الأخوة والأخوات:
أيها الباذلون جهودهم في خدمة الأوقاف والقانون والمجتمع:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فقد ركزت رؤية المملكة 2030 على ثلاثة محاور هي: مجتمع حيوي، اقتصاد مزدهر، وطن طموح، ولا مراء في أن الترابط والتخادم بين هذه المحاور جليّ دون صرف كبير عناء لبيانه، والحمدلله.
من حيوية المجتمع وجود كيانات راقية تعمل بنشاط ضمن أطره النظامية والثقافية والإستراتيجية، ويسعى كل واحد منها لبث الحياة في مفصل واحد أو أكثر من مفاصل مجتمعنا. هي صورة من صور التكامل الجميل، وكم في التكامل الجميل من تعاون وتعاضد، وسلامة من التنافر والتناشز.
القيادات القانونية الشابة واحد من هذه الكيانات، ولذلك نجتمع اليوم احتفاء بواحد من منجزاتها وثمراتها. هذه الثمرة هي تأسيس شركة وقفية غير ربحية تهدف لتأهيل جيل واعد من القيادات القانونية عبر مجموعة من البرامج والمشروعات التي طورتها ونفذتها الشركة بعد سلسلة من العضويات والشراكات، يأتي على رأسها الشراكة مع مسك، ومنشآت، والهيئة السعودية للمحامين، والهيئة العامة للأوقاف.

وسوف نقف مع وقفها النوعي هذا وقوف جذل بما يسمع ويرى ويرجو، ووقوف مستبشر بما هو كائن، ومتفائل بما سيكون بإذن الله، فالوقف من أجل صناعة القيادات، والوقف من أجل سيادة القانون، وقف من أجلّ الأوقاف وأولاها، وهو جدير بأن نفرح به، ونسانده قدر المستطاع.
هذا الوقف النوعي ينطلق من الحاضر وحاجاته ملتزمًا بواجبي الشهود والتحمل، ويخاطب المستقبل ومتطلباته ملتزمًا بواجبي الأداء والتعاقب، ويا له من منهج يصف العراقة في أجلى صورها، ويا له من منطلق وخطاب يحمل في ذاته أكثر من رسالة لمن تأمل ونظر، ويا له من مشروع يتفق في أصل نشأته وفلسفته مع فكرة الوقف وغاياته.

فمن أول الرسائل التي يحملها هذا الوقف أن المعنى أعظمُ من المادة وأولى، فالمادة تفنى أو تغدو شيئًا جديدًا، لكن المعنى يبقى راسخًا رسوخ الشوامخ لا يزول ولا يحول؛ ولأجل هذا كان الارتباط بالمعنى أدعى لعظيم التأثير، وأقربَ من أسباب الخلود، والظفر بلسان صدق في الآخرين.
ثم تخبرنا هذه الشركة الوقفية في رسالة ثانية واضحة بأن الاجتماع على عمل راشد نافع أجدر من الانفراد به، فالفردية قد تؤول بصاحبها إلى الانقطاع أو الملل أو العجز، أما التشاركية فهي من أسباب دوام التحفيز وسدّ الثغرات، وبث الروح في أي عمل كي يقاوم العوائق، ويتجاوز الفتور، وهما أمران لا مناص من وجودهما في الغالب.
كما أن هذا العمل فيه نظرة بصيرة نحو المستقبل دون الارتهان للحاضر مهما كان في ذلك الارتهان من مغريات كسب وشهرة؛ ذلك أن التطلع للمستقبل، والاستعداد له، مئنة على جودة التدبير، والنصحِ للأجيال، وحسن العهد مع الدولة حكومة ومجتمعًا. ولو وسعنا مجال النظر لوجدنا أن المستقبل في الأعمال الوقفية لا يقتصر على الآثار الدنيوية، وإنما هو أثر ممتد يلقاه المرء في صحيفة أعماله في يوم آتٍ ولا محالة؛ جعلنا الله وإياكم فيه من الآمنين الفائزين.
وتصلنا من هذا العمل إشارة رابعة مفادها أن العناية بالتخصص العلمي أو بمجال الاهتمام يقود إلى براعة تلامس سقف العبقرية أحيانًا، وحين تتوافر البراعة في جنبات أي حقل علمي أو عملي، وتحضر العبقرية في رياضه وحماه، فيا لها من بشرى لأهله وأصحابه، فمع البراعة يكون الاتقان، وبالعبقرية يأتي الابتكار.
أيضًا من مكونات رسالة هذا الوقف أن الشجرة الطيبة لا تؤتي الأُكلَ في يوم غرسها، ويحسن بنا ألّا نتعجل الثمرة، وألا نتأخر عن موسم قطافها. إن هذه الثمرة التي يشاهدها الآخرون تخفي خلفها جذورًا عميقة، وجهودًا متراكمة من العمل والتنسيق والمتابعة والسهر، وكم في حكايا بعض الثمار من قلق ورهق وأرق ودموع، ولكن بعض الناس لا يعلمون!
كذلك يقودنا هذا المنجز الباهر إلى ملمح سادس مهم، خلاصته حتمية تقديم النموذج الناجح في الأعمال، فالنموذج الناجح في أي عمل، القابل للاقتداء، يختصر على القادمين مشوارهم، ويفيد أصحاب التخصصات الأخرى، ويجعل الإقبال على مثله أيسر، والتجديد فيه أسهل، فما أكمل أن يصنع هذا الكيان من تجربته قدوة لغيره كي يكون هذا الوقف النوعي لأمثاله إمامًا، وتصبح الطريق بعده لاحبة مستبينة لمن رام المسير.
ومما يظهر في هذه التجربة جالبًا معه الابتهاج والغبطة، أنها تجربة حظيت برعاية مبكرة، وشراكات متجددة، فكم من موهبة أو فكرة ضاعت لأنها لم تجد من يحتضنها، أو بليت بمن يئدها في مهدها، والحمدلله أن سخر للقيادات القانونية الشابة عقولًا نيرة، وهممًا عالية، ونظرات ترنو صوب آفاق أبعد من مرآى العيون الباصرة إلى ما تشاهده البصائر العميقة أغوارها.
كما تبرز أهمية ثامنة خاصة جدًا لهذا الوقف، فالشركة سعودية القلب والقالب والمكان والإنسان، والسعودية أصيلة وسبّاقة في الأوقاف من نواح ثقافية وتنظيمية وتطبيقية، ولها صلة عضوية بالوقف، فهو جزء من تاريخها وحضارتها، وسمة من سمات مجتمعها الأصيل المتأله الكريم. وبناء عليه فسيكون هذا الوقف متينًا قويًا منذ ولادته، يحظى بعناية ورعاية، ويحاط بحوكمة وتوجيه، وترفده خبرات وعقول وأموال ودعوات.

والمأمول من هذه الشركة الوقفية بعد ذلك أن تواصل عملها وفاق ما وضعته لنفسها من مسارات ومبادئ وركائز، وأن تعتني على وجه الخصوص بما يلي:
- إكمال ما لم تستطع الجامعات إكماله بسبب الالتزام بمدة الدراسة النظامية.
- الربط الوثيق بين علم القانون وعلوم الشريعة واللغة والاجتماع والاقتصاد.
- التواصل الدائم مع قامات قانونية ووقفية من الأشخاص والكيانات والقيادات والمراجع العلمية.
- مواكبة ما يصدر من تشريعات جديدة أو محدّثة، كي يكون القانوني على علم وفهم وإدراك أكثر من غيره.
وثمة أمل خاص، هو أن ينال قطاع الأوقاف نصيبًا مفروضًا من علمهم وعملهم الآن ومستقبلًا، وأن يجعلوا له معملًا ضمن نشاطهم؛ فهذا القطاع الحيوي المهم له قيمته الحضارية، وقيمته المجتمعية، وقيمته الاقتصادية، وقيمته الوطنية، وهو أحد الممكنات لتحقيق الرؤية السعودية بمحاورها، وهو دليل يؤكد أن حضارتنا تمسكت بالأخلاق والمبادئ في تشريعاتها، وفي أعمالها الاقتصادية والمالية، فالفصل بين الأخلاق والقانون، وبين الأخلاق والاقتصاد، فرية سوقتها حضارات مادية شرسة غالبة.
أيها الإخوة الأماجد، وأيتها الأخوات البواسق:
إنه علم هتف بالعمل حتى جاء إليه يسعى، ثم نهض العمل بالأمانة حتى جاء بمنتج يتلوه منتج، والمنتظر من أي منتج التأثير، والتغيير، واستمرار التطوير، فلا جدوى من منتج لا يحدث فرقًا، ولا يحرك ساكنًا، ولا يعتني بتطوير نفسه.
وسيأتي يوم سعيد يُكتب فيه تاريخ هذا العمل الجليل، حتى يقول القائل عن بناته الأوائل:
إنهم شباب آمنوا بربهم فزادهم هدى
وأخلصوا لوطنهم فعملوا بإتقان
وأحبوا تخصصهم فأبدعوا دون انقطاع
ولا غرو فهم قيادات واعية تساموا فصبروا وصابروا وأحسنوا
وهم أبناء مجتمع نبيل متكاتف والشيء من معدنه لا يستغرب!

أيها الأخوات الفاضلات، أيها الإخوة الكرام:
أي مكان هذا وأي زمان هذا؟
أليس موقعنا هو المركز الوطني للتعليم الإلكتروني، والتعليم ركيزة قديمة وواجب مقدس، ووسائله متغيرة حسب تطورات العصر.
أليس يومنا هو يوم يتجاور مع ذكرى اليوم الوطني، وللوطن دين في عنق الأوفياء والشرفاء، فالدين والديار أقدس مكونات حياة الإنسان، ولا سعادة له بدونهما.
لقد أحسنت القيادات القانونية اختيار المكان؛ فمنطلقهم تعليمي صرف، والتعليم وثيق الصلة بالأوقاف والحبوس.
وأحسنوا انتقاء الزمان؛ فكل الجهود المباركة تصب في صالح الوطن ومنفعة المجتمع والديار وأهلها ومن عاش فيها.
وثمة موافقة سامية لا مناص من إيرادها في مقام الزمان والمكان والحال، ذلك أن رؤية المملكة 2030 التي اهتمت بالشباب والأوقاف والقانون يقودها حاكم شاب قانوني أعانه الله وسدده.

حفظ الله بلادنا وحفظ القيادات القانونية الشابة، وسدد شركتهم الوقفية، وكتب لهم الفلاح والنجاح، وعمّ بهذا الدعاء من وقف مع وقفهم وقفات فارقة لا تنسى.
الرياض- السبت 08 من شهرِ ربيع الآخر عام 1448
19 من شهر سبتمبر عام 2026م
ألقيت هذه الكلمة في حفل أقامته شركة القيادات القانونية الشابة.