إن الاحتفاء بوجود إخباري أو مؤرخ أو بصير بفهم التاريخ وحفظ السير والتراجم ضمن الأسرة والمجتمع لا يقل أهمية عن الاحتفاء بميلاد شاعر كما هو مأثور عن العرب وقبائلهم؛ فالشاعر لسان ناطق، والمؤرخ ذاكرة ماجدة. وقد سعدت حينما وصلتني نسخة إلكترونية من قائمة قضاة أسرة آل الشيخ التي حصرها الشاب الباحث المثقف عبدالله بن محمد بن عبدالله بن عمر بن إبراهيم بن عبدالملك بن حسين بن الشيخ محمد بن عبدالوهاب -رحم الله الجميع-. هذا الجهد لا يستغرب من صاحبه فهو الذي تشرب حبّ القراءة والبحث والعلم من أطرافه كلها، وصنيعه مشكور قابل لأي إضافة كما طلب ممن يطلع عليها، وكما هي طبيعة العلم وشأن أهله في تثوير مسائله، والحوار المثمر عنها.
سبق لباحثنا العزيز أن عمل على إحصاء الأطباء والطبيبات من أسرته، ضمن جهد يتولاه يصلح أن يكون نواة لكتاب مستقبلي، وسيشمل عمله فيما قرأت الحاصلين على شهادات عليا، والعاملين في قطاعات معينة، أو المختصين بمهن مميزة، والبحث كله خاص بالأسرة التي ينتمي إليها، ولو نشط من كل أسرة عريقة باحث لمثل هذا لكان في مجموع هذه الأعمال صورة حقيقية حسنة عن مجتمعنا العريق بمكوناته البشرية والخلقية، وبشوارعه النظيفة، وأحيائه الطاهرة، وبقاعه الكريمة التي لا يمكن تشويهها بفعل سفيه جانب الصواب، أو بافتراء مريب مغرض يريد أن تشيع فينا الشرور، أو ندمغ بيئتنا بما هي منه براء، ونسيء الظن بمن مضى وسلف من سابقينا.
إن الحفاظ على رأس المال الاجتماعي، وإعادة صناعة النخبة وتأهيلها، والاحتشاد لضمان التعاقب وحسن الخلافة، شأن م نشؤون العراقة يجب التشبث به قدر الوسع والطاقة. وإن التوارث المهني قديم في المجتمعات والأسر، حتى غلبت أسماء المهن على فروع من أسر، ولا أدل على ذلك -بما أننا في سياق القضاء- من وجود أكثر من أسرة عربية تحمل اسم القاضي، للتعبير عن هذه الوظيفة الجليل شأنها، والخطير أثرها على أي بلد ومجتمع، حتى وصف القضاء بأنه عرض الدولة بما للدولة من معنى يضم الحكومة والمجتمع، والحمدلله أن جعل قضاء السعودية من العلماء والفقهاء ذوي العلم والفهم والعقل.
بناء على ذلك، سوف أستعرض أهم ما بدا لي من مطالعة هذه القائمة، مع ذكر بعض الإضافات التي آمل أخذ المناسب منها في الحسبان مع أي تجديد لهذه القائمة الطيبة:
- اشتملت هذه القائمة على أربعة وخمسين قاضيًا من الرجال منذ قيام الدولة السعودية، منهم ستة عشر قاضيًا تولوا هذا العمل بعد عام (1390=1970م) الذي سمي فيه أول وزير للعدل في السعودية.
- أول اسمين في القائمة هما نجلا الشيخ المجدد: الشيخ حسين، والشيخ عبدالله، وآخر اسمين ملازمان قضائيان، وأكثر القضاة هم من أحفاد القاضي الأول الشيخ حسين بن محمد بن عبدالوهاب مع وجود قضاة من بقية الفروع، والله يبارك للكافة.
- أشار الباحث إلى معلومة جليلة نادرة، هي أن في قائمته من هو قاض ابن قاض إلى عدد من آبائه الأعلين، وهما الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن حسن بن حسين بن علي بن حسين بن الشيخ محمد، والشيخ إبراهيم بن صالح بن إبراهيم بن صالح بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن حسين، واللطيف أنهما من ذرية القاضي الأول من أبناء الشيخ وهو الشيخ حسين.
- اختلفت المهام القضائية التي تولاها القضاة في القائمة، وقد أوضحها الباحث أمام كل اسم، وبعضها مهام تأسيسية، وكم في التأسيس من مشاق وعوائق.
- ظلّ العلم والقضاء متوارثًا في هذه الأسرة العريقة مدة أربعة قرون متوالية، ولا ريب أن ذلك ما جاء مصادفة، وإنما بعد الدعاء بصلاح الذرية، مع حسن التربية والتعاهد، وهذان عملان لهما عظيم الأثر في تحقيق هذه الفضيلة النادرة، بعد ضمان وجود بيئة مشجعة، وحاضنة محفزة، والتوفيق من الله.
- أسندت مهمة القضاء لهؤلاء القضاة الكرام في عدة مناطق من المملكة كما حدد الباحث خاصة مع القضاة القدامى، أما المعاصرين فلم يحدد أماكنهم.
ومما أتمنى التنويه عنه في الطبعات القادمة للقائمة:
- تحديد سنوات عمل كل قاض في مهمته، وتعيين اسم الحاكم الذي تولى القاضي المسؤولية في عهده قدر الإمكان.
- ورد في القائمة اسمان لهما أهمية في تاريخ القضاء السعودي هما الشيخان المتعاصران عبدالله بن حسن ومحمد بن إبراهيم، و هما من هما في القضاء والمشيخة، والتنويه عن ذلك واجب لهما ولأمانة التاريخ.

- للشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن حسن كتاب عن تاريخ القضاء في السعودية، وربما يوجد لغيره من قضاة القائمة مؤلف يجري في السياق ذاته، والإشارة لذلك يزيد من قيمة البحث.

- يوجد ضمن القائمة ثلاثة قضاة -فيما أعلم- خطبوا على منبر عرفة، هم الشيخ عبدالله بن حسن، ونجله الشيخ عبدالعزيز، والشيخ الدكتور حسين بن عبدالعزيز، والأولان خطبا في الحجاج بيوم عرفة متعاقبين مدة تتجاوز نصف قرن.

- خطب ثلاثة من قضاة هذه القائمة -فيما أذكر- على منبر المسجد الحرام بمكة، والمسجد النبوي بالمدينة، وهم على التوالي: الشيخ عبدالله بن حسن، ونجله الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن حسن وكلاهما في مكة، والشيخ الدكتور حسين بن عبدالعزيز بالمدينة.

- يوجد في هذه القائمة وزير واحد هو الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن حسن ثاني وزير للمعارف في السعودية، وينتسب لوالده الشيخ عبدالله بن حسن أربعة من أعضاء مجلس الوزراء السعودي هما نجلاه الشيخان عبدالعزيز وحسن، وحفيداه د.عبدالرحمن و د.محمد أبناء الشيخ عبدالعزيز، والشيء بالشيء يذكر؛ إذ ينتسب للشيخ المفتي القاضي محمد بن إبراهيم ثلاثة وزراء هما نجلاه، وحفيده الشيخ صالح بن عبدالعزيز.

- ربما يناسب الإشارة إلى حمل اثنان من أبناء هذه الأسرة التميمية الضاربة عروقها في الأصالة والمحامد المسؤولية عن وزارة العدل، هما: الوزير الثاني الشيخ إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، وأخوه الوزير الرابع الشيخ د.عبدالله بن محمد بن إبراهيم، وإن لم يكونا من القضاة، وهما بالمناسبة أبناء للمفتي والقاضي الجليل الشيخ محمد بن إبراهيم الوارد في القائمة.
- ربما يكون من الملائم توضيح أن وزارة العدل تأسست عام 1382، لكن قيام كيان الوزارة، وتسمية أول وزير لها تأخر إلى عام 1390. ومن جليل الإشارات أن عدد القضاة من هذه الأسرة الكبيرة المهمة قليل قياسًا للمدة الزمنية الطويلة، وامتداد رقعة البلاد، والحاجة المستمرة والماسة للقضاة، وتوافر دارسي الشريعة وعلمائها في أبناء الأسرة، وهذا دليل على أن هذا المنصب المهم لا مجاملة فيه البتة!

أخيرًا: أسأل الله أن يبارك في كل جهد علمي، وأن يزيد فينا الخير والمكارم والمروءة. ومن نافلة القول التي يؤمن بها الكرام من آل الشيخ وغيرهم أن العلم لا يورث بمجرد الانتساب لأسرة أو بلد، وإنما هو منزلة تحتاج إلى تعب في التحصيل، وصبر على التلقي، وكفاءة مع أمانة وتقى، والعون من الله. لكن من المهم الإشارة إلى أن الأهلية كلما توافرت في أبناء الأسر العريقة والنبيلة فهو الأحسن والأكمل من عدة وجوه، فقد كان عمرو بن العاص -رضي الله عنه- يجزم بأن موت ألف من العلية أقل ضررًا من ارتفاع واحد من السفلة، ويمكن الفهم من مقولة الصحابي الداهية بأن تصدير المستحق من العلية يقصي الكثير الكثير من السفلة، والكثير الكثير من الشرور.
الرياض- الخميس 07 من شهرِ شوال عام 1447
26 من شهر مارس عام 2026م