إدارة وتربية سير وأعلام

كيف يترك المسؤول المغادر أثرًا حسنًا؟

أمر لا مناص منه أن يغادر أيُّ مسؤول موقعه سواء مغادرة نهائية أو انتقالًا لمنصب آخر، فهذه من سنن الحياة وطبائعها التي لا تتبدل. ومن الظلم إلقاء التبعات على المسؤولين وذوي المناصب فقط، ذلك أن الأخطاء والملاحظات ترجع إلى أسباب متداخلة، ويصعب قصرها على واحد فقط، وكلما اتسعت آفاق المرء، وزادت خبراته، وعرف منطق الأشياء وحقائق النفوس، أصبح إلى تحري الأعذار وإيراد الاحتمالات أقرب، وهذا لا يعني الغفلة الساذجة، وإنما فتح منفذ للعذر، وإبقاء موضع للصلح، وخط للرجعة، وهو ديدن العقلاء النبلاء.

ثمّ إني بعد ملاحظة عدة تفاعلات في الآونة الأخيرة مع مسؤولين أصبحوا “سابقين”، برز إلى الذهن سؤال خلاصته: كيف يستطيع المسؤول أن يترك أثرًا حسنًا بعد مغادرة المنصب؟ وهو سؤال قاد إلى الاجتهاد في البحث عن خلاصة تُساق للإجابة عنه. والله يوفق أي مسؤول لفهم أن منصبه مؤقت، وأنه أكبر من “الكرسي” أو هكذا ينبغي، ويوفق الناس لتحري الإنصاف، واتساع الأفق، وتحاشي المبادرة العاجلة إلى الاتهام أو اللوم.

وعليه، فهذه مقترحات تعين المسؤول على ترك المنصب وقد أدى الأمانة بما يبرئ ذمته وهذا هو الأصل المرتجى، مع الظفر بالأحدوثة الحسنة وهذا نفل وحاشية، علمًا أنها جاءت على ثلاثة أقسام: مبادئ أساسية، ومناهج عمل، وإجراءات انصراف، وهي:

طاعة الله قبل أي شيء:

إن طاعة الله من قبل أي مسؤول ليست مستحيلة مهما كان العمل الذي يتولاه، ومهما كان فيه من حرج أو مخالفة، فمن فهم أحكام الشريعة، ووعى السياسة الشرعية، وسأل بصدق، وتحرى، فسوف يصل إلى طريق السلامة غالبًا، والموفق من أرضى الله ولو أسخط البشر، فبرضا المولى يرضى كل أحد.

من الكتب الواضحة المفيدة في هذا الباب كتاب السياسة الشرعية لشيخ الإسلام ابن تيمية، وكم وددت والله لو قرأه كل ذي منصب كبير، والكتاب مخدوم علميًا، وله عدة شروح وتعليقات، وعباراته واضحة لا تعقيد فيها، وهو مثال يوجد غيره في مكتبتنا العربية الإسلامية.

العدل يلجم الأفواه:

إذا كان المسؤول عادلًا فلن يستطيع أحد إثبات شيء من الخطأ عليه، خلافًا للظالم أو المتحيز، ومن عجيب المقادير أن بعض من جانب العدل وقع في شر أعماله، ومما وقفت عليه أن مسؤولًا رشح آخر لمنصب نيابته بناء على تعصب مناطقي، فكان هذا النائب شوكة في حلق المسؤول الذي رشحه وقربه وأقصى غيره.

من هذا الباب معالجة النزاعات والخصومات بالعدل، والمكافأة أو المعاقبة بميزان العدل، وغير ذلك فالعدل ما كان في شيء إلّا جلب إليه الأمان والهدوء غالبًا.

النزاهة درع واقية:

قد يخالف الناس المسؤول في أشياء كثيرة، بيد أن بعض المسؤولين يوفقه الله إلى قطع الطريق أمام أي شبهة أو شائبة تمسّ نزاهته المالية والإدارية، وقد استمعت إلى مسؤولين عملوا مع أسماء شهيرة، وذكروا تحفظاتهم على بعض طرائقهم في العمل، لكنهم أجمعوا على نزاهتهم الفائقة ماليًا وإداريًا.

الالتزام بالأنظمة والتعليمات:

الالتزام كفيل بأن يجعل صاحبه في مأمن من سهام الترصد خاصة إن لم تكن متابعته للنظام انتقائية أو متحيزة، وهذه المتابعة إذا كانت بحكمة وابتغاء المصلحة فستغدو مقبولة حتى لو أعمل ذو المنصب روح النظام ومقاصده، وتجاوز جوامد نصوصه من أجل غاية نبيلة، وقد سمعت من أكثر من وزير سابق أن ولاة الأمر يقدرون من يصنع ذلك مادامت المصلحة العامة لا الشخصية أو الفئوية هي رائده الباعث على هذه المقاصدية الشفافة المعلنة.

التوثيق يقطع التجني:

يعجبني المسؤول الذي يحرص على توثيق أعماله وقراراته ومنجزاته؛ فهذا التوثيق -دون إفشاء أسرار- يقطع الطريق أمام البهتان والجرأة وعريض الدعوى، وما أكثر من يسرع إلى الجناية على غيره بجرأة دون حياء.

إحداث الأثر:

وهذا الأثر يختلف، فبعضه نظام يصدر، أو عمل يبدأ، أو مباني وتقنيات، أو استقطاب كفاءات وصناعة قادة، أو إنهاء مشروعات، وحل مشكلات، وبناء إستراتيجيات، فهذه كلها تجعل المسؤول يودع منصبه وهو مطمئن، وقد قيل لي من خبير عارف: إن معالي الشيخ عبدالعزيز الراشد قضى سنتين تقريبًا محافظًا للمؤسسة العامة لتحلية المياه، فأنجز فيهما من المشروعات ما يحتاج إلى سنوات! وقد تذكرت العامين اللذين قضاهما عمر بن عبدالعزيز خليفة ففعل ما جعله المجدد الأول للدين في تاريخ الإسلام.

إن أوجب الواجب على المسؤول هو أن يترك مقر العمل خيرًا مما كان عندما تسلّم الأمانة عنه، وإنه لشأن ثقيل مقدور عليه بعون من الله وتأييد.

سياسة الواسطة:

يُبتلى المسؤول بطلبات الشفاعة والواسطة وربما تجاوز الأنظمة، وهي مما يُحنق عليه طالبها إن لم يستجب له، ويغضب الآخرين إذا تجاوب معها خاصة إن لم يكررها لهم، ومن أحسن الآراء التي سمعتها في هذا ما وُصف به معالي د.سليمان السليم -وزير التجارة ووزير المالية الأسبق- بأنه لا يعامل أقاربه وأصدقاءه معاملة تفضيليّة، ويخدمهم بشرطين هما: ألّا تكون الخدمة مخالفة للنّظام، وألّا تصبح على حساب طرف آخر. 

قبل الوداع:

ليس من المهنية والانضباط أن يتخذ المسؤول في أيامه الأخيرة قرارات مصيرية أو محرجة لخلفه، ومن حسن العهد أن يسلّمه الأمانة وما يتعلّق بها بوضوح خالٍ من الرموز والأسرار، فهي خدمة عامة غير قابلة لجعلها مستغلقة على من تسند إليه.

كتاب الوداع:

بعض المسؤولين يوفق إلى صياغة رسالة وداع لطيفة موجهة إلى زملائه ومرؤوسيه وربما رؤسائه، وفيها شكر واعتذار وربما وصية، ومثل هذه الرسالة تمحو بعض ما علق في النفوس من بقايا ورواسب، مع أن النفوس البشرية مركب كثير العجائب! من خير ما يضمنه المسؤول في كتاب الوداع أن يثني على المؤسسة ومآثرها، ويحثّ على التعاون مع خلفه، ومن أجمل ما ينتهجه ألّا يتابع أخبار مؤسسته ومن جاء بعده، وألّا يصبّ عليها وعليهم نيران الغضب أو يرشقهم بسهام النقد، وخير ما يقدمه لنفسه أن يدعو لهم بالمعونة والسداد سرًا وجهارًا.

بعد المغادرة انتبه!

قد يحسن بالمسؤول إذا غادر منصبه أن ينتبه ويقدر المصلحة ما بين السكون أو الإقبال على الكتابة والحديث، وإذا اختار الثانية فمن المناسب التماس الدقة، والاعتراف بفضل الآخرين، ووجود القصور، وبيان العقبات، والاستعداد لتحمل ما سيأتيه من منصف أو غير منصف، ومن مبغض شانئ أو غير مبغض، ومن محب للنقد وتسقّط الملحوظات أو من حيادي موضوعي، وقليل ما هم.

 هنا أشير إلى أن حكمة المسؤول المغادر تظهر منه بجلاء؛ لأنه صار يرى من موقع المراقب الذي خبر المسؤولية وعرف حاجات المحيط، إضافة إلى تحرره من المسؤولية وبعض لوازمها، وهذا لا يعفيه من اللوم على غياب هذه الحكمة إبان عمله، لكن قد يفسر حضورها العلني بعد التقاعد وترك العمل، وعليه فقد يكون هذا المسؤول من أحسن الناس في تقديم المشورة إذا نصح وصدق.

المستشار الخبير المؤتمن:

إذا وفق المسؤول لمستشار مكين خبير أمين فقد حاز أسباب النجاة والنجاح إبان علمه وبعد ذهابه عنه، فمما يحرص عليه بعض المسؤولين التعاقد مع أشخاص أو بيوت خبرة من أجل صناعة العلاقات، وإدارة السمعة بعد بنائها، وامتلاك ناصية البيان تحدثًا وكتابة، والبراعة في الظهور الإعلامي، وهذه طريقة محمودة لمن أجاد في اختيار ما يتوافق مع ميوله ومواهبه، واستثمرها برشاد وحق.

ألا ما أجمل السلامة والعافية، والسعيد من أرضى مولاه ولم يخالف قناعاته إلّا خضوعًا لسلطان الحق والعدل. ولست أنسى أن بعض المسؤولين غادروا أعمالهم وصفوف المودعين تملأ الساحات والقاعات اعترافًا لهم بما أسلفوه من محاسن، وربما زاحمت دموع العيون ومشاعر النفوس ودقات القلوب جموع الحاضرين، وفي المقابل ترتفع الأهازيج برحيل آخر، وتتوالى سجدات الشكر على الخلاص منه، وبين الحالين فروق تعبّر عن شيء مما كان، وكيف كان!

ahmalassaf@

الرياض- الثلاثاء 25  من شهرِ ربيع الآخر عام 1448

06 من شهر أكتوبر عام 2026م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.