الشعر مستودع للتجارب والآراء وخلاصات العقول؛ لأنه عصارة خبرة وأخبار، ويغني عن كثير من الكلام والأحبار. من المبهج أن يكثر إقبال الأجيال على الشعر العربي لما فيه من حكمة ومفاخر ومكارم، هذا فضلًا عن أنه يقوّم اللسان، ويقوي اللغة، ويعوض عن النقص الكبير في التعليم، وهذا باب من أبواب المشاركة المجتمعية الواعية في التعليم، ورفع الذائقة، والحفاظ على السمت العام.
هي مشاركة لا يكاد يحجبها شيء في عصرنا الرقمي ذي الهوية الخاصة به، ويمكن أن تكون بابًا من أبواب التأثير المعرفي الحسن، والتأثير الفكري السليم، وبهما يعتدل الانفعال اللحظي الذي تحدثه عاطفة المتابعة غير المنضبطة هنا أو هناك. ومن هذا الباب يمكن دراسة موضوع السيادة والتعاقب في ديوان العرب، وهو نوع من التعاقب لا يعني وجود البديل فقط، وإنما وجود أجيال تخلف، ذات معرفة وخبرة تتجاوز الممارسة الإدارية إلى وعي التاريخ، والتشبث بالمبادئ، والارتباط الوثيق مع المصالح ومعالم التميز والقوة.
لقد كان الشعر العربي مدرسة تاريخية ولغوية وإدارية، وأذكر مرة أني قرأت أن رجلًا من العرب استضاف آخر، وكلما مر المضيف بطرف من مضارب قومه حياه الناس بالسيادة مع التوقير والإجلال، وكان الضيف يسأل صاحبه: هل أنت سيّد قومك؟ والضيف يتشاغل عن الجواب حتى اضطر إلى أن يقول لضيفه: إن حالي معهم يصدق عليه قول الشاعر الأموي التابعي حارثة بن بدر الغداني:
خلت الديار فسدت غير مُسَوَّدِ *** ومن الشقاء تفَرُّدي بالسودَدِ
هذه الرواية التي تصف الفراغ الإداري لا تطربني سواء أكانت تصف الحقيقة أم أنها نوع من التواضع المتصنع من قبل ذلك الرجل، وما شيء أثقل على النفس من التكلّف أو ملاحظة تلك الخلة في الآخرين. أما الذي أقبله وأراه هو الأولى والأجدى فهو التهيئة الاستباقية التي وردت في بيت للشاعر العربي الحكيم السمؤأل بن عادياء المشهور بقصة وفائه مع امرئ القيس، والبيت المقصود هو قوله:
إِذا سَيِّدٌ مِنّا خَلا قامَ سَيِّدٌ *** قَؤُولٌ لِما قالَ الكِرامُ فَعُولُ
إن الاستعداد والحرص على التعاقب وتسليم الراية صنيع إداري رشيد، تحرص عليه الأسر العريقة، والشركات العائلية، والحكومات المتجددة، والمجتمعات الحية، والمهن والحرف التي يخلص لها أربابها. وهذا التعاقب له وسائله وطرائقه التي تحتاج إلى صبر ومصابرة من الأطراف كافة، ولا تخلو من تعب ورهق، ولا مناص فيها من التعاون والمجاهدة، وهو فرع مهم من إدارة الأفراد والموارد البشرية، ومن القيادة والاتصال، ويمتزج فيه العلم مع الفن.
كما أنه من مقتضى الأمانة، والإحسان لمن سيأتي، وللكيان والإنسان والمكان، وله تطبيقات كثيرة في ثقافتنا، فنجد أن لدى قريش قبل الإسلام دار الندوة التي جمعت القادة والصناديد، وصنعت منهم ومن أبنائهم أجيالًا متوالية، وبعد الإسلام اشتهر عن الفاروق عمر -رضي الله عنه- بأنه يجمع الشباب مع الشيوخ، وفي هذا الجمع فوائد عدة، وكان عمرو بن العاص- رضي الله عنه- قد عبر عن نجاعة هذا المسلك حينما عاب على بعض القرشيين إبعاد الصغار عن مجالسهم؛ فهم صغار اليوم لكنهم كبار الغد ولا محالة.
إنه لفرق كبير أن نردد مع كعب بن سعد الغنوي وهو يرثي أخاه وهو يوقن باستحالة إجابته:
وداعٍ دعا: يا مَن يُجيبُ إلى الندى *** فلم يستجِبْهُ عند ذاك مُجيبُ
فقلت: ادْعُ أخرى وارفَعِ الصوتَ دعوةً *** لعلّ أَبا المغوار منك قريبُ
فالميت أيًّا كان لن يجيب حتى لو ملأنا الخافقين بالنواح عليه، والأجدى أن نستحضر همة طرفة بن العبد الذي استجاب وبادر لتلبية النداء قائلًا:
إذا القومُ قالوا: مَن فتًى؟ خِلتُ أنني *** عُنِيتُ فلم أكسَلْ ولم أتبلَّدِ
فما أكمل أن يستشعر كل واحد منا مسؤوليته في الحال والمآل، والثغرة التي يقف عندها، وعنها يسأل، مهما كان حجمها ونوعها كي يحسن العمل، ويجود الأداء، ويحمي نفسه من معرة التفريط وسوء الأثر. وهذا الاستشعار يكون بالمصاحبة والمعايشة والتدريب على رأس العمل، وغيرها من المعاني التي تتشارك فيها الإدارة مع التربية، كي يكون الإسناد بكفاءة واستحقاق دون محاباة أو تضييع، فالمهم أن تقبض اليد بقوة وثبات على الراية، ثمّ تسلمها باطمئنان ورسوخ إلى يد أخرى ذات أهلية وأخذ للكتاب بقوة.
الرياض- ليلة الثلاثاء 18 من شهرِ ربيع الآخر عام 1448
29 من شهر سبتمبر عام 2026م