سير وأعلام عرض كتاب

أسرة الزبن: ذاكرة تحفظ سيرة!

الكتب التي يتشارك في تكوينها أكثر من علم كتب ماتعة من جهة القراءة، وإن كانت صعبة التأليف من جهة أخرى، ومكمن صعوبتها أن استخدام أكثر من علم يجهد المؤلف ويوجب عليه التوازن، والتزود من عدة فنون في وقت واحد، هذا غير أن أصحاب كل اختصاص قد تأخذهم الحمية والغيرة على تخصصهم بسبب هذا العمل التشاركي، وهي غيرة محمودة في أساسها، غير مسوغة في موضوعها، فالمكتبة واحدة متداخلة متخادمة وإن تنوعت الأسماء والعلوم.

أقول ذلك وبين يدي كتاب بني على أكثر من علم كالتاريخ والبلدان والأنساب وعلم الاجتماع، عنوانه: أسرة الزبن: سيرة أسرة وذاكرة مكان بين النسب والتاريخ الاجتماعي في القصيم، تأليف: د.حمد بن محمد بن سليمان الزبن، صدرت الطبعة الأولى منه عام 1448/2026م. يقع الكتاب في (231) صفحة، ويتكون من إهداء ومقدمة واثني عشر فصلًا ثم الخاتمة والفهرس. بحثت هذه الفصول الانتساب القبلي، والارتباط المكاني، والعلاقة بينهما، وتتبع المؤلف الخط الزمني لأسرته، والخريطة المكانية، وشبكة المصاهرات، والمبادئ المركزية للأسرة، وترجم لبعض أعلام الأسرة، وعرج على تاريخهم مع العقيلات، ووقف وقفة حميدة مع الجد الجامع -حمد بن نجيد- الذي يربط الأسرة بعدة أسر قصيمية شهيرة.

يؤكد هذا الكتاب على أمور مهمة، منها أنه كتاب ليس للمفاضلة ولا للتفاخر، وأن معلوماته قابلة للتحديث بظهور وثائق ومعلومات مؤكدة، وبالتالي فهو نسخة ليست نهائية والباب مفتوح للمراجعة والإضافة والتعديل. ومما يؤكده الكتاب أن معلوماته بنيت على ما توافر للمؤلف من وثائق على ندرتها، ومن مكاتبات ومشافهات، وعلى ما تعاون بإرساله الآخرون، ومن الطبيعي جدًا أن تكون مستويات التعاون متفاوتة بين الأشخاص والفروع، وبحسب الأزمان والأحوال؛ ولذلك فمن الضرورة النظر للمحتوى بعين الإنصاف وحسن الظن، وتقدير صعوبة الاستقصاء التام والاستيعاب الكامل، مع الدعاء للمؤلف بأن يتمكن من التتبع ويوفق لمن يتعاون معه؛ حتى يزيد مادته إثراء ومتانة.

يبرز في الكتاب أيضًا العناية بالروايات الشفهية المباشرة أو المنقولة عبر المجالس وغيرها، وكذلك مراقبة التحولات الاجتماعية، والاجتهاد بتحليل بعض المتغيرات والتطورات، وأفاد المؤلف في هذا المنحى من تخصصه في علم الاجتماع، وهو علم مهم ومؤثر، ويبدو أنه تخصص لم يجد من الالتفات ما يستحقه على قوة تأثيره، وأهمية نتائجه. ومن جوانب الكتاب المهمة تفسير معنى اسم “الزبن”، علمًا أن ألقاب بعض الأسر تحمل دلالات تاريخية ومجتمعية، وهي مادة جديرة بالجمع والدرس، ولم يغب عن فطنة الباحث إيراد الأسماء والألقاب الفرعية داخل الأسرة الواحدة، وتحليل أسباب وجودها، وكيفية التعامل معها.

ثم إن د.حمد يكرر غير مرة التوضيح والبيان في كتابه عن العلاقة بين الانتساب القبلي لعنزة الذي يتجاوز حدود المكان رابطًا بين الأسرة والمنتسبين للقبيلة أينما كانوا، وبين الارتباط المكاني للقصيم الذي يجمع الأسرة مع غيرها بغض النظر عن المرجعية القبلية، ورائده في صنيعه هذا ليس العصبية ولا المفاخرة، وإنما كما نصّ: ” وما أليق بالتاريخ الأسري أن يكون سببًا في صلة الرحم، وجمع الكلمة، وحفظ المعروف، والوفاء لمن سبق، وحسن حمل الاسم بين من بقي”.

كما أجدني مغتبطًا غاية الغبطة، مسرورًا أشدّ السرور، بلغة الوداد والتأدب والإعذار التي يوردها المؤلف، والشيء من معدنه لا يستغرب البتة. ومما أطرب له نقل المؤلف عن والده اللواء محمد بن سليمان الزبن وعن غيره من كبار الأسرة، فما أكثر بركة الاتصال بالآباء والأكابر، وما أعظم الخلل بالانفصال عنهم، وهي مسألة يجب التنبيه عليها مع كثرة انشغال الناس بالأجهزة ووسائل التواصل الحديثة.

كذلك بهرني وقوف الفصل السادس عند أربعة مبادئ كبرى لا مناص منها لكل أسرة، وهي متوافرة لدى أسرة الزبن وعند غيرها، وذكرها من باب إعادة الحض على زيادة التمسك بها، وهي: صلة الرحم ووحدة الأصل، صون الاسم والسمعة، ورأس المال الاجتماعي وشبكة العلاقات، والوفاء للذاكرة وحفظ الامتداد. هي مبادئ مشتركة لدى الأسر العريقة، وأشهد أني سمعت قبل عقدين من شاب ينتمي لحمد بن نجيد -الجد الجامع لأسرة الزبن وأسر أخرى نبيلة- كلمة خلاصتها أنه يمتنع عن أي شيء فيه نظر توقيرًا لأسرته واسمها.

ولا أستطيع مغادرة الكتاب دون الإشادة بالفصلين الحادي عشر والثاني عشر؛ فأولهما بعنوان: أسئلة وأجوبة من تاريخ الأسرة، وعنوان الثاني: من حفظ النسب إلى بناء المعنى، وأقترح على المؤلف بعد تطويرهما، والتأكد من عمومية محتواهما ومناسبته لأي أسرة، أن يسارع بنشرهما مستقلين معًا في كتاب له مقدمة وتمهيد وخاتمة، كي تكون هذه المادة المفيدة متوافرة لدى كل أسرة ترغب في توثيق تاريخها، وهذه حسنة علمية كتابية مرجوة ومنتظرة.

وقد أورد د.الزبن ضمن كتابه عبارة جميلة -والعبارات الجميلة في النص كثيرة- هي: ” كل أسرة تملك اسمًا، لكن ليست كل أسرة تملك ذاكرة مكتوبة”، ولأجل هذا نهض مؤلفنا بهذا العبء العلمي والاجتماعي، وحفظ للأجيال الجديدة حكاية قرون مضت، سوف تبقى معهم ومع من يأتي بعدهم في العقود والقرون القادمة، فهي بر وصلة، وميراث وحنان، وتاريخ وتراجم، وجزء من رأس مالنا الاجتماعي الذي يزيدنا عراقة وتلاحمًا.

ahmalassaf@

الرياض- السبت 06 من شهرِ جمادى الأولى عام 1448

17 من شهر أكتوبر عام 2026م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.