شريعة وقانون عرض كتاب

هل يخضع الذكاء الاصطناعي للمسؤولية الجزائية؟

أذكر أن واحدًا من الناس المستعجلين أشار إلى تأخر الدراسات الشرعية والفقهية عن بحث بعض النوازل والمستجدات، وهذه الإشارة والدعوى من ذلكم “المفكر” صدرت بلا استقصاء ولا برهان، وهو يتكئ فيها على اسمه وشهرته ووهجه الإعلامي فقط، وإلّا لو سأله سائل: هل نظرت في قوائم رسائل الماجستير والدكتوراه في مؤسسات التعليم العالي الشرعية في بلد مسلم واحد فقط قبل أن تصدر هذا الحكم القطعي التعميمي لكان جوابه -إن صدق-: لا!

وقد أجاب عن شبهته كاتب عميق، فذكر أصولًا وتقعيدات، وهذه الأصول والقواعد تغني العاقل وتكفي المنصف، ومع ذلك فقد “أسكر” الكاتب العميق متابعيه بإيراد نماذج من دراسات شرعية في كليات الشريعة والفقه والقضاء، وهذه الدراسات بحثت موضوعات ونوازل دقيقة في الزكاة والاقتصاد والاستثمار، وفي الصيدلة والطب والهندسة، وفي القانون والإدارة والتأمين والمخاطر، وفي موضوعات من السياسة الدولية والعلاقة مع المنظمات والشؤون العسكرية، وهذه النماذج تخبر عن غيرها، وبعضها يهدم الدعوى العريضة التي استعجل بها “المفكر”، وكم من مفكر لا يفكر، وكم ممن يُشار إليه بالبنان يفتقر إلى البرهان!

وبين يدي كتاب يؤكد أن الشريعة الإسلامية والفقه المستنبط بها لا يقف عاجزًا أمام أي موضوع ومستجد، شريطة أن يحسن الفقهاء تصور ذلكم الموضوع، ويكون لديهم علم بالنص والقواعد والمقاصد، وكيفية الربط مع الواقع، وأعتقد أن أي نازلة ستجد لديهم التكييف والوصف وإنزال الأحكام والضوابط عليها -وهم لهذا أهل-. وأستذكر دون مراجعة الرسالة العظيمة التي كتبها العلامة أ.د.فتحي الدريني عن التعسف في استعمال الحق، وما كتبه أ.د.منير البياتي عن الفقه الدستوري الإسلامي، والأمثلة في هذا الباب يصعب حصرها لكثرتها، فمنذ عقود وهذه الرسائل تتوالى في جامعات المسلمين مؤكدة على أن شريعة رب الأرض والسماء فيها من الشمول والسعة والتبيان ما يستوعب أي شأن بلا استثناء.

عنوان هذا الكتاب: “المسؤولية الجزائية عن مخالفات الذكاء الاصطناعي دراسة مقارنة تطبيقية”، من تأليف الدكتور سالم بن سليمان بن محمد البهدل، صدرت طبعته الأولى عن دار الكتاب الجامعي للنشر والتوزيع عام (1447= 2026م)، ويقع في (454) صفحة. وهو رسالة دكتوراه في المعهد العالي للقضاء بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وهذا المعهد، وهذه الجامعة، لهما إسهام غزير متين في العلوم الشرعية والعربية، ولذلك أحسنت وزارة التعليم عندما أعلنت أخيرًا أن علوم الشريعة واللغة هي محور تركيز هذه الجامعة.

يتكون هذا الكتاب من المقدمة التي وصفت الموضوع بأنه جدلي وحديث، ولم يأخذ حقه بعد من الدراسة، ولعل هذا الكتاب من أسبق الدراسات حوله. يأتي بعد المقدمة فصل تمهيدي عن الذكاء الاصطناعي واستخداماته وخصائصه وغير ذلك من فروع توضح الصورة للمقارئ، ثم يعقبها بابان أولهما عن التأصيل النظامي والفقهي للمسؤولية الجزائية عن مخالفات الذكاء الاصطناعي، والثاني عن صور مخالفات الذكاء الاصطناعي، وإسناد المسؤولية الجزائية فيها، وآثارها، وفي كل باب فصلان، وأخيرًا الخاتمة والفهارس والمراجع التي ناهزت خمسمئة، وهي متنوعة بين كتب الشريعة والفقه، والقانون، والذكاء الاصطناعي، وغيرها.

وفي الخاتمة أوضح الباحث ما توصل إليه، وهذا الاجتهاد منه مبني على حال الذكاء الاصطناعي وأدواته الآنية، التي تجعل من الصعب وضعه في موضع المتهم وتعريضه للمساءلة، فليس له شخصية اعتبارية، وهو مجرد آلة وليست فاعلًا مستقلًا، وهي أحوال وأوصاف قابلة للتغير المذهل الخارج عن حدود التصور في هذا الحقل “ويخلق ما لا تعلمون”، وقد نصح المؤلف ببحث عدة موضوعات تخص الذكاء الاصطناعي وحددها، وهذا الباب من العلم فيه خصوبة وتجدد وسيولة تزيده صعوبة، وقد نشرت صحيفة مال الاقتصادية خبرًا عن تكوين هيئة دولية لضبط استعمالات الذكاء الاصطناعي وحوكمتها، وهذا الخبر الجديد القادم من الصين مسبوق بمقال أقدم منه كتبه الدكتور حامد الشراري في الصحيفة ذاتها اقترح فيه تكوين هيئة دولية تعنى بالذكاء الاصطناعي، وتؤسس لاتفاقيات دولية في هذا المجال، وهذا المطلب أشار إليه الباحث في كتابه مستندًا لاتفاقية بودابست لمكافحة الجرائم المعلوماتية.

لكن سيظل السؤال قائمًا: هل هذه الهيئات والاتفاقيات ستغدو ذات أثر فعلي عادل أم أنها مثل غيرها ستصبح عناوين جميلة يتجاوزها القوي ولا يلتفت لها، وتسلّط على الضعيف فقط؟ وبعيدًا عن الشأن الدولي وتداخلاته المربكة: هل يمكن منح الذكاء الاصطناعي شخصية مستقلة ذات أهلية وعليها مسؤولية جزائية؟ وهل يمكن الفصل بين الذكاء الاصطناعي ومشغله ومالكه ومصنعه ومطوره؟ وهل يمكن معرفة قصد الذكاء وأدواته؟ وما هي صورة العقوبات التي يمكن إيقاعها على الذكاء الاصطناعي؟ وما هي التطورات المحتملة لهذه الأدوات التي شاركتنا في الحياة وأقصت الإنسان عن بعض أماكنه حتى لو ساعدته من نواح أخرى؟ لقد توغلت هذه الأدوات في أمور عسكرية وهندسية وطبية وتعليمية، وما كان لنا أن نتصور أن الآلات والأدوات ستصبح فاعلًا مهمًا ومؤثرًا فيها، ومرشحة للاستفراد أو التفوق على البشر ربما، وهذا يستدعي مواكبة تشريعية أو حتى مسابقة منعًا لحدوث فراغ كبير، وهو ما لا يحدث إذ تعاضد عالم الشريعة ودارس القانون من أجل المواجهة والاستعداد الشرعي والنظامي.

ahmalassaf@

الرياض- الخميس 07 من شهرِ ربيع الأول عام 1448

20 من شهر أغسطس عام 2026م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.