أشعر بسرور بالغ عندما أجد إصدارًا يتناول تاريخ أي كيان سعودي حكومي أو خيري أو تجاري، وأحث دائمًا على حفظ هذا التاريخ وتدوينه ونشره، فهو جزء من تاريخنا الإداري والمجتمعي؛ ولذا كتبت لمجلس الشورى عبر موقعه مقترحًا خلاصته أن تلتزم كل وزارة أو مؤسسة مستقلة بكتابة تاريخ تأسيسها، وتطوراتها، ومسيرتها، وسير أبرز المسؤولين فيها، على أن تكون المعلومات دقيقة وكاملة قدر الإمكان، وحسب نموذج موحد حتى لا تتفاوت الأعمال بين اختصار لا يشفي، وتطويل تضيع معه المعلومة، وآمل أن نرى هذا المقترح واقعًا قائمًا.

هذا لا يعني أنه مطلب مفقود؛ إذ توجد كتب منشورة ورقيًا وإلكترونيًا، تحكي سير بعض الكيانات، ومن الطبيعي حاجتها إلى المتابعة والتحديث. أذكر في هذا السياق تجربة جميلة للدكتور عبدالرحمن السويلم الذي سأل موظفي جمعية الهلال الأحمر عن تاريخ الجمعية فلم يجد منتجًا مكتوبًا؛ ولذا كلّف بضعة موظفين للبحث في الأرشيف وغيره عن تاريخ الجمعية، وبعد أن عكفوا على هذه المهمة شهورًا أصدروا ثمرة جهدهم في كتاب صار أساسًا يمكن لهيئة الهلال الأحمر أن تبني عليه وتطوره. اتخذ د.السويلم هذا الإجراء بمجرد تعيينه رئيسًا للجهاز بأمر ملكي كريم عام 1418=1997م.
وقد سعدت حين وصلتني بالتزامن عدة رسائل تخبر عن صدور هذا الكتاب، ومع أنه كتاب حديث الصدور، ولم يسوّق محليًا حتى الآن، إلّا أن نسخة عاجلة منه وصلتني قبل ساعات مع طلعة “سهيل” بفضل كرام يستحقون الإشادة ضمن سلسلة أكتبها عن ذكرياتي مع “مطاردة الكتب”. عنوان هذا الكتاب هو: “الحرس الوطني السعودي (التكوين- القادة- الإنجاز)”، تأليف: خالد المرعيد، صدرت الطبعة الأولى منه في يوليو عام 2026م عن دار جداول للنشر في بيروت، ويقع في (370) صفحة، علمًا بأن المؤلف لواء ركن متقاعد من الحرس الوطني، وهو كاتب مختص بالشؤون العسكرية والسياسية، وله عدة كتب مؤلفة في هذا الحقل المعرفي.

يتكون الكتاب من الإهداء وتمهيد فالمقدمة ثم سبعة فصول تعقبها الخاتمة وملحق الصور فالمراجع التي تجاوزت العشرين، وليت أن الصور والوثائق بثت داخل النص لتقطع تواصله بفواصل شارحة، وتريح القارئ. تحدث اللواء المرعيد في الفصل الأول عن مسيرة بناء القوة والهوية عبر الجذور والتكوين، وأبرز الفصلان الثاني والثالث أسماء قادة مدنيين وعسكريين في تاريخ الحرس الوطني، واختص الفصلان الرابع والخامس بإنجازات الحرس الوطني العسكرية والأمنية من ناحية، والتنموية والإنسانية من ناحية أخرى، وذهب بنا الفصل السادس نحو أدوار للحرس الوطني وصولًا إلى الحرس الوطني في رؤية السعودية 2030 وهو آخر الفصول وسابعها. إن تفوق الحرس الوطني في أداء مهمته الأساسية، ونجاحه اللافت في أعمال أخرى رديفة، في الثقافة والتعليم العالي والطب، لفرصة جديرة بالدرس، وتتبع قصص هذا النجاح، وجعلها ضمن نسيج الكتاب كي تغدو مادته أكثر إشراقًا وإلهامًا.

وإن حفظ تاريخ الكيان في نشأته وتأسيسه يعطي صورة واضحة عن البيئة التي ولد فيها، فالحرس الوطني جهاز حكومي يرتبط بحبل متين الصلة ورباط عضوي وثيق العرى مع المجتمع بقبائله وأسره، وقد استطاع هذا الجهاز خلال مسيرته الممتدة من عام ( 1374=1954م) حتى يومنا الحاضر أن يمزج تكوينات المجتمع القبلية والأسرية ويصهرها في قالب واحد تحت راية واحدة تنضوي مع أخواتها في مشروع كيان الدولة التي جعلت كل الأنحاء سواسية؛ ولا غرو بعد ذلك أن يهب بطل من جازان للدفاع عن الخفجي في واقعة شجاعة خالدة، وهو نموذج لغيره ممن عملوا في أفواج الحرس وكتائبه في مناطق المملكة كافة.
كما أن الاعتراف بفضل ذوي الفضل خاصة من “الآباء” المؤسسين و”البناة” الأوائل لأي مؤسسة هو عين العقل ومقتضى الوفاء ومقتضى العراقة ومئنة النبل، ومن هذا الباب حفظ لنا الكتاب سيرة خمسين شخصية مدنية وعسكرية لهم آثارهم الجلية في سيرة الحرس الوطني في نواح تكوينية وتطويرية، وفي جوانب إدارية وعسكرية وثقافية وطبية، وليس هذا بمستغرب؛ إذ إن هذه المؤسسة العسكرية تداخلت مع المجتمع فيما لا يقتصر على عملها العسكري والأمني، وبلا انكفاء على الذات، وهو المجال الرحب الذي أفرد له المؤلف فصلًا خاصًا.

ثمّ إن ذكر هذه الشخصيات المؤثرة في تاريخ الحرس يقود إلى تجديد اقتراح سابق بالكتابة الموسعة عن أهم ألف شخصية في تاريخنا السعودي خلال ثلاثة قرون، على أن تكون كتابة ذات منهج علمي لا تحيد عنه في الاختيار ولا في الكتابة. وأتصور أن الشخصيات التي لها علاقة بالحرس الوطني مدنية أو عسكرية، قديمة أو حديثة، تحتاج إلى إضافة وإثراء، وهو ما طلبه الباحث من القراء وكرره غير مرة سواء أكانت الإضافة زيادة أو تصحيحًا للموجود، فمن المؤكد أن المدنيين ذوي البصمة في الحرس أزيد من تسعة عشر رجلًا، وأن العسكريين أكثر من واحد وثلاثين، وهذه الطبعة بداية محمودة، وعسى أن تكون سببًا في تفاعل المتلقين لتحديث طبعته الثانية، أو ولادة كتب أخرى تكمل وتضيف.

كما أن الحديث عن الإنجازات التي حققتها هذه المؤسسة في ميدانها الرئيس، أو في ميادين مصاحبة تعليمية وثقافية وطبية وإعلامية، يوجب الحرص من البداية على توثيق البدايات والمنجزات كتابيًا وشفهيًا، فهي في وقتها تبدو معلومات معروفة أو عادية، لكنها تصبح بعد مدة كنزًا من الكنوز، وهو ما تؤكده التقارير والمجلات والكتب واللقاءات والمواقع الإلكترونية، وبعضها عاد إليها الكاتب وأفاد منها، وكم يأسف الباحث حينما يسأل عن شيء فيجاب بأنه خبر لم يحفظ، أو يعلم بأن جميع المحفوظات قد أتلفت بلا ذنب ولا مسوغ وجيه، أو أن الرواة والشهود الأوائل قد طوتهم يد الموت أو الغياب البعيد!

هذا التاريخ الحافل بالرجال والأعمال في سجل الحرس الوطني حجز له مكانه المرموق في الهيكل الإداري للمملكة، فهو ثاني مؤسسة حكومية ترتبط بملك البلاد شخصيًا بعد وزارة الخارجية التي حملها معه الملك فيصل إلى العرش طوال عصره، كما حمل بعده الملك عبدالله رئاسة الحرس مع الملك خمس سنوات في أول عهده. ومن مفردات هذه المكانة أنه بعد عقود من العمل الجاد تحول الجهاز من رئاسة إلى وزارة سيادية، وعندما بدأ العمل الدؤوب لبناء رؤية ملهمة للمملكة كان للحرس موقعه الذي يليق به في رؤية المملكة 2030 مع القطاعات العسكرية الأخرى إن في ميادين الحماية، أو ساحات الردع، أو مجالات التدريب والتصنيع العسكري، وغير ذلك مما أورده مشكورًا اللواء الركن خالد المرعيد.
إن الكتابة في السير حسبما لاحظت وقرأت وسمعت كتابة صعبة وإن بدا أنها يسيرة، وهي نوع من التحدي المرهق والمقلق؛ فالتعاون من الأطراف الأخرى في الغالب أقل من المأمول، ولجوء الشهود إلى الكلام العام المرسل الذي يمكن أن يساق لأي إنسان أو كيان يفقد النص قيمته الإضافية، ويحرمه من ميزة التفرد وقيمة الاختصاص، والاكتفاء بالمكتسبات دون العثرات يبعد عن الموضوعية، ويحرم الأجيال من العبر والدروس. ومن المصاعب شح المصادر، وضعف التدوين، وضياع الوثائق، مع وجود علل من التنافس الظاهر أو الخفي، أو التنازع بين أجيال ومجموعات، وهي طبائع بشرية وظواهر إدارية لا يمكن إنكارها، وقلّما يسلم منها جسد إنسان أو هيكل كيان!
كذلك تفقد الكتابة عن سير الكيانات وتواريخها في معظم الأحيان روايات مكتوبة وشفهية تنقل الحديث من جمود الإدارة، وصمات الأوراق، وصلابة الأرقام والإحصاءات، وثقل الأنظمة والقرارات، إلى حيوية المشاعر، وحرارة المواقف، ولذة الدهشة، وجمال النهاية، وهذه المرويات قد تنسى، أو يغيب العارفون بها، أو يعتقد حفظتها ومن عاصروها أنها أقل أهمية من الكلام المنمق الخالي من الحركة والنبض، وليست الطريق هنالك، فما أنفع سيرة الكيان وما ألذها حينما يولد ويحبو ويمشي وينمو ويتنفس ويرضى ويغضب ويبكي ويضحك، ويغدو في عين القارئ كما لو كان بشرًا يحكي ويحسّ وليس مجرد مبنى دائم الصمت، وكم بين الجدران والزوايا، وعند الأبواب والنوافذ، من حكايات لو نطقت بها لأبهرت، ولو أخبرت عنها لأطربت، وعسى أن تتجاوب الكيانات مع المقترح الافتتاحي للمقال فتحفظ لنا تاريخها وماضيها بالحبر واللسان والوجدان!
الرياض -الاثنين 11 من شهرِ ربيع الأول عام 1448
24 من شهر أغسطس عام 2026م