سير وأعلام عرض كتاب

دراسات مهداة إلى المؤرخ عبداللطيف الحميدان

فضل العالم يصعب الإحاطة به، وهو مرتبط بفضل العلم الذي لا ينكره أحد من العقلاء. من فضل العالم أن الديار به تعمر وتزداد عمرانًا؛ ولذلك سعى الحكام -إلى يومنا- لاستقطاب العلماء إلى ديارهم وبلادهم، ومن لم يستطع الظفر بسكنى العالم على الدوام استضافه في أسابيع علمية تتكرر كل سنة أو في السنة أكثر من مرة، وهذه الفضيلة للعلم وأهله قد تتوارى في أحاديث الناس مع علمهم بها ظنًا منهم أن العمران يكتفي بالماديات، مع أن المعنى أقوى.

ومن حسنات العالم أنه يطرد الجهل عن مجتمعه كيانًا وأفرادًا، وقد يغيّر عالم واحد في بلدة أكثر مما يتصور المرء، ولذلك قال القدماء: لولا عياض لما عرف المغرب أو كلمة نحوها، وهي مبالغة بيد أن الدلالة منها ظاهرة، فهل كانت بعض الديار ستعرف وتذكر في التاريخ لولا بروز عالم فيها؟ هذا البروز الذي يكثر الرحلة إليها، وقد يجعلها جامعة علمية، أو مركزًا تجاريًا، أو قوة عسكرية أو سياسية، والأمثلة ليست غائبة عن ذهن القارئ، وفي تواريخ الحواضر الإسلامية الكبرى نجد هذا التأثير البين للعلم والعلماء، وكم بحث طلبة العلم عن قرى في جبال أو صحارى أو أحراش عن عالم يقرأ عليه أو يروى عنه، ولولاه لما وفد إلى تلك البقاع طارق ولا سارب.

كما أن العالم في بيئته مورد عذب تتوالى عليه الجموع للاقتباس من سمته، أو النهل من علمه، أو الرضا برأيه، أو النزول على حكمه، وكم جعل الله في العلم والعلماء من بركات وقبول تنضبط بهم شؤون وأمور، وتنتهي عندهم خصومات ونزاعات، وتحسم فتاوى وأقوال، وينتهي بكلمتهم الخوض والجدل. ومن فضل العالم أنه يترك خلفه من الكتب والمؤلفات ما فيه الإشارة إلى بلدته التي خط فيها كتابه أو أنهاه، وهذا من البر بالبلدة حين تغدو شريكة في نشر العلم وإشاعته.

أيضًا من حسنات العالم أن يتخرج على يديه جموع متعاقبة من الطلبة، فيتكون بذلك مدرسة علمية تطول أزمانها، ولا يزال الناس حتى يومنا هذا يشيرون إلى طبقة من العلماء بأنهم من مدرسة ابن تيمية وتلميذه النابه ابن القيم، وفي عصرنا الحاضر شاهدنا عدة أجيال من مدرسة ابن سعدي وتلميذه النابه ابن عثيمين، والأمثلة كثيرة على هذه المدارس العلمية المنتشرة في طول عالمنا وعرضه، حتى أن المعايشة اللصيقة أوجد علاقة بين العالم وبعض طلبته تتجاوز صفة الطلب والتلقي إلى الصحبة والاختصاص، وهذا واضح لدى أئمة الفقه الأربعة وغيرهم، وهو أحد أسباب حياة المذاهب والمدارس وخلودها.

ويغدو العالم أحد أسباب تشجيع طلبته وتلاميذه على البحث والتأليف، وقد سمعت أحد الفقهاء المعاصرين يقول: لم أنجز بعض كتبي المطولة إلّا حياء من تكرر سؤال الشيخ المفتي عبدالعزيز آل الشيخ عنها، ومن هذا الباب تثوير المسائل مع الطلبة، وإحالة الأسئلة للبارزين منهم، وتكليفهم بالمباحثة والتتبع، كي تكون المدرسة ليست تلقينية فقط، فالعالم حر، والأصل في العالم تعزيز الحرية والمسؤولية، ومن هذا شأنه لا يطرب للتبعية الدائمة، ولا يرضى إلّا بتقديم رواد وسادة في المجال.

أقول ذلك وقد وقع بين يدي كتاب عنوانه: بحوث ودراسات تاريخية محكمة مهداة إلى سعادة الأستاذ الدكتور عبداللطيف بن ناصر الحميدان بمناسبة تقاعده، صدرت طبعته الأولى عام (1446=2024م) على نفقة دارة الملك عبدالعزيز بالتعاون مع الناشر جمعية التاريخ والآثار بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. هيئة تحرير هذا الكتاب مكونة من: أ.د.عبدالله المطوع، وأ.د.سليمان الذييب، ود.عبدالرحمن الشملان، ود.عبدالله الزيدان، ود.حمد العنقري، وكتب أ.د.أحمد الزيلعي مقدمة الناشر مشيدًا بالفكرة التي نبعت من قسم التاريخ بجامعة الملك سعود.

يقع هذا الكتاب في (744) صفحة، ويتكون بعد المقدمة وكلمة هيئة التحرير من سيرة للدكتور عبداللطيف، وبعد السيرة ينقسم الكتاب إلى قسمين أولهما فيه ثمانية موضوعات سياسية وعسكرية كتبها تسعة أكاديميين وباحثين، وفي القسم الثاني عشر موضوعات حضارية كتبها أحد عشر أكاديميًا وباحثًا، وأغلبهم من زملاء المؤرخ، ومنهم ثلاثة من هيئة التحرير، وهذا الجهد مع الإقبال عليه فيه وفاء، وتقدير، وعراقة راسخة للعلم وقلاعه، وبعض موضوعاته وثيقة الصلة بتخصص أ.د.الحميدان عن تاريخ شرق الجزيرة العربية والخليج العربي، وبعضها في موضوعات بعيدة نوعًا ما، وغالب الدراسات متقاربة الحجم باستثناء دراسة واحدة في كل قسم زادت صفحاتهما على أكثر من ضعفي غالبية الدراسات.

بقي أن أقول إن تكاثر مثل هذه الإهداءات العلمية تحمل عدة فوائد، منها استمرار نهج قديم بالتهادي العلمي فيما بين العلماء، أو بينهم وبين رؤوس المجتمع، وكذلك أن العلم الثمين يقصي ما سواه، وأن الإهداء ميدان للتنافس على الإبداع في الموضوع أو المعالجة أو الربط، وفيه استمرار للبحث الذي قد يتوقف عند البعض بمجرد الحصول على درجة علمية، وفيه تعريف برموز بلادنا العلمية سواء المحتفى بهم، أو من تولوا إدارة هذا الاحتفاء والكتابة العلمية فيه، فضلًا عن إدخال السرور على قلب المهدى إليه وقلوب أسرته.

فجزى الله كل من شارك وأعان خيرًا، ورحم الله د.عبداللطيف الحميدان (1352-1447=1934-2026م) وأحسن له الأجر والجزاء على عطائه العلمي المزهر، وعلى مكتبته التي أهدتها لدارة الملك عبدالعزيز وعسى أن تفهرس وتتاح قريبًا، وعلى حسن تشجيعه لمن أعجبه منه شيء ولو أنه التقاه مرة واحدة في عشاء ليلي كثيرة أسماره وسمّاره.

ahmalassaf@

الرياض-الأحد 10 من شهرِ ربيع الأول عام 1448

23 من شهر أغسطس عام 2026م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.