومن نظر لمنجزات سالفيه بهذا المقياس، فجدير به أن يحتفي بهم وبها، ويعرف لسابقيه الفضل والمعروف.

أما الآخرون فقد شهدوا للرجل بتفانيه من أجل مجتمعه وبلاده وأناسه، حتى تواتر الثناء عليه في محياه وعقب رحيله. ومن خبر الإشادة به أن اسمه الكريم يرد كثيرًا في وسم بلديه عميد الوزراء د.عبدالعزيز الخويطر؛ فلا يرد هذا الاسم الكريم لتحقيق مصلحة خاصة، وإنما ينص الوزير ورجل الدولة الكبير على أن الزيارة كانت من أجل عنيزة وشؤونها، وإذا لم تسعف المذكرة الوزير الكاتب كي يعرف موضوع اللقاء بينهما، فسوف يجزم بأنه أمر يعود للبلد؛ فهذا ديدن الشيخ الوجيه الذي يتحرك محتسبًا من أجل عنيزة وساكنيها، وتلك سجية مباركة، وروح وثابة، سرت في آخرين، وانتشرت، والسعيد من جعله الله للمتقين إمامًا.

ولهذا بادله أهل عنيزة المحبة، ومنحوه التوقير والتقدير والتقديم، وسارعت مؤسسات البلدة إلى تكريمه برعاية من أمير القصيم، وأطلقوا عليه لقب “روح عنيزة”، وهو لقب معبر للغاية عن خلاصة رسالة الرجل في دنياه، فهو أشبه ما يكون بأحد محركات الحياة وبواعث الحيوية في ديرته التي يستنشقها ويتنفسها، وموضوعاتها هي هجيراه صباح مساء، ولن ينس الأهالي أنه شارك مع كرام آخرين في الحفاظ على الغضا، وضمان حمايته، حتى غدا متنفس المدينة، ومنتزهًا عالميًا، ومعلمًا سياحيًا، ومكانًا لبرامج ترفيهية، وأحد أبواب الخدمة المجتمعية في مدينة تنبض بالعمل المجتمعي. إن رؤية أبي نجم لحقّ المكان على أهله، ومبادرته لصرف المال عليه، والعناء في سبيله، والارتقاء بمنزلته، وخدمته ما أمكن، لمما ينظر إليه بإعجاب واقتداء.

كما جعل الشيخ أبو نجم من مجلسه في مزرعته مكانًا للاجتماع والاستقبال، وفيه استقبل ولي العهد، وعددًا من الأمراء والوزراء والوجهاء والمثقفين، فضلًا عن أبناء الأسرة والبلدة، حتى أن ذلكم المجلس البهي يصلح أن يكون سجلًا يحفظ جانبًا من تاريخ عنيزة وزائريها. وقد أزاح أبو نجم نفسه عن مواضع القيادة إلى الريادة بالمساندة؛ فغدا كما وصفه د.إبراهيم التركي في مقال سابق: ” أبو نجم واحدٌ من هؤلاء؛ لا يُعلن عن ذاتِه ولا تعنيه أحوالُه؛ فلم يُعهد باحثًا عن موقعٍ وظيفي أو اجتماعيٍ ولا يُهمه أين يجد كرسيَّه في المناسباتِ أو بين المنتدين، ولا تكاد تجد وقتًا لديه فهو المرتحل بين المكاتب والمستضيف للمسؤولين بحثًا عن وثيقةٍ ودفاعًا عن حقيقة واقتناعًا بمشروع واقتراحًا لتشريع“.

ولم يكتف أبو نجم بذلك؛ إذ سعى لحفظ جزء مهم من تاريخ عنيزة، وتاريخ أسرته ومآثرها، ووقف خلف تأليف كتاب عن جده الأمير زامل بن سليم صدر قبل بضع سنوات، وأيد مع آخرين تأليف كتاب آخر عن عم والده أمير الحرب صالح بن زامل نشر قبل شهور، كما شارك في رواية تواريخ وسير مهمة أخرى، فاستحق بذلك الشكر من مؤلف الكتابين الأستاذ صالح الخويطر، ومن التاريخ ودارسيه ومحبيه.

الشيء الأكيد هو أن أعمال الشيخ الوجيه الوجيه عبدالله بن عبدالرحمن بن عبدالعزيز بن زامل السليم لا تقتصر على ماذكر؛ ذلك أن مسعاه الدائم كان التعبّد لله في رعاية المجال العام وخدمة المكان وقاطنيه، والتكفل بعلاج أكثر من مريض على حسابه، ونقلهم من الرياض لعنيزة، والمكوث معهم طيلة مدة العلاج. لقد توجهت لديه البوصلة متخذة من عنيزة المكان والإنسان والتاريخ والمستقبل الهدف المنشود، وصنع ذلك لا تعصبًا وإنما امتدادًا لمفاخر الخيرة من كرام الناس ورؤوسهم، وهم متوافرون في كل بلدة، وحريون بالإشهار والثناء، وجديرون بتدارس السيرة والتكوين والمنجزات، وكيفية التغلّب على العوائق والمثبطات؛ ذلك أن الواحد من أولئك الأفذاذ أكبر من مجرد فرد ونسمة، وهو أشبه ما يكون بمؤسسة تعنى بالعمران والاجتماع والتاريخ وخدمة المجال العام، وإن وجود هذه النماذج وكثرتها لمن سعادة البقاع والعصور والخلائق فيهما، وإن غيابهم بمثل هذا الفقد لمؤلم محزن لا يخفف وقعه سوى الأمل بالعوض وحسن الخلف.
الرياض- ليلة الاثنين 18 من شهرِ شوال عام 1447
06 من شهر أبريل عام 2026م
2 Comments
صالح بن زامل ليس والده ولا جده.. بل عم أبيه
شكرا لك. هذا هو ماكتبته بالضبط . يبدو أنك قرأت على عجل ولم تنتبه!