عدت من سفر قطعني عن زيارة معرض الكتاب الذي كان عندما رجعت في آخر أيامه؛ لذلك فوضت أحد الأصدقاء المثقفين -الذين أضمن أنهم سيأخذون المبالغ المصروفة لأجلي- بإحضار بضعة كتب، فلم يظفر بنسخة من هذا الكتاب الذي نفد وليس نفذ، وإن كان قد نفذ إلى عمق المجتمع؛ ذلك أني سألت مكتبة مشهورة بإتاحة نسخ من أهم كتب المعارض بعد نهايتها، فقال البائع الذي يعرفني جيدًا: هذا الكتاب بالتحديد لم نحصل منه على أي نسخة! وقد عرض عليّ صديق من أصحاب المعالي أن يعيرني نسخته فشكرته ولم أقبل؛ لأني لا أميل إلى الاستعارة حذرًا من تسلل قلمي إلى هوامش كتاب لا أملكه.
عنوان هذا الكتاب هو: الوقوف على أطراف الأصابع ذكرياتي مع جائحة كورونا ٢٠٢٠، تأليف: توفيق بن فوزان الربيعة. صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عن رف للنشر عام (1444=2023م)، ويقع في (187) صفحة، ويتكون من الفهرس والإهداء فالمقدمة، ثم ستة عشر عنوانًا تأخذ القارئ معها من بحر هادئ إلى نهاية مفتوحة، ويعقبها أرشيف الصور التي لم تكن قاصرة على ما يخص المؤلف. ويظهر على الغلاف الأمامي صورة ذات دلالات؛ ففيها نَفَس عملي لافت، ومتابعة حثيثة، وقرب المسؤول الأعلى من التنفيذيين، وفيها احمرار أجزاء من العالم على الخريطة، في حين امتن الله على بلادنا بكثير من السلامة، والنجاة، والحمدلله.

يحكي الكتاب قصة جائحة “كورونا” فقط، ووردت فيه بشرى سريعة من الوزير الهمام مفادها أنه يدون منذ زمن، وأن تجربته الكاملة الثرية ستظهر في كتاب، وأقول -وربما يشاركني كثيرون-: يسر الله تمامه ونشره على خير في الوقت المناسب، فعند د.الربيعة خبرة جعلت وزارة التجارة صاحبة تجربة ونموذج، وفوق ذلك لديه ذكريات ومنجزات فيها وفي الصحة والحج والعمرة وهيئة الحرمين وغيرها، ويخلق ما لا تعلمون.
من الموافقات اللطيفة، أن وزارة الصحة، التي وصفها الراحل د.القصيبي بأنها “محرقة الوزراء”، قد كتب عدد ممن تولوا المسؤولية الأولى فيها سيرهم الذاتية أو جزءًا منها، سواء أطالت مدتهم فيها أم قصرت، وهم على الترتيب من الذاكرة دون مراجعة، مع حفظ الألقاب وبذل التوقير لهم إضافة إلى الدعاء: (نصيف، جميل الحجيلان، الخويطر، الجزائري، القصيبي، شبكشي، المانع، وأخيرًا -حتى الآن- الربيعة صاحب هذا الكتاب)، وهي أكثر وزارة سعودية في عدد الوزراء بعامة، وفي عدد من كتبوا سيرهم من هؤلاء الوزراء كذلك.
في هذا الكتاب مواقف طريفة، وأرقام، وفوائد في الإدارة العادية، وإدارة الأزمات، واستشراف المستقبل، وفيه إشارات لكيفية التعامل الدولي، وفنون قيادة ذوي الاختصاص، والتفاعل الإعلامي والمجتمعي، وغير ذلك. وسوف أسرد أهم الفوائد التي لفتت نظري في هذه السيرة المختصرة المرتبطة بحدث واحد فقط، ومن المؤكد أن بعضها من المشتركات والمشتهرات، ولا تخلو من نوادر وفرائد، وهي قطعًا لا تحيط بما في الكتاب، وللقارئ أن ينظر فيه ويستفيد منه، فمنها دون نسبة النص كما هو للمؤلف:
- اختيار الأعوان المؤهلين ذوي الكفاءة والتميز يعين المسؤول على تحقيق الأهداف. يحسن هنا الإشارة إلى أن كثيرًا ممن عملوا مع د.توفيق ارتقوا إلى مناصب أعلى.
- من أولى المهام وأكثرها أولوية بناء الفريق أو فرق العمل التي تسند إليها مهام واضحة وصلاحيات محددة.
- الشورى منهج أساسي في الإدارة، مع مراعاة أن المسؤول الأعلى -أحيانًا- يرى ما لايراه غيره، ويعلم أكثر مما يعرفه فريقه.
- الاستعانة بأهل التخصص ضرورة، وإتقان فن قيادتهم، واستخلاص المعلومة منهم، مما يحتاجه المسؤول غير المختص.
- الاستعداد للمستقبل حتم لازم، والاستشراف علم له أصوله وأدواته، ويجب أن يكون مؤثرًا حتى ينفع في صد الأزمات أو تخفيفها، وفي الإفادة من الفرص. من سبل التهيئة القبلية تأسيس المركز الوطني للأزمات والكوارث، ومركز القيادة والتحكم.
- التقنية مساعد إذا قلّ الساعد، وإن تفعيلها من ركائز عمل الوزير الربيعة الذي درس الإدارة، والرياضيات، والتقنية، فمزجها بمنتجه الإداري.
- الاطلاع على التجارب الأخرى حكمة ظاهرة البركة، ويكون ذلك بالقراءة، والزيارة، والاستضافة، والاشتراك في اللجان والمشروعات والمنظمات الدولية ومع المستشارين، وبعدها يمكن استجلاب الأنجح، وتطويعه لواقعنا وأعرافنا.
- إن وقوف المسؤول عن الأمر بنفسه على العمل والنتائج والعوائق يلغي الحاجة لألف تقرير قد يخفي بعضها أكثر مما يبين! كتب المؤلف بالنص المختصر: لا تستسلم لبعض الألوان الوهمية التي تجلب لك التصفيق لكن ربما يعقب هذا التصفيق شتائم! إن النجاحات العظيمة تبنى على تأسيس قابل لأن يكون ذا ديمومة.
- الاجتماع الصباحي الباكر سياسة تضمن الالتزام بالحضور للعمل، وكسب الوقت للإنجاز، وتحمي من السهر الذي أشركته العرب -وصدقت- مع الضجر في ثنائية تقود إلى المرارة!
- يقدم التوثيق والإحصاء الشاهد والبرهان على أي معلومة، وهو بعد مهم يقع على عاتق المسؤول وفريقه. يجدر الإشارة هنا إلى أن الإحصاء يكون مجديًا مع الشرح والمقارنة؛ فالأرقام وحدها ربما تخدع.
- من المروءة نسبة الفضل لأهله وشكرهم على الإحسان والإتقان، وهذا عين ما يراه المطالع لهذه السيرة.
- إن التمكين من أعلى مراتب التفويض، وهو صلاحية قيادية حرجة ولا بد منها من أجل التأهيل وضمان التعاقب، وحتى يصنع القائد من أفراد فريقه رؤوسًا وقادة، والتمكين لدى د.الربيعة أظهر من “سهيل” الذي سيبزغ في قابل الأيام.
- يجب على القائد أن يكون صريحًا واضحًا مع مرجعيته الإدارية، ومع فريقه المحيط به، ومع مجتمعه المتأثر بعمله. أسلوب الاسذكاء والغمغمة مضر وغير صحى، وقد حمى الله وزيرنا الربيعة منه.
- استخدام وسائل الإعلام، والحملات المجتمعية، يحتاج إلى يقظة، وحذق، وذوي اختصاص، وبراعة في انتقاء الرسالة ومحتواها القصير المعبر، وأظن أن وزارة الصحة فطنت لذلك وطبقته إبان الجائحة باحتراف.
- لكل فئة مستهدفة خطاب إعلامي يلائمها، ولكل حال لغته التي تؤدي الغرض المنشود، ولكل جيل قناة هي الأفضل، وتلك حنكة يوفق الله لها من شاء من عباده.
- لم يكن مركز الاتصالات الموحد مجرد مركز استقبال وجواب، بل مركز لقياس نبض المجتمع، ورضاه، ولاستخلاص نتائج مهمة.
- الاكتفاء الذاتي من كل شيء عامل حاسم في حماية الأمن القومي.
- وحدة الشعور بين الكيانات الإدارية المتماثلة في المستوى يجعل التعاون أنجع وأكبر، وهو ما حدث في الجائحة حين بادرت كل وزارة لتقديم ما تستطيعه في هذا السبيل، مما جعل المؤلف يشكرهم بجلاء وعرفان.
- قد تنتفخ المشكلة وتغدو مثل بالون كبير، وعلاجها يأتي فقط من رأس دبوس صغير! ما أكثر ما تتضاعف المشكلات وتعظم بتعقيد طرق حلها الذي يكفيه إجراء يسير.
- كان للدعم الكبير من لدن قيادة البلاد، وعلى رأسها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -حفظه الله وأمتع به-، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله وأعانه-، تأثير بالغ في مستوى إدارة وزارة الصحة ووزيرها لملف هذه الجائحة. من مفردات هذا الدعم: التفويض، وسرعة التجاوب والتوجيه، والتمكين المالي والإداري نحو الأجهزة الأخرى، والتدخل لدى زعماء الدول الأخرى من أجل إنجاح عمل الوزارة. لقد كانت النتائج -بفضل المولى- باهرة مذكورة.
- لا استثناء من أجل الصحة العامة، لا مجاملات ولا امتيازات في الشراء، هذه قواعد حاكمة صدرت من سمو ولي العهد فأراحت الوزارة في إدارة هذه الأزمة المقلقة لحظاتها، الحرجة تبعاتها. إن منع الاستثناء، وقطع الطريق أمام الامتياز والمجاملة، يضمن العدل، والاستقلال، وتوسيع مساحة الاطمئنان، والتضييق على الشائعات والمغرضين.
ومع أن الكتاب جاء في سياق جائحة خانقة، إلّا أنه لم يخل من جوانب ذاتية وشخصية ننتظرها مع غيرها في السيرة الكاملة. وفي هذه القصة المرعبة طرائف ومواقف محرجة، مثل متابعة الناس لمن يحصل على اللقاح قبل غيره، وبترًا للظنون الفاسدة، اضطر “مشهور” للإفصاح عن عمره الذي أخفى حقيقته “التشبب”، وقال أمير فكه إنه أخذ اللقاح بشفاعة السمنة وضغط الدم! ودخلت شقيقة الوزير ونجلها المحجر مثل غيرهما، وطلب رجل في المحجر فصله عن زوجته لأنهما تطلقا، في حين هاج آخر لإخراج زوجه من المحجر بعد أن طال مكثها فيه لتأخر شفائها، مما اضطر الوزارة لفحصها يوميًا حتى برئت ولزوجها خرجت بعد طول غياب.
وفي تضاعيف السيرة، وقف د.الربيعة -وهو الواقف مع غيره على أطراف الأصابع- مع نظرية المؤامرة، وأصحابها. ليس المجال هنا لنقاش هذه المسألة الشائكة، القديمة المتجددة، وإنما للإشارة إلى أن التشكك، والتوجس، من الغريب، والجديد، سمة مجتمعية، وجبلّة بشرية، لا يمكن أن يوصم بها مجتمع، أو جيل. هذا الوصم من الظلم إذا قصر على مكان أو زمان أو فئة، وقد أجاد الوزير في الحديث عن هذه الظاهرة بهذا المعنى بلا تخصيص، توقيرًا لمجتمعه وبيئته وأناسه، وإعلاءً للحقيقة.

إن هذه الرواية مهمة لجيل قادم لم يعاصرها. هذه الرواية مفيدة لمن يريد دروسًا تطبيقية في الإدارة والقيادة والإعلام والاستشراف. هي رواية تجعل المواطن في حال “تأكد” و “تطمن” من كفاءة المؤسسات الحكومية ومسؤوليها. هي رواية تشعرنا بنعمة الصلاة جماعة بعد أن كانت في البيوت مدة متوالية، وتشعرنا بنعم العمرة والحج والاجتماع الأسري التي حجبت إبان الجائحة. إنها رواية حفظت لنا أسباب التوسع في العمل والاجتماع والتعليم عن بعد، وليت أن بعض احترازاتها المجتمعية تستمر طوعًا. وأخيرًا؛ فهذه الرواية تزيد من ثقة الناس وطمأنة المجتمع وزيادة ولائها لحكومة جعلت فريقًا ضخمًا، على رأسه وزير طوال، يقفون على أطراف الأصابع، ليشاهدوا القادم قبل الجموع، فالرائد يفدي أهله ولهم يحسن وينصح.
الرياض- السبت 08 من شهرِ صفر عام 1447
02 من شهر أغسطس عام 2025م
6 Comments
مقال جميل من اخ عزيز جزيتم خيرا وبوركتم
ووزير مبارك نفع الله به الاسلام والمسلمين فجزاه الله خير الجزاء
كلنا ثقه في اختيارات ولي الامر من رجالات الدولة
احسنت الشرح
بيض الله وجهك دائماً طرحك مفيد 🌷
بارك الله فيك والدكتور توفيق محب للعمل ومخلص والله يوفقه ويسعده
أحيانًا ..
يكون الوقوف على أطراف الأصابع ..
سرّ التميّز في الإدارة ..
جزى الله د .الربيعة خير الجزاء ..
على جهوده العظيمة ..
وجعل سيرته نورًا يهتدي به ..
كل من يسعى لخدمة وطنه ..
ومجتمعه ..
وشكرًا للأستاذ ..
أحمد بن عبدالمحسن العسّاف ..
على هذا الجهد الرصين ..
في توثيق الأحداث ..
وإثراء المشهد الثقافي بسرد أصيل ..
يحفظ الحق ..
ويعلي المروءة ..
ويترك أثرًا خالدًا في ذاكرة الأجيال .
اللهم آمين