إدارة وتربية سير وأعلام

فريق معالي الوزير!

أصدقكم القول: ما أضر بعض الناس على رؤسائهم ومديريهم! نعم، والسبب أنهم من باب التزلف الممجوج ينسبون لمديرهم أي منجز وحسنة، فإذا حدث أمر غير مرغوب أوقعوا أنفسهم وكبيرهم في حرج، فمن غير المعقول أن تجيّر المكاسب لواحد، فإذا حلت القوارع اُستل منها استلالًا لن يكون البتة مثل استلال شعرة من عجين! وأصدقكم القول مرة أخرى: أجد إكبارًا في نفسي لأي مسؤول يسعى لتخريج قادة من بين يديه، ويدين بالفضل لمعاونيه وفريقه، ويبرؤهم كافة من تحمّل المسؤولية كلها مثلما فعل مسؤول كبير حينما وجهت أصابع المساءلة لأركان وزارته فقال بشجاعة: أنا المسؤول، ولدي من التفسيرات والمخارج ما يؤكد سلامة موقفنا  النظامي كلنا، وقد كان.

ومن باب نسبة الفضل لأهله، أشير إلى أن هذا المقال مقترح وردني ضحوة اليوم من قارئ عزيز دامت بركاته، وأما مادته فهي من المقروء والمسموع، علمًا أن القارئ الحبيب ذكر لي بعض الإشارات النافعة في مقترحه بعد حوار قصير معه، وهذا كرم منه وفضل أحسن من الاكتفاء بمجرد الفكرة أو العنوان، ومن عادتي الترحيب بأي مقترح للكتابة أو التصحيح أو حتى الحذف، على افتراض أن صاحب المقترح سوف يعذرني إن تركت مقترحه كليًا أو جزئيًا، والعاقل يصنع ذلك وأكثر بلا لوم ولا محاسبة ولا امتناع عن إدامة النقد والنفع.

إن وجود الفريق ضرورة لا مفر منها خاصة مع القائد والمسؤول الضخمة مهامه، العديدة أعماله، الكبيرة أهدافه، فالفريق معين، ملهم، محفز، مكمل لرئيسه بتنوع المواهب والاختصاصات، وهو بأفراده عقل إضافي صريح بالرأي، وعين صادقة بالنقل، وأذن واعية، وفيهم من ينهض بالحمل، أو يتصدى للعمل، فيريح رئيسه ويقر خاطره وعينيه، وما لراحة البال، وقرة العين، من ثمن، ولأجل ذلك دأب بعض المسؤولين على نقل جزء من فريقهم معهم أينما حلّوا، متجاوزين نرجسية السلطة، أو خشية الاكتفاء بواحد من أعضاء الفريق عن رئيسه مستقبلًا! وهذه فضيلة لهم، وهي تتوافق حاليًا مع رؤية المملكة 2030 التي تعتني بتمكين الكفاءات، وصنع قادة المستقبل، فالنضج والثمرة ليس بالمنجز المادي فقط، وإنما يبدأ بالإنسان، وإليه المنتهى.

ومن ملاحظتي لسير أعضاء مجلس الوزراء السعودي الموقر، وقراءتي لسيرهم، أو سماعها ممن عمل معهم، وجدت أن عددًا من الوزراء المتميزين -وهم كثر عندنا بحمد الله- قد اشتهروا بأنهم مصانع للرجال والمسؤولين، والأمثلة التي سوف أسوقها هي نماذج غير مستوعبة للكافة، وبالتالي فما ترك أكثر مما ذكر؛ لأن الإطالة مجلبة للملل، وملل القارئ ينغص على الكاتب تنغيصًا، وينقص من تأثيره وقيمة ما يكتب تنقيصًا تنقيصًا. ومن نافلة القول التنبيه إلى أن هذا الأمر موجود في كلّ الدول والثقافات والعصور، وليس قاصرًا على أحد أو عنه، والتاريخ سجل مفتوح، وشاهد مبين فصيح.

فمما أذكره دون رجوع لأي مصدر، أن الوزير الشيخ عبدالله السليمان قد عمل تحت جناحه في وزارة المالية التي كان وزيرها الأول عدد ممن أصبحوا وزراء وذوي مناصب عالية، ومثله الأمير مساعد بن عبدالرحمن الذي تخرج على يديه في وزارة المالية بضعة رجال دولة كبار لهم اسم وتاريخ وسيرة. والأمر ذاته يقال بحقٍّ وإنصاف للشيخ عبدالله الحمود الطريقي أول وزير للبترول، فقد استقطب، ودرب، وسعى لمنح الجنسية لكفاءات نفطية عدة، وبعض من عمل معه خلفه ولو بعد حين على وزارته المهمة.

كما لا أغفل عن هذه الصفة الجليّة لدى الدكتور غازي القصيبي، ففي سيرته ذائعة الصيت حياة في الإدارة أشاد صراحة بعدة أسماء من معاونيه، واعترف بفضلهم وجهودهم، مثل المهندس يوسف الحماد، والمهندس محمود طيبة، والدكتور عبدالرحمن السويلم، وغيرهم، وقد أسهبت في الحديث عن القصيبي لأهميته، وشعبيته، ولأن شخصيته القوية المعتزة بذاتها اعتزازًا كبيرًا قد تسامت وتغلّبت على الفردية المقيتة، وأنصفت شركائها، علمًا أن القصيبي قد أسس معهدًا أو مركزًا للدراسات والاستشارات، وهو مصنع رجال وكفاءات، وبعض من عمل فيه خلفوا أبا يارا في مناصبه بترشيح منه، مثل المهندس عبدالعزيز الزامل، فمما لا يخفى أن المسؤول الذي يغادر منصبه وهو مرضي عنه، قد يطلب منه ترشيح أسماء لخلافته، وغالبًا يؤخذ برأيه.

كذلك مما سمعته من موظفين كبار، أو بصراء ذوي ملاحظة، أن إحدى مزايا الشيخ أ.د.عبدالله التركي هي في حسن انتقائه للرجال، وكمال توظيفه لهم، ودقة متابعتهم، وإدامة التواصل معهم للتوجيه أو المشاورة. وأخبرني بعض من عملوا ضمن فريق الوزير الراحل د.محمد الأحمد الرشيد، أو مع فريق الوزير أ.إياد بن أمين مدني أنهم واظبوا على سياسة دائمة في أي زيارة عمل، أو اجتماع رسمي، ما لم يطلب منهم الانفراد بهم، وهذه السياسة هي أن يأخذوا معهم أركان وزارتهم، ومن تعنيه الزيارة أو يفيده الاجتماع بشيء، وهذا الاصطحاب والمعايشة يرفع من حسّ المسؤولية، وشعور الانتماء لدى أعضاء الفريق، ويقوي من ملكتهم، ويزيد قدرتهم على الإصابة في الرأي وفي العمل، ومثله إخبار الفريق بالمستجدات غير السرية والحساسة، كي تكون أذهانهم حاضرة بالجديد عند العمل، وحين بذل الشورى.

ومن فضل الله علينا أن في أعضاء مجلس الوزراء الموقر الحاليين من حباهم الله بهذه الخلة الحميدة، والمسلك الإداري الرشيد، وهي خصلة تتوافر بسبب اتساع الأفق، والثقة بالنفس، وتنوع التجارب، والحرص على امتداد الأثر، وتقديم المصلحة العليا والعامة، وقد يكون الوزير الذي يصنع من يعقبه أولى الناس بالترقية والبقاء خلافًا لما يقع في نفس من ضاقت نفسه عمن سواها! ولولا الحرج من المعاصرة لذكرت بعض الأسماء والأمثلة، لكن المتابع يعلم عنهم أكثر مني، فكم من ماجد تجاسر بتوفيق من الله فصنع جمعًا من القادة المؤهلين لحمل الأعمال، وأداء المهام، والقفز الآمن بها نحو مساحات أرحب، لتحقيق منجزات منشودة وربما أكثر، والله يكتب أجور الجميع، ويرحم من رحل منهم إلى الدار الآخرة.

ومن باب إكمال جوانب الموضوع، فقد يبتلى البعض بانعدام خاصة التآلف معه، وشدة النفرة منه، بسبب حرارة طبع، أو حدة لسان، أو سوء ظن، أو عجلة مذمومة، أو غير ذلك، وما أعظم ضرر من هذه خصاله على نفسه وتاريخه وعمله. ولإكمال الفائدة أيضًا أشير إلى مختصر دأبت على إيراده في بعض البرامج التدريبية، وخلاصته أن خصائص أي فريق ناجح تجتمع في كلمة (MAGIC)، وهذه الأحرف الأعجمية ترمز لما يلي بالتوالي: مهمة مشتركة، قبول العضوية ولوازمها، قواعد عامة حاكمة، موثوقية ومصداقية، التزام بما يتفق عليه، وكنت أتظارف قائلًا للمشاركين: إن فقدان الحرف الأخير يحيل الأمر من فريق عمل ساحر الأداء إلى شوربة دجاج ليس إلّا!

هذا ما فتح الله الحميد به عليّ، على إثر رسالة ضحوية من رفيق كريم، فكتبت ما كتبت عفو خاطر في الجمع والإيراد، وحتى في المعالجة والتحليل؛ ذلك أن الاستقصاء يحتاج لوقت طويل، والمعالجة العميقة تلقي بظلالها الثقيلة الغثيثة على مقال الغاية منه بثّ فكرة لكل إنسان أيًا كان موقعه وأيًا كانت مهمته، ففرق العمل أداة حاضرة في البيت، وفي المنشأة الصغيرة، وفي الأعمال الدائمة والمؤقتة. والمهم أن يختار الإنسان فريق عمل محترف مهني مخلص، يكون فيه التنوع والاختلاف الذي يقود لسداد الرأي، وصواب التوجه، وأما تكرار النسخ فلا جدوى منه في الغالب، فالقاعدة الإدارية تقول: إذا كنت أنت وفريقك دائمًا على رأي واحد، ففيكم من لا داعي له!

ahmalassaf@

الرياض- الثلاثاء 15 من شهرِ الله المحرم عام 1448

30 من شهر يونيو عام 2026م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.