سير وأعلام عرض كتاب

علماء وأعيان من آل سلمي

صنع لي نجلي العزيز سعود -وفقه الله وأعانه- كوبًا من عصير البطيخ الممزوج مع قطعة صغيرة من الليمون وعدة قطع من الثلج، وهو مشروب لذيذ في مواسم هذه الفاكهة المحببة التي تغني عن كثير من الأكل، وقد تصرف عن شرب المنبهات، ومع أني مستمتع برفيقي الأحمر البارد المنعش، إلّا أن متعتي أعظم وأنا أقلّب كتابًا ماتعًا منعشًا عنوانه: علماء آل سلمي وأعيانهم، تأليف: أ.د.عبدالعزيز بن محمد بن عبدالمحسن الفريح، صدرت طبعته الأولى عن دار العقيدة للنشر والتوزيع عام (1447=2026م)، ويقع في (368) صفحة، ومن لطيف الموافقات أن سعودًا -أسعده الله- هو من تسلّم نسختي من هذا الكتاب.

لفت نظري في الكتاب كثرة ما يرويه المؤلف عن والده وعن آخرين من أقاربه وبني عمه فمن سواهم، وها هنا ملمح حري أن يؤكد عليه، هو ضرورة تداول الحديث بين الآباء والأولاد، ورواية اللاحق منهم عن السابق، والالتزام بلقاء وصحبة وحوار بينهم، إضافة إلى أهمية الإفادة من كل جليس، وذي علم، وحفظ، بالسماع منه في المجالس والمحافل، والزيارات والمناسبات، واللقيا وإن تقاصرت، فهي فرص قد تضيع على من يمضي جلساته في أحاديث قصيرة العمر عديمة الغَناء، وغالبها يكون في قضايا الساعة التافه منها والمهم.

كما لفت نظري ترداد كلمة العم من قبل المؤلف أمام أسماء كثير من العلماء والأعيان، وفيهم عدد كبير من أسرة العصيمي بالزلفي، وما أكمل صلة الرحم، وما أجلّ تواصل الأسر ولو باعدت بينهم الديار، وطالت العهد الزمني عنهم، وتعددت طبقات النسب ودرجاته، وتغيرت الأسماء والألقاب وبعضها يحتاج لتفسير أو شرح لأسبابه، ولذلك نجد في الكتاب عدة أسماء لأسر عريقة كلها تنتسب لمرجع واحد هو آل سلمي، وهم منتشرون داخل المملكة وخارجها، ولهم ارتباط بموطنهم الأصلي في قفار جوار حائل، ولهم اعتزاز بها وبانتمائهم لبني العنبر من بني تميم، وليت المؤلف أشار لشيء من صلة أسرته المنتشرة بموضعهم الأول حاليًا، كي يكون فيه فائدة وقدوة.

كذلك فمما لا يفوت أثناء مطالعة أخبار هذه الثلة الكريمة من العلماء والأعيان، أنهم برعوا في مجالات عدة، على رأسها وهو أشرفها علوم الشريعة الغراء، والقضاء والإمامة والأذان وكتابة الوثائق، ولهم فيها قدم راسخة، ومدرسة متداخلة مع حلق العلم وجوامعه ومكتباته في الديار النجدية خاصة. ومنها أن عددًا غير قليل منهم نالوا الوجاهة والتقدم في بقاع عدة، بالإمارة، والقيادة العسكرية، والتجارة، والوزارة، والسفارة، والتعليم، والعمل المجتمعي، والإمامة والأذان لعقود من السنين متوالية، وخدمة المجامع العلمية.

ومن آثارهم الحميدة أوقاف غير مسبوقة، ومساجد تاريخية، وأعمال قرآنية، وعلمية، ودعوية، وأسماء متسلسلة من طلبة العلم، وعلاقات وثيقة بعلماء وأئمة، وأحوال مذكورة من الزهد والتأله والعبادة، ودفاع عن الحرم، وعن فلسطين، وعن بلداتهم، ونجدات وهبات لمساعدة ذوي الحاجة سواء من الأفراد بالإطعام والكسوة والتطبيب، أو من المجتمعات مثلما ناضلَ بعضهم ضد الإنجليز والفرنسيين في بلاد العراق والشام، ومثلما كان بعضهم خير معين ومستشار وأمير للملك عبدالعزيز والحكومة السعودية داخل حدود الدولة أو خارجها، ومثلما تصدى بعضهم لدفن الموتى في سنة الرحمة عام 1337 عندما تحامى الناس دفن موتاهم خوفًا من العدوى بالوباء.

ويستوي في هذا الفضل أعيان من رجالات الأسرة المتفرعة لعدة أسر، ومن نسائها الوارد النص عليهن بالاسم اعترافًا بالفضل والإحسان، وحتى لو لم تذكر النساء فإن العاقل يعلم علم اليقين أن أسرًا هذا بعض أحوال رجالاتها، وهذا طرف من أمجادهم، لابدّ أن تكون الحرائر العقائل العفيفات المنتسبات إليها من ذوي المكارم والفضائل، ذلك أن الرجل يعظم أثره ويزداد بالخير تأثيره إذا ربته امرأة صالحة، وأدارت بيته امرأة صالحة، وأحيط بنساء من المحارم والقريبات صالحات، والصلاح هنا ليس بكثرة العبادة الفردية فقط، وإنما بصلاح المرأة للنهوض بمسؤوليتها الكبرى نحو بيتها وعائلتها وأسرتها وبيئتها، وهي مسؤولية قد يعيش فئام وتنتهي أعمارهم دون أن يعرفوا حقيقتها ويدركوا كنهها ومعناها! إن تاريخ أي أسرة وأي مجتمع، هو تاريخ الرجال والنساء، وهو تاريخ متداخل لا يمكن عزل قسم منه عن آخر، ولا يتنافى مع حرص المجتمعات النقية على الفصل الواقعي المقبول بين هذين القسمين.

ومما يحسن التنويه عنه، أن حصر هذه المآثر، وإبراز تلك المفاخر، لا يساق من باب التباهي والتزين بمن مضى، بل فيه حض لأجيال الأسرة ولغيرهم على حسن التأسي والاقتداء، وهذا معلم من معالم العراقة لا يخفى، وقد نقل المؤلف في مقدمته عن الشيخ الفقيه الحافظ أبي الوليد الباجي نصَّ وصيته لولديه، ومنها: “واعلما أننا أهل بيت لم نخلُ بفضل الله ما انتهى إلينا منه من صلاح وتدين وعفاف وتصاون،… فلم يكن في أعمامكما إلا مشهور بالحج والجهاد والصلاح والعفاف،… فلا تأخذا غير سبيلهم، ولا ترضيا غير أحوالهم، فإن استطعتما الزيادة فلأنفسكما تُمهِّدان، ولهما تبنيان، وإلّا فلا تقصّرا عن أحوالهم”.

هذا العمل الجليل المكون بعد المقدمة والتمهيد من مبحثين، الأول للأعلام والأعيان، والثاني للوثائق، جدير بأن يثنى عليه ويشكر عليه مؤلفه؛ لأنه جمع بين الوثيقة المكتوبة والرواية الشفهية، وتصدى لمهمة عسيرة تحتاج لتفرغ وبحث جاد رصين وصبر؛ ذلك أن جلّ المؤلفين، وخاصة من يكتب في تاريخ البلدات والأسر قد يتعرض -فوق صعوبة منهج الكتابة في هذا الحقل- للتخذيل قبل التمام، وللملامة والنقد بعد النشر، ولا بأس بالنقد الصحيح المؤدب، وإنما البأس كل البأس حين يأتي النقد من أناس لم يتعاونوا مع الباحث ولو بشطر كلمة، وقد يكون فيهم من حاول وأد المشروع والهمة لإنجازه! ومع الإشادة بالمؤلف فلا بد من تعميم الثناء لمن ساعده وأمده بالوثائق أو المرويات من أفراد أسرته خاصة، إن في هذه الطبعة، أو فيما سيتلوها، وهو ما يأمله الشيخ البروفيسور عبدالعزيز ويدعو له كل من اطلع على الكتاب، كي تغدو نشرته القادمة أعظم نفعًا وأغزر معلومة.

ألا ليت سعودًا وجيله أن يعتنوا بالقراءة، والرواية الشفهية، والمذاكرة، والسماع النافع، والحضور الذهني في اللقاءات والمجالس، ذلك أن هذا هو أحد المعاقد التربوية الباقية للحفاظ على الأجيال من الابتعاد عن الأصول والثوابت، فكلما تداخلت الأجيال قويت واقتبس كل جيل من سلفه أحسن ما فيه، ووعى من الحقائق والأحداث ما لم يدرك زمنه، أو ما لا تتوافر في المعلن والمطبوع من المصادر حكايته الكاملة بأبعادها.

ahmalassaf@

الرياض- ليلة الاثنين 14 من شهرِ الله المحرم عام 1448

29 من شهر يونيو عام 2026م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.