السياسة الكتابة قراءة في كتاب

الوزراء بين الكتابة والتّدبير

الوزراءبينالكتابةوالتّدبير

قلّما يخلو مجلس وزراء من وزير كاتب حتى في الأنظمة الانقلابيّة، والقمعيّة، فالوزير الكاتب المثقف زينة حيثما حلّ، فضلًا عن عقله وبعد نظره إن كان في الحكومة من يرنو للإفادة منهما، خاصة إذا تشجّع بقول ما يعتقده، وقليل من يفعل.

ولو سرد القارئ أسماء الوزراء في بلده لوجد منهم كتّابًا معروفين، وفي السّعودية-مثلًا- كان الوزيران الرّاحلان د. عبد العزيز الخويطر، ود. غازي القصيبي من الوزراء الكتّاب أصحاب المؤلفات، والمقالات، والدّواوين، ومّما يروى أنّ الملك سلمان كان يثني على نوع الخطّ المستخدم في كتب الخويطر، ومع أنَّ بعض إبداعات القصيبي مثيرة للجدل دوليًا أو محليًا؛ إلاّ أنّها لم تنقص من مكانته، ولم تؤثر على موقعه في المجلس.

 ومن الوزراء الكتّاب د. محمود سفر، ود. محمد الرّشيد وغيرهما، وعندما اختار الملك فهد ستين رجلاً لعضوية أول مجلس شورى حديث عام 1414، كان غالبهم من الكتّاب، ولذا راجت سوق الكتابة عند من يتطلعون للمناصب، وزاد في نهمهم أنَّ عدداً من الكتّاب من أعضاء الشّورى أصبحوا وزراء خلال عضويتهم، مثل الوزير الكاتب د. علي النّملة.

وارتبطت الكتابة بالوزارة في التّاريخ الإسلامي، وأصبح الكاتب وصفاً للوزير أو رئيس الوزارة، ولازال هذا الوصف مستخدمًا في بعض بلدان مغربنا العربي الجميل. واشتهر عبر الأزمان كتّاب وزراء أماجد، كان لهم قدح معلّى في الكتابة، والحكمة، وإدارة الدّولة، ومنادمة الخلفاء. وحين ألّف العالم السّوري محمد كرد علي كتابه الماتع “أمراء البيان” كان من اللافت أنّ أغلبهم ممن تولى الوزارة، وسبق لي استعراض الفوائد الكتابية من هذا السِّفر العذب.

ولبُّ الوزارة شدُّ أزر الحاكم بالعلم، والعمل، وصواب الرّأي، وحسن التّدبير، ولذا كان اختيار الوزير، والمشير، والمنادم، أمرًا حاسمًا في مسيرة الخلفاء والأمراء، ومؤثراً على أدائهم وتوجهاتهم، كما صنع الوزير نظام الملك مع ألب أرسلان وابنه ملكشاه خاصّةً في التّعليم والجهاد؛ حتى خلدت ذكراهم في سجّل الثّناء العاطر.

وسعدت الوزارات وتاريخها بأسماء لامعة مثل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ورجاء بن حيوة، وابن حزم، وابن خلدون. وبالمقابل كان أحمد بن أبي دؤاد علامة سوداء في تاريخ المأمون ومن بعده، وأصبح الجعد بن درهم شؤماً على مروان بن محمد؛ خلافًا لكاتبه ووزيره الوفي عبد الحميد بن يحيى الذي تمنّى المنصور رجلاً مثله في دولة بني العبّاس.

وبين يدي كتاب لطيف جداً، وله أمثلة في إرثنا الحضاري الرّائع، بيد أنّه من أميزها، عنوانه: كتابالوزراءوالكتّاب، تأليف أبي عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري المتوفى عام 331، وصدرت طبعته الأولى عام 1408=1988م عن دار الفكر الحديث للطّباعة والنّشر، وصفحاته عددها (216) صفحة، وابتدأ بتقديم كتبه د. حسن الزّين، ثم مقدّمة المؤلف، فأخبار الوزراء الكتّاب منذ أيام الرّسول صلى الله عليه وسلم إلى نهاية عهد المأمون، وأغلب الكتاب يتحدث عن دولة بني العبّاس.

الكتّاب هم تراجمة الملوك كما ذكر المؤلف في مقدّمته، وكانت الملوك تقدّمهم، وتعرف فضل صناعتهم، وتفتّش عن عقولهم قبل استكتابهم، لأنّهم نظام الأمور، وكمال الملك، وبهاء السّلطان، وهم الألسنة النّاطقة عن الملوك، وخزّان أموالهم، وأمناؤهم على الرّعية والبلاد.

وسأذكر بعض درر الكتاب، آملاً أن تنفتح شهية القارئ لقراءته كاملاً، فلربما انتفع منه، ونفع به، حتى لو لم يسبق القدر له بالتّوزير، فرّبّ محتجب أعظم تأثيراً، وأكثر بركة، ممن ظهر واستظهر، علمًا أنّي قد لا أنسب هذه المقولات كلّ مرّة:

  • قال ملك فارسي لكتّابه: لا تزينوا لنا مالا تليق بنا الأحدوثة به.
  • بعد همة الوزير دليل على وفائه.
  • إذا كان الوزير يساوي الملك في المال والهيبة والطاعة فإنّ أحدهما سيصرع الآخر.
  • لا ينبغي لملك أن يستشير وزراءه في أسراره وهو مجتمع بهم، لأنَّ الخلوة بكلِّ واحد منهم أحفظ للسّر، وأحزم في الرّأي.
  • ثقل على كتّاب المنصور شدّته في المتابعة وتفقد الأعمال، فقالوا لطبيبه: زين له النّبيذ ليتشاغل عنّا؛ ولك المنّة!
  • العجب للسّلطان كيف يحسن وهو لو أساء كلّ الإساءة لوجد من يزكيه! يحيى بن خالد البرمكي.
  • استعينوا بالأشراف، وإيّاكم وسفلة النّاس؛ فإنّ النّعمة على الأشراف أبقى، وهي بهم أحسن، والمعروف عندهم أشهر، والشّكر منهم أكثر. يحيى بن خالد.
  • سأل يحيى مؤدبي ابنه: هل اتخذتم له في أعناق الرّجال منناً؟ وحببّتموه إلى النّاس؟ قالوا: لا! قال: فبئس العُشراء أنتم!
  • نحب أن نؤمّن من بُعد عنّا، فكيف نخيف من كان على بساطنا؟! يحيى بن خالد.
  • الخسيس إذا أيسر تجبّر، والكريم يتواضع. يحيى بن خالد.
  • من تكبّر بعد المنصب فقد نال فوق قدره، ومن تواضع كان أكبر من المنصب.
  • لا أرحام بين الملوك وبين أحد.
  • لما تقلد يحيى بن خالد الوزارة اقترح عليه بعضهم أن يتخذ حاجباً يليق بمكانه، فأبى إلا حاجبه لأنّه يعرف إخوانه القدماء!
  • ما وقع غبار موكبي على لحية رجل إلا أوجبتُ له على نفسي حقًا! يحيى بن خالد.
  • وقّع جعفر بن يحيى على رقعة محبوس: العدوان أوبقه، والتوبة تطلقه.
  • استعجل الرّشيد جعفراً، وبين يديه صحائف كثيرة، فوقّع على ظهرها: “يُعمل في ذلك بما يعمل في مثله على سنن الحقّ وقصده، وجهة الانصاف وسبيله إن شاء الله”، وصارت كلمته متداولة بين الوزراء والكتّاب، وربما تكون أساسًا للشّرح الرّسمي المشهور: حسب النّظام!
  • أوصى يحيى ولديه جعفراً والفضل بالبناء؛ لأنّه لا شيء أبقى ذكراً من البناء.
  • إذا آذنت المدة بالانقضاء جعلت المحاسن مساوئًا، ومن أراد أن يتجنّى قدر. يحيى بن خالد معلقاً على نكبة الرّشيد بهم.
  • كان آل العباس يتضايقون من نعيم مروان بن محمد ودنياه، فقال كبيرهم محمد بن علي: إذا اجتمع سكر الشّباب، وسكر السّلطان، وسكر المال، لم يبق من القلب شيء.
  • احفظوا عنّا ثلاثاً: الجوار نسب، والمودة نسب، والصّناعة نسب.
  • مسألة الملوك عن حالهم من تحية الحمقى! الفضل بن الرّبيع.
  • قال أبو نواس مخاطباً الأمين ومعرِّضًا بكاتبه إسماعيل بن صبيح:

أعيذكبالرّحمنمنشركاتب ******* لهقلمزان،وآخرسارق!

  • كان الفضل بن سهل لا يجيب من سأله بنعم حتى لا يكون ضامنًا، ولا يجيبه بلا كي لا يكون مؤيسًا، وإنّما يقول ننظر ويسهل الله؛ فيرضي الجميع.
  • قبول السّعاية شر من السّعاية ذاتها. الفضل بن سهل.
  • عجبت لمن يرجو من فوقه كيف يمنع من دونه! الفضل بن سهل.

وفي الكتاب قصص طويلة، وأخبار طريفة، وحكم وفوائد يمنع خشية الإطالة من إيرادها، ولعلّ في التّنبيه عليه وعلى أمثاله من المؤلفات وهي كثيرة في المكتبة العربية القديمة ما يكون سببًا للقراءة والاطلاع من كلِّ مسؤول، ووزير، ومشير، ونديم، وكلّ من أراد أن يكون مثالًا من العيار الثّقيل النّفيس على رجل الدّولة الحازم الحكيم الحليم.

أحمدبنعبدالمحسنالعسَّافالرّياض

ahmalassaf@

الإثنين 05 منشهرِجمادىالأولىعام 1439

22 منشهرينايرعام 2018م

 

رأيك أنت مهم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *