الخلود أمنية تكاد أن تكون مشتركة، ولا يمكن أن يخلد مخلوق البتة؛ فكل من عليها فان، ويبقى وجه ربنا ذو الجلال والإكرام، لكن الخلود الممكن هو خلود السيرة والأحدوثة، ويتأتى للمرء بجملة من الأسباب. فمن أسباب خلود الزعماء -على وجه الخصوص- أعمالهم التي أنجزوها، والأحداث التي ترافقت مع عهودهم، والمكان الذي حكموه، وما أثر عنهم من كلمات وتواقيع، واقتراب الشعراء والكتّاب من بلاطهم؛ فسيف الدولة ليس له نصيب من الشهرة لولا المتنبي، وعمورية معركة صغيرة فخمها أبو تمام، وأهدى الجاحظ والتوحيدي كتبهما لأمراء ووزراء فحفظت لهم مكانتهم التاريخية، وكانت المجالس الأدبية والمناظرات والرحلات سببًا في إيراد أسماء سلاطين وزعماء وحمايتها من الطمس أو النسيان. إن الخلود نتيجة حتمية لتفاعل عدة مؤثرات معًا، وتتعانق لأجلها علوم التاريخ والاجتماع السياسي.
وقد اكتسب الملك خالد بن عبدالعزيز آل سعود (1331-1402= 1913-1982م) -مثل سائر من سبقه أو تبعه من أئمة البيت السعودي الحاكم وملوكه- الخلود لهذه الأسباب مجتمعة؛ فلهم أعمال كبيرة مؤثرة لا تنسى، وفي زمنهم وقعت أحداث مهمة تفاعلوا معها بما يلائم، ووفقهم الله لحكم الجزيرة العربية، وخدمة الحرمين الشريفين، وقيادة موسم الحج الميمون، ولهم مقولات محكمة معبرة، واقترب منهم أدباء سواء في العمل، أو بالمجالسة، ومن أبرز هذه الأسماء في عهد الملك خالد الوزراء د.عبدالعزيز الخويطر، ود.غازي القصيبي، ود.محمد عبده يماني، واللافت أن الملك قد قربهم، ومنحهم من الحنان الأبوي ما يلفت النظر، وتابع حضورهم وغيابهم؛ فكانوا من أسباب تدوين سيرته، وتوثيق وقفاته، إضافة إلى سجله التاريخي حتى قبل التصاق هؤلاء الوزراء بخالد ملكًا وزعيمًا.

أسهم الملك خالد مع والده المؤسس في مسيرة توحيد البلاد، وهو واحد من ثمانية أبناء للملك عبدالعزيز شاركوا عسكريًا في هذه المهمة الصعبة الخطيرة، وترأس بأمر والده الوفد السعودي في المفاوضات الحدودية مع اليمن، وناب عن أخيه فصل في مهماته كلها –وهي مهمات كبرى– عندما سافر خارج المملكة عام 1350=1932م. ثمّ شارك تحت عين والده ومع أخيه الفيصل في زيارات سياسية لعدة دول عربية وأجنبية، وحضر مؤتمرات مهمة، وحينما نشأ مجلس الوكلاء أصبح نائبًا لرئيسه الأمير فيصل.

وبعد تتويج الملك فيصل ومبايعته ملكًا على البلاد، اختار أخاه الأمير خالدًا ليكون وليًا للعهد ونائبًا لرئيس المجلس، وكان هذا الاختيار بمباركة الأسرة وعلى رأسهم الأمير محمد الذي كتب لشقيقه خالد مؤيدًا هذا الاختيار ومعلنًا رباطه في ساحة الجندية خدمة للبلاد ومصالحها وقادتها. لقد كان الملك خالد لأجل هذه الأسباب وغيرها أمينًا على تاريخ بلاده، وأسس تكوينها، حافظًا لأخبارها، عالمًا ببداياتها وتطوراتها وأسماء أعلامها، وكان كما كتب د.القصيبي: ” يؤمن إيمانا راسخا أن الدولة السعودية تستمد شرعيتها من الإسلام”.

وبعد الرحيل المفاجئ للملك فيصل، أصبح خالد الملك الرابع للبلاد، وبادر من فوره لإنهاء ما لا يحسن تأخيره بحسم لا تردد فيه، وأعاد تكوين مجلس الوزراء؛ فدخلت في حكومته أسماء شابة، جلهم من أساتذة الجامعة، وفيهم وزراء دولة خاصة من دارسي القانون، ثمّ طلب إلى وزرائه التنسيق اليومي مع ولي عهده الأمير فهد، على أن يطلعوه على المهم من الآراء والقرارات، فلم يكن غائبًا عن الشأن المحلي أو الخارجي، ولا عاجزًا عن توجيه دفة الأمور، إنما أراد منح مساحة أوسع لمن يعمل معه تحت ناظريه، وإعطاء فرصة أكبر لتدريب من يحمل المسؤولية بعده على الحكم والإدارة، وهو ما ظهرت آثاره فيما بعد.

ولم يمنعه ذلكم التفويض من دعوة الوزراء بأسمائهم للحضور عنده، ومساءلتهم وحثهم ونصحهم، وإخبارهم بأنه يمثلونه ومسؤولون أمام الله معه طبقًا لرواية د.يماني، ومما لا يخفى عمق معرفة الملك برجالاته، ودقة تقييمه لهم. وم نذلك أن اجتمع الملك بالوزراء يوم الثلاثاء التاسع من شهر شعبان عام 1402 في جلسة خاصة لمجلس الوزراء، تسبق وفاته بأسبوعين فقط، ووثقها د.الخويطر في وسمه الطويل. وقد تطرق الملك في هذه الجلسة لحال العرب السياسية وما فيها من تطاحن، ثم تحدث بصراحة عن الوزارات، وأبان عن عدم رضاه عن الأداء، وحضّ على متابعة العمل من قبل الوزير نفسه، مذكرًا أنه بالمتابعة الشخصية تقل الشكاوى التي تصله. وحين حاول وزير التخفيف عليه، قال له الملك خالد بوضوح: أنت ووزارتك على رأس من تصلني الشكاوى عليهم!
ومما يحفظه التاريخ للملك خالد، أنه استثمر الوفرة المالية بعد ارتفاع أسعار النفط، فأتم مشروعات صناعية عملاقة، وابتدأ بأخرى، ونشط في عهده الإقراض العقاري، وزاد الإنفاق عبر الصناديق الحكومية المتخصصة بالصناعة أو الزراعة، وتضاعفت أعداد المبتعثين للدراسة بالخارج، وافتتحت الجامعات، وتوالت أعمال البنية التحتية، وتسارعت الجهود من أجل خدمة الحرمين والمشاعر المقدسة، وارتفعت رواتب الموظفين مرتين ارتفاعًا كبيرًا، وألغي الدوام يوم الخميس فأصبحت إجازة نهاية الأسبوع تتكون من يومين لايومًا واحدًا فقط، وجعل الإجازة بين فصلي الدراسة أسبوعين بدلًا من أسبوع واحد، وقال لمجلس الوزراء كما نقل د.الخويطر: “ترى ابن خويطر يحسبها أسبوعين وهي فيها خميسان وجمعتان حقنا ماله فضل فيها فهي ١١ يوم بس”!

كما اعتنى الملك خالد بالشأن العربي والإسلامي عناية فائقة، فتعاظمت قوة السعودية الناعمة عربيًا وإسلاميًا ودوليًا. من ذلك أنه دعى إلى مؤتمر إسلامي مشهود في الحرم المكي، وكانت له تعليقات صريحة على مداخلات بعض الزعماء وآرائهم حتى أنه نهاهم عن الكذب على الله عند بيته المقدس! وقطع إجازته وزار فرنسا حاثًا حكومتها على إعادة بناء مفاعل العراق النووي بعد تدميره من قبل إسرائيل مثلما روى الشيخ جميل الحجيلان في مذكراته. من ذلك أيضًا أ نه أمر بعقد عدة جلسات خاصة لمجلس الوزراء كي يناقش أوضاعًا عبرت بالأمة، أو تصرفات مفاجئة مثل اتفاقية “كامب ديفيد” ومقدماتها، وقبيل رحيله بأسبوعين تحدث مع المجلس بألم عما يعانيه العرب من فرقة وشتات، خاصة بعد اجتياح لبنان، وكتب القصيبي: “كثيرا ما رأيت الدموع تترقرق في عينيه وهو يسمع إلى أنباء كارثة ألمت بالمسلمين في هذا الصقع أو ذاك”. ولا يغيب عن البال أن تأسيس مجلس التعاون الخليجي كان في عهد الملك خالد، وهو المنظمة الإقليمية العربية الأكثر تماسكًا وانتظامًا.


أما في خاصة نفسه؛ فقد اشتهر عن الملك خالد غيرته الشديدة على الأعراض، وذكر الأمير المؤرخ سعود بن هذلول قصة لغيرة الأمير خالد في أول حكم الملك سعود الذي قبّل جبين أخاه شكرًا له على صنيعه الرشيد، هذا الصنيع الذي تكرر حسبما رواه الوزير الشيخ د.يماني حينما اعتدى شباب على عرض فتاتين وهما مع أسرتهما في البر؛ فطالب الملك بقتلهما تعزيرًا، وهو ما تم بعد نقاشات قضائية معه، ولم يكتف أبو بندر بذلك، بل حمل همّ الفتاتين، وشعر بفداحة مصابهما، ولم يهنأ حتى زوجهما بالكفؤ المناسب، ونفح كلًا من البيتين الناشئين بمليون ريال، وقيمته آنذاك تعادل عشرة ملايين اليوم أو أكثر، وهذا العطاء غايته ضمان استقرار بيتي الزوجية، والشعور ببركة الزوجة.
كذلك عرف عن الملك خالد حبه البالغ لرحلات البر والمقناص، ويقال بأنه من أكثر أبناء البيت الحاكم معرفة ببلاده وصحاريها ووديانها وشعابها لكثرة ما سلك دروبها بالسيارة. أيضًا ابتدأ الملك رحلات قنص داخلية وخارجية صارت مثالًا لغيره، وزادته معرفة بالصقور وعوالمها تمامًا كمعرفته العميقة بالإبل والخيل وشؤونهما وبالبخور وأصنافه، وهو الباب من العراقة الذي لم يدركه بعض الزعماء بسبب اختلاف البيئة حتى مع حرص الملك على الشرح لهم، وهو الحرص الذي دعاه لمحاولة إدخال الوزراء الثلاثة -الخويطر والقصيبي واليماني- إلى عالم القنص دون جدوى.

ومن تعلّق الملك خالد بالبر والصحراء أنه استضاف في مخيماته عددًا من الزعماء حتى لكأنه يقول لهم بلسان الحال: نحن أبناء الصحراء وفرسانها، ونحن أهل الصبر والجلد والتحمل والارتباط بالعراقة ولو تمثلت ببيت من شعر الماعز، وصحراء رملية ذات ضبان، وقطعان من الإبل بألوانها المختلفة، وهي سنة حميدة سار عليها الملوك والأمراء، حتى أن الملك سلمان يستقبل زواره في قصره التراثي بطرازه السلماني في عرقة والدرعية، ويستضيف ولي العهد الأمير محمد بن سلمان القادة العرب والأجانب في الصحراء أو عند جبال العلا.

ومن هذا الباب اهتمام الملك الخالد الظاهر جدًا بالنخيل والزراعة، والحياة الفطرية، وقدرته على تمييز أطيب أنواع البخور والعطور، والحر من الصقور والطيور، ولا يجامل في ذلك أحدًا فالحقيقة لديه أولى وأهم. ومن لطيف خبر الملك خالد مع البر، أنه سافر إلى مكة والطائف في أول سنة من حكمه، ثمّ عاد في اليوم الثامن من شوال إلى الرياض، وأقام في الطريق مخيمه بمنطقة ظلم الواقعة بين الطائف والرياض، وهناك أصدر أمره بتكوين مجلس الوزراء الوحيد في عصره.

وعند الملك خالد فراسة صائبة، وقدرة عجيبة على فهم طبائع الناس ودواخل نفوسهم، وبصيرة فائقة نافذة تعين على اختصار الحال أو الجواب بعبارة موجزة، ولو جمعت هذه “التواقيع الملكية” لجاءت لنا بمادة تاريخية أدبية لطيفة فريدة نافعة من طراز ملكي رفيع. فمثلًا سأل الملك الإعلامي د.بدر كريم عن دوافع نيته لمواصلة الدراسة والحصول على شهادة الدكتوراة، وحثه على ألّا تكون الوزارة هي مطلبه لما فيها من ثقل وهموم وأعباء. وروى عنه د. القصيبي قوله: “المسؤولون يرددون في كل مناسبة: تعبنا من العمل ونريد الراحة، حتى إذا أعفي الواحد منهم من منصبه أن أنين الناقة التي فقدت صغارها”، ومازح القصيبي حينما أخبره بأن مشروعات الكهرباء تحتاج إلى خمس سنوات فأجابه الملك من فوره: تريد ضمان المنصب هذه المدة! وحين حضر الوزراء عشاء إنجليزيًا متقشفًا على يخت الملكة “إليزابيث” وبدعوة منها، التقط الملك الرسالة، وقال لهم: العشاء عندي بعد نهاية هذه المناسبة، والحادثة ذكرها الخويطر.

وقد امتاز الملك خالد بأبوته العامة، وتودده للعلماء والمشايخ ورؤوس الناس، وتفضيله للعفو والصلح، وحنانه الصادق خاصة بالضعفة. من ذلك أن رجلًا أتاه يطالب بمستحقات أيتام من مورثهم الذي مات وهم صغار فأمر الملك من فوره بدفعها لهم. وحينما أراد بناء القصر الملكي في مكة كلف أمير مكة -نسيت أهو الأمير فواز أم خلفه الأمير ماجد– بمفاوضة السكان على التعويضات المجزية بلا إجبار. وزار المرضى والجرحى عقب فتنة احتلال الحرم، ولم يمنع دموع عينيه التي لم تستطع الكاميرات حجبها. وفي أول جلسة عقدها مجلس الوزراء بعد تكوينه قال للوزراء كلمة مؤثرة: “اهتموا بالضعفاء، أما الأقوياء فهم قادرون على الاهتمام بأنفسهم”، ويعلّق د.القصيبي كاتبًا: “هذه العبارة الموجزة تصلح في رأيي مفتاحا يمكننا من الدخول إلى عالم خالد بن عبدالعزيز الإنسان، وخالد بن عبدالعزيز الملك”.
ومن أخبار الملك خالد أنه زار مرة جامعة البترول والمعادن بالظهران، فأعجبه مهندس من أحد طواقمها، وقرر استقطابه للعمل مع الديوان الملكي خاصة حين علم أن جده هو رشيد بن ليلى، وهو من رجالات الملك عبدالعزيز وسفرائه. ومن أخباره أنه أول من قدم الشيخ علي جابر لإمامة المصلين في الحرم المكي في ليلة عشرية وترية لا تنسى. ومن جليل أخباره أن العملة الورقية صدرت بعد مرور سنة من عهده، وعليها صور والده وأخيه الفيصل، وهو إجراء غير معهود في كثير من الأمثلة المحلية والإقليمية والمشابهة.

هذه نبذة قصيرة عن الملك خالد بن عبدالعزيز، الابن السادس للملك عبدالعزيز -رحمهما الله وجميع من ذكر أعلاه-، ودفعني لكتابتها سؤال من ولديّ عنه ونحن في طريقنا إلى المسجد إذ قالا: نحن لا نعرف الكثير عنه! ومن الموافقات أن ميلاد خالد كان بمدينة الرياض في شهر ربيع الأول من عام 1331 الذي يوافقه شهر فبراير من عام 1913م أثناء توجه والده الملك المؤسس إلى الأحساء لاسترجاعها وإعادة ضمها إلى الدولة السعودية، فكان خالد فألًا حسنًا على البلاد ومليكها وأهلها. ومن الفرائد أن الملك خالد وشقيقه محمد وشقيقتهما العنود، هم الوحيدون من ذرية الملك عبدالعزيز الذين أنجبتهم زوجة من آل سعود هي الأميرة الجوهرة بنت مساعد بن جلوي بن تركي بن عبدالله، ولها مكانة خاصة في نفس زوجها، فكن خالد وريثًا خالدًا لعراقة هذا البيت الكبير من أبويه كليهما.
الرياض- السبت 16 من شهرِ شوال عام 1447
04 من شهر أبريل عام 2026م
2 Comments
التقطتم جوهر خالد بن عبدالعزيز آل سعود ..
إنسانًا يسبق الملك ..
ورحمةً تسبق القرار ..
وضميرًا يقود التاريخ .
المقال قطعة أدبية تاريخية راقية ..
تمتزج فيها المعرفة بالعاطفة ..
والسرد بالتأمل ..
والوفاء بالتحليل ..
حتى خرج لنا خالدٌ آخر ..
خالدٌ في الذاكرة ..
كما كان خالدًا في القيادة ..
لقد جعلتم القارئ لا يقرأ سيرة ملك فحسب ..
بل يلامس روح إنسان ..
ويرى ملامح أبٍ وقائدٍ ..
وحاكمٍ حمل همّ الضعفاء ..
وبكى لأوجاع الأمة ..
وعاش للوطن والدين والتاريخ .
شكرًا لكم على هذا الوفاء للتاريخ ..
وعلى هذا الجمال في الطرح ..
وعلى هذه اللفتة ..
التربوية العميقة ..
التي تجعل أبناءنا ..
يعرفون رموز وطنهم ..
بحبٍ وفهمٍ واعتزاز .
رحمه الله وشكرا لكم أ.علياء