قراءة وكتابة لغة وأدب

لمن تقرأ قبل أن تكتب مقالا!

كتابة المقال هي المدرجة الأولى لأكثر أصناف الكتابة؛ ولذا فالتدريب عليها يصلح أن يكون بوابة لما بعده، ومن أظهر الدلائل على ذلك أن جلّ أكابر الكتّاب قد كتبوا المقالات، وجزء منها كُتب تعريفًا بكتب أو شخصيات معاصرة أو قديمة. لأجل ذلك فمن الحسن الإشارة إلى بعض كتّاب المقالات المجيدين الذين يمكن للكتّاب التعلّم منهم. هؤلاء الكتّاب الكبار كثر، وحصرهم صعب، والاتفاق عليهم أصعب، وقد تبتلى الآراء بضغوط فكرية، وحمولات تيارية، تقصي من يستحق، وتقرب من غيره أولى.

لكن المهم أن يعلم الكاتب والناشئ منهم على وجه الخصوص، أن لكاتب المقال الذي يستحق أن يمضي معه بعض الوقت شروط كتابية، وصفات ثقافية؛ كي يسلم من الانبهار الأوّلي، والتعلّق بأول كاتب، وينجو من عمى التقليد لمن لا يستأهل، ويحمي عقله من عمه التبعية لمشهور حُرم من المنفعة. وهذه التحرزات مهمة؛ فالكاتب يترك أثرًا في نفسه قارئه أو أكثر! فمن هذه الشروط والصفات:

  1. خلود ما يكتبه؛ فهو لا يكتب لليوم فقط. غالب من يكتب كتابة مؤقتة لا تنال من عنايته وجهده مثل من يكتب لليوم والغد وما بعدهما. الكتابة الخالدة جديرة بأن تقدّر وتقرأ. الكتابة الخالدة فيها علم، أو تاريخ، أو لغة، أو أدب، أو فكر، وبعضها أنفع للقارئ من كتاب! أما الكتابة المؤقتة فهي اللحظية المرتبطة بحدث أو حال أو مصلحة ذاتية، وغالبها كلام مرسل، ليس فيه فكرة حية، ولا لغة أنيقة، أو بذرة يمكن التأسيس عليها.
  2. التشارك في الاختصاص، فإذا كنت تكتب في البلدان فأبحث عن كاتب بلداني، وإذا فتح عليك في نصوص التدبر والإيمان فمطلوبك تجده لدى كاتب فاز بالفتح نفسه، وإذا انصرفت صوب السياسة -وأعيذك بالله منها- فعليك بكاتب سياسي، وهكذا، على ألّا تحصر نفسك في القراءة من حقل واحد فقط.
  3. وجود النفس البحثي؛ بمعنى أن تكون المادة المكتوبة فيها ثراء بالمعلومة والكتب والمرويات، وما أنفع المقال الذي يقتبس بعض سمات البحث. وكي لا أغمط بعض الكتّاب قدرهم، فربما أن بعضهم يأتي برأي نفيس بني على نظر وتعمق واقتناع بعد طول درس وتفتيش، وهذا العمل يوازي المقال البحثي في الأهمية والنفاسة. هذه الخصيصة تحمي كاتبنا العزيز من السطحية، وغثائية التلقي، ومن إضاعة وقته مع كاتب لا يتعب قبل أن يكتب!
  4. الإضافة لك؛ سواء باللغة، أو الأسلوب، أو طريقة التفكير والمعالجة، أو في ابتداء الفكرة وصناعتها. إذا كان الكاتب لا يضيف لك شيئًا فلا تضع وقتك معه، وهذا لا يعني إسقاطه كي لا نظلمه، فربما أن مزاجك الثقافي لم يتوافق معه، وقد يكون أعلى من مستواك، أو لم يُؤدم بينكما فكريًا أو بلدانيًا أو غير ذلك.

عقب ذلك، يجب عليك الحرص على تنويع الموارد، وتكثيرها، والانعتاق من أسر الانجذاب لكاتب واحد أو لعدد محدود منهم. صحيح أن التقليد والمحاكاة مقبولة في أول المسيرة، بيد أنها بعد ذلك تغدو مشينة في سيرورتك الثقافية، ولا مناص لك من النجاة منها. من سبل النجاة بعد ورود أكثر من منبع، إعمال النقد العلمي العادل، والابتعاد قليلًا عن نصوص من يعجبنا قلمه، وقراءة ما يقوله نقاده ومنافسوه وخصومه عن أعماله.

ومن نافلة القول أن كتابة المقال راجت ثمّ خفتت، بيد أن هذا الانكسار لم يدم فسرعان ما عادت للظهور من جديد. ومن نافلة القول أن هؤلاء الكتاب من الكثرة بمكان، فيصعب الإشارة لجميع من يحقق الشروط أعلاه، بسبب الجهل ببعضهم، أو النسيان، أو الغفلة، أو الحرج الزمني المرتبط ببعض الأسماء، أو غير ذلك، والأجدى من التحديد -الذي لن يجده القارئ هنا- غرس المفهوم لدى الكاتب الناشئ، وبعدها يستخير الله، وينتقي من يجد لديه الفائدة المرجوة، ومن يرى في نفسه إقبالًا عليه، ونهمة لا تشبع من التزود من معينه.

إن القراءة للمجيدين من الكتّاب لا تهدف إلى استنساخهم أو تكرار نماذجهم ووقع الحافر على الحافر، وإنما تهدف إلى تلقيح عقل الكاتب الناشئ؛ ليتكون لديه -مع الوقت- صوته الخاص، وأسلوبه المستقل. هذا التكوين لا يصنع في وقت قصير، ولا يستقيم إلّا مع شخصية لديها نزوع منضبط نحو الاستقلال، وسعي محمود صوب التفرد، ورغبة أكيدة في تقديم شيء مختلف حتى لو كانت المدخلات متشابهة مع الآخرين، فالكاتب الحر الحي متيقظ الذهن للمعالجة وتقليب أوجه النظر، وله من الذائقة ما يسعفه دون تعمّد إغراب أو شذوذ.

وسيكون من النافع جدًا، والمفيد حقًا، لو استطاع القارئ الكاتب دراسة آثار من قرأ له، وتابع أكثر أعماله، حتى يعرف موارده، وأسسه الفكرية، وأسلوبه الكتابي، وما عنده من حسنات، وما لا يسلم منه بشر من مؤاخذات، مع التعريج على إنتاجه المكتوب، والتعريف به، فهذا أقل الواجب والحق لمن استفدنا منه، وهو جزء من الحق في أعناقنا للأجيال القادمة، كي تبقى هذه الأسماء ومؤلفاتها حاضرة في ميادين العلم والثقافة، وحتى نرفع عن عصرنا أي تهمة أو كلمة عامة طائشة، ولتجد تلك القلوب والعقول من الشباب والشابات من يغذيها مستندًا لموروث أمته العربية والإسلامية، ومستأمنًا على رصيده الأهم من كتّاب المستقبل ومفكريه.

ahmalassaf@

الرياض- الاثنين 07  من شهرِ الله المحرم عام 1448

22 من شهر يونيو عام 2026م

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.